في كل يوم تقريبًا، تظهر على منصات الفيديو القصير لقطة جديدة تقتحم الشاشات بسرعة لافتة، وتنجح خلال ساعات في خطف انتباه آلاف المتابعين، لا لأنها تقدم معلومة مؤكدة أو خبرًا موثقًا بالمعنى التقليدي، ولكن لأنها تلامس منطقة حساسة جدًا في وعي الجمهور: منطقة الغموض والخوف والفضول. ومن بين هذه المقاطع، عاد مؤخرًا إلى الواجهة فيديو متداول يحمل عنوانًا مثيرًا: “يكتب طلاسم في الحمام”، وهو عنوان وحده كافٍ لصناعة حالة من الترقب قبل أن يبدأ المشاهد حتى في فهم ما الذي يراه أمامه فعلًا. الصورة المتداولة تبدو مأخوذة من مكان مهجور أو غير مكتمل، جدرانه باهتة متسخة، وأرضيته مليئة بالمخلفات وبقايا مواد البناء أو الهدم، بينما يظهر على الحائط شكل مرسوم بخطوط داكنة أشبه بمربعات أو رموز غير واضحة، وهو ما دفع كثيرين إلى وصف المشهد بأنه دليل على وجود “طلاسم” أو كتابات غامضة ترتبط بأعمال غير مفهومة.لكن ما يجعل هذا النوع من المقاطع يحقق انتشارًا واسعًا ليس الصورة وحدها، بل الطريقة التي يتم بها تقديمها للجمهور. فالعنوان القصير المثير، مع استخدام رمز الصدمة، ومع لقطة مهتزة منخفضة الجودة، ومع بيئة تبدو مهجورة أو موحشة، كل ذلك يصنع مزيجًا بصريًا ونفسيًا يدفع المشاهد إلى إكمال الفيديو، ثم مشاركته، ثم التعليق عليه من زاويته الخاصة. وهنا لا يعود الفيديو مجرد مشهد، بل يتحول إلى مادة خصبة للتأويل. بعض الناس يراه أمرًا عاديًا لا يتجاوز كونه شخبطة على حائط قديم، وآخرون يتعاملون معه كأنه اكتشاف مرعب، وفريق ثالث يجد فيه فرصة للسخرية أو إطلاق النكات، بينما يذهب آخرون إلى تحذيرات دينية واجتماعية واسعة. هذه الرحلة السريعة من لقطة خام إلى “قضية مصغرة” على منصات التواصل تكشف الكثير عن طبيعة المحتوى الرقمي اليوم، وكيف أن الصورة غير المكتملة كثيرًا ما تترك للجمهور مهمة إكمال الحكاية بنفسه.
مشهد بسيط.. لكن تأثيره أكبر من حجمه
عند النظر إلى الصورة نفسها، لا يبدو أمامنا مشهد استثنائي من الناحية التقنية. الجودة منخفضة، والإضاءة قاسية وغير متوازنة، وهناك قدر من التشويش يجعل التفاصيل الدقيقة غير محسومة. ومع ذلك، فإن هذه المحدودية نفسها قد تكون أحد أسباب الانتشار. فكلما قلت دقة المشهد، زادت مساحة الخيال عند المشاهد. العقل البشري بطبيعته لا يحب الفراغات، ولذلك يسعى سريعًا إلى ملئها بتفسيرات جاهزة، خاصة عندما تكون الكلمة المفتاحية في العنوان كلمة مثل “طلاسم”، وهي كلمة تحمل شحنة ثقافية ونفسية كبيرة في المجتمعات العربية، لأنها ترتبط في المخيلة الشعبية بالسحر والخوف والأماكن المهجورة والأحداث غير المفسرة. لذلك لم يكن مفاجئًا أن يثير الفيديو فضولًا واسعًا، وأن يبدأ المتابعون في التكهن: هل نحن أمام كتابة عشوائية؟ أم أمام رموز مقصودة؟ وهل المكان حمام مهجور فعلًا؟ أم مجرد غرفة غير مكتملة جرى تصويرها بطريقة توحي بشيء أكثر رعبًا مما هي عليه؟
اللافت هنا أن كثيرًا من الجمهور لم يتوقف طويلًا عند السؤال الأساسي: ما مصدر الفيديو؟ وأين التقط؟ ومتى؟ وهل توجد رواية موثقة حوله؟ وبدلًا من ذلك، جرى القفز مباشرة إلى مرحلة التفسير. وهذا نمط متكرر جدًا في المحتوى الرقمي سريع التداول؛ إذ تسبق المشاعرُ التحققَ، ويسبق الانطباعُ المعلومةَ، وتسبق الرغبة في المشاركة الرغبةَ في الفهم. ولذلك يصبح الفيديو، حتى لو كان غامضًا أو ناقصًا أو ضعيفًا من حيث الدليل، قادرًا على صناعة موجة تفاعل كبيرة لمجرد أنه أصاب نقطة حساسة في الوجدان العام.
لماذا تجذبنا المقاطع الغامضة بهذه السرعة؟
لأن الغموض، ببساطة، يخلق فراغًا معرفيًا، والإنسان بطبيعته يحاول سد هذا الفراغ في أسرع وقت. وحين يكون المشهد مرتبطًا بمكان مهجور أو جدار متسخ أو رموز غير مفهومة أو عنوان يحمل إيحاءً بالخطر، فإن المتابع لا يتعامل مع الفيديو كمعلومة فقط، بل كتجربة شعورية قصيرة. يشعر بالتوتر، ثم بالفضول، ثم بالرغبة في معرفة المزيد، ثم بالحاجة إلى مشاركة ما شاهده مع غيره. ومن هنا تنشأ دوائر الانتشار. شخص يرسل الفيديو لصديقه ويقول له: “شوف ده بجد ولا تمثيل؟”، وآخر يرسله في مجموعة عائلية مرفقًا بتحذير، وثالث ينشره على صفحته مع تعليق ساخر. وكل مشاركة جديدة تمنح الفيديو حياة أطول، حتى لو لم تضف معلومة واحدة مؤكدة.
ومما يزيد هذا التأثير أن منصات الفيديو القصير مبنية في الأصل على اقتصاد الانتباه؛ أي أن ما ينجح ليس بالضرورة الأكثر دقة، بل الأكثر قدرة على إيقاف إصبع المستخدم عن التمرير. العنوان الصادم، واللقطة المظلمة، والصوت المتوتر أو المصاحب الموسيقي المخيف، كلها أدوات فعالة جدًا في هذه المنصات. ولهذا فإن مشهدًا واحدًا غير واضح يمكن أن ينافس أحيانًا عشرات المواد الأكثر قيمة ووضوحًا، فقط لأنه يملك “الخطاف” العاطفي الذي يدفع المتلقي إلى التفاعل الفوري.
بين القراءة الشعبية والقراءة العقلانية
لا يمكن إنكار أن الجمهور العربي، مثل كثير من الجماهير حول العالم، يحمل ذاكرة طويلة مع القصص المرتبطة بالأماكن المهجورة والرموز الغامضة والحكايات غير المفهومة. هذه الذاكرة الشعبية تجعل بعض المشاهدين أكثر استعدادًا لتصديق وجود شيء غير عادي في مثل هذه اللقطات. لكن في المقابل، هناك قراءة أخرى أكثر هدوءًا ترى أن كثيرًا من هذه الرسومات قد تكون مجرد علامات إنشائية، أو آثار لعبث أشخاص دخلوا المكان، أو حتى مجرد خطوط عشوائية صارت مثيرة فقط لأن الكاميرا اقتربت منها والعنوان منحها معنى أكبر من حجمها.
والفرق بين القراءتين ليس فرقًا في الذكاء، بقدر ما هو فرق في نقطة البداية. القراءة الشعبية تبدأ من الحكاية، ثم تبحث عن دليل يؤيدها. أما القراءة العقلانية فتبدأ من الدليل، ثم تسمح للحكاية بأن تتشكل فقط إذا توفرت عناصرها. وفي زمن السرعة الرقمية، غالبًا ما تنتصر الحكاية أولًا، لأن الحكايات أسهل انتشارًا من الأسئلة الدقيقة. الناس تميل إلى الجملة الجاهزة أكثر من ميلها إلى التحقيق، وتميل إلى الرواية المشوقة أكثر من ميلها إلى التريث. لذلك نجد أن فيديوهات كثيرة تعيش أيامًا أو أسابيع على وقع التهويل، قبل أن يكتشف المتابعون لاحقًا أن أصلها أبسط بكثير مما صُوِّر لهم في البداية.
العنوان المثير.. كيف يصنع القصة قبل أن تبدأ؟
لو جرى نشر المقطع نفسه بعنوان محايد مثل: “رسومات غريبة على جدار مكان مهجور”، فربما لم يحصد سوى جزء محدود من الاهتمام. أما عندما يُصاغ العنوان على هيئة “يكتب طلاسم في الحمام”، فإننا نكون أمام قصة شبه جاهزة. هناك فعل واضح: يكتب. وهناك موضوع مشحون: طلاسم. وهناك مكان ضيق ومثير للرهبة: الحمام. هذه العناصر الثلاثة تكفي وحدها لبناء أجواء كاملة في ذهن المشاهد، حتى لو لم يوفر الفيديو نفسه أدلة كافية على أي منها. وهنا يظهر دور اللغة في صناعة الحدث الرقمي. فالمنشور لا يصف فقط ما حدث، بل يوجه طريقة استقباله، ويقود المشاهد نحو شعور بعينه قبل أن يقرر هو بنفسه ماذا يرى.
هذه الممارسة ليست جديدة، لكنها أصبحت أكثر حضورًا مع تصاعد المنافسة على المشاهدات. فكل صانع محتوى يعرف أن العنوان هو البوابة الأولى، وأن المفردة المثيرة قادرة على رفع نسب النقر والمشاهدة. غير أن المشكلة تبدأ عندما يتحول العنوان من وسيلة جذب إلى أداة تضخيم أو إيحاء يتجاوز ما في المادة نفسها. عندها لا يصبح السؤال: “ماذا حدث؟” بل “كيف جرى تقديم ما حدث؟”. وفي هذا الفارق الصغير تختبئ كثير من أسباب الالتباس التي نراها كل يوم في المحتوى المتداول.
ردود الفعل.. من الخوف إلى السخرية
من المعتاد في مثل هذه الحالات أن ينقسم التعليق العام إلى عدة اتجاهات متباينة. هناك من يدخل مباشرة في أجواء الخوف، ويتعامل مع اللقطة باعتبارها دليلًا على أمر مريب، ويبدأ في كتابة تعليقات تحذيرية أو دينية أو أخلاقية. وهناك من يرفض الفكرة بالكامل، ويعتبر الفيديو محاولة رخيصة لصناعة التفاعل. وهناك من يتخذ من المشهد مادة للسخرية والنكات، فيخفف التوتر لكنه يساهم في الوقت نفسه في إبقاء الفيديو حيًا ومتداولًا. والغريب أن كل هذه الفئات، رغم اختلاف مواقفها، تشترك في نتيجة واحدة: المزيد من الانتشار.
فحتى السخرية، وهي في ظاهرها نفي للمشهد أو تقليل من أهميته، تؤدي عمليًا إلى إعادة تدويره. وكلما تعددت زوايا التفاعل، زادت فرص بقاء الفيديو في الواجهة. لذلك لم يعد الانتشار مرتبطًا بالإقناع الكامل، بل صار يكفي أن يكون المحتوى قابلًا للنقاش أو الجدل أو النفي أو المزاح. هذه واحدة من السمات الأساسية للمشهد الرقمي الحالي: لا يلزم أن يصدقك الجميع، يكفي أن تمنحهم ما يكفي من الإثارة ليواصلوا الحديث عنك.
كيف نتعامل مع مثل هذه المقاطع دون تهويل؟
أول خطوة ضرورية هي الفصل بين ما نراه فعلًا وما يُطلب منا أن نشعر به. الصورة قد تُظهر جدارًا عليه خطوط غير واضحة في مكان غير مرتب، لكن العنوان هو الذي يدفعنا إلى اعتبارها “طلاسم”. لذلك من المفيد دائمًا أن نسأل: هل المشهد نفسه يثبت ذلك، أم أننا تلقينا هذا التفسير جاهزًا؟ الخطوة الثانية هي البحث عن المصدر الأصلي، لأن كثيرًا من المقاطع يعاد قصها أو نشرها خارج سياقها، فتفقد تفاصيل أساسية كانت قد تغير فهمها تمامًا. والخطوة الثالثة هي الحذر من التعميم؛ فليس كل ما يبدو غريبًا يحمل معنى خفيًا، وليس كل مكان مهجور مسرحًا لحدث مرعب، وليس كل كتابة غير مفهومة تحمل دلالة خطيرة.
كذلك من المهم أن نتذكر أن جودة الصورة الرديئة ليست دليلًا على الصدق، كما يتصور بعض الناس أحيانًا، بل قد تكون مجرد عامل يزيد الإرباك. كثير من المقاطع التي تحقق ضجة واسعة تكون في الأصل ضعيفة بصريًا، وهو ما يسمح لمخيلة المتلقي بأن تكمل ما لا يظهر بوضوح. وفي هذه الحالة، يكون الهدوء في التلقي جزءًا من الوعي الرقمي، لا مجرد موقف متحفظ. فالمتلقي الذكي ليس هو الذي يرفض كل شيء، ولا الذي يصدق كل شيء، بل الذي يعرف كيف يعلّق حكمه حتى تتضح الصورة.
من لقطة عابرة إلى درس في الوعي الرقمي
ربما ينتهي أمر هذا الفيديو كما انتهت عشرات المقاطع المشابهة قبله: ضجة سريعة، ثم تراجع تدريجي، ثم ظهور مادة جديدة تخطف الأنظار. لكن القيمة الحقيقية في هذه الحالات لا تكمن فقط في معرفة هل ما على الجدار طلاسم فعلًا أم لا، بل في فهم الآلية التي من خلالها تنتقل لقطة عادية أو غامضة من هاتف شخص ما إلى شاشات آلاف الناس في وقت قصير. هذه الآلية تقوم على عناصر معروفة: عنوان مثير، مشهد قابل للتأويل، بيئة بصرية موحية، جمهور مستعد للتفاعل، ومنصة تكافئ كل ما يحافظ على الانتباه لثوانٍ إضافية.
من هنا، يصبح التعامل مع هذا النوع من المحتوى فرصة لتدريب أنفسنا على التحقق، وعلى مقاومة الإيحاء السريع، وعلى التمييز بين الخبر بوصفه واقعة وبين الخبر بوصفه قصة مصنوعة لجذب الانتباه. وليس المطلوب من المتابع أن يفقد دهشته أو فضوله، فهذان عنصران طبيعيان ومهمان، لكن المطلوب فقط أن يضيف إليهما سؤالًا بسيطًا: ما الذي أعرفه يقينًا هنا، وما الذي جرى دفعني إلى تخيله؟ هذا السؤال وحده قادر على تقليل كثير من الالتباس الذي تصنعه المقاطع الغامضة.
الخلاصة
الفيديو المتداول بعنوان “يكتب طلاسم في الحمام” يمثل نموذجًا واضحًا لكيفية تشكل القصص الرقمية في زمن المقاطع القصيرة. فالمشهد نفسه، رغم بساطته وغموضه، استطاع أن يثير جدلًا واسعًا لأنه جاء مغلفًا بعنوان قوي، وفي بيئة بصرية موحية، وضمن مناخ رقمي يحب كل ما هو غامض وصادم. وبين من صدّق، ومن شكك، ومن سخر، استمر التداول، وحقق المحتوى هدفه الأهم: جذب الانتباه. لكن ما يبقى أكثر أهمية من المقطع نفسه هو الدرس الذي يقدمه لنا: ليس كل ما يبدو مخيفًا حقيقة، وليس كل ما ينتشر يستحق التصديق السريع، والوعي الرقمي اليوم لم يعد ترفًا، بل ضرورة لكل من يريد أن يقرأ ما يراه على الشاشة بعين أكثر هدوءًا وإنصافًا.
وفي النهاية، قد تكون الكتابات الظاهرة على الجدار مجرد خطوط بلا معنى كبير، وقد تكون رموزًا كتبها أحدهم لسبب شخصي أو عابر، لكن المؤكد أن القصة التي بُنيت حولها كانت أكبر بكثير من المشهد الأصلي نفسه. وهذا، في حد ذاته، هو الخبر الحقيقي الذي يستحق التوقف عنده: كيف تصنع المنصات من الغموض مادة للاستهلاك السريع، وكيف يشارك الجمهور أحيانًا، بحسن نية أو بدافع الفضول، في تضخيم ما لم يتأكد منه بعد. وبين لقطة غير واضحة وعنوان مثير، تولد حكاية كاملة، ويبقى على المتابع وحده أن يقرر: هل يكتفي بالانفعال، أم يختار الفهم أولًا؟