تخيل أن تستيقظ يوما لتجد هاتفك الذكي مجرد قطعة من الزجاج والبلاستيك لا قيمة لها تبحث عن إشارة “الواي فاي” فلا تجد شيئا تحاول إجراء مكالمة طوارئ فتكتشف أن شبكات الاتصال قد تبخرت، ليس هذا فحسب بل إن أنظمة الملاحة في الطائرات تعطلت وشبكات الكهرباء في مدن كبرى انقطعت تماماً، مما أغرق الملايين في ظلام دامس.
قد يبدو هذا المشهد وكأنه افتتاحية لفيلم سينمائي من نوع “نهاية العالم” لكن الحقيقة العلمية تقول إننا لسنا بعيدين عن هذا الاحتمال، السبب ليس غزو فضائي أو حرب سيبرانية بل هو بطل حياتنا اليومي، نحن نتحدث عما يعرف بـ “العاصفة الشمسية القصوى” وهي ظاهرة كونية تتكرر بانتظام لكن خطورتها اليوم تضاعفت بسبب اعتمادنا الكلي على التكنولوجيا.
ما هي العاصفة الشمسية؟ غضب النجم القريب
لنفهم الأمر ببساطة الشمس ليست مجرد كرة ملتهبة من الغاز تعطينا الضوء والدفء بل هي مفاعل نووي ضخم ودائم النشاط، في بعض الأحيان تحدث انفجارات هائلة على سطح الشمس تطلق كميات ضخمة من الطاقة والجسيمات المشحونة وهو ما يسمى “البلازما”.
عندما تنطلق هذه الموجات من الطاقة نحو الفضاء وتتجه مباشرة صوب كوكب الأرض فإنها تصطدم بمجالنا المغناطيسي هذا الاصطدام هو ما نسميه “العاصفة الجيومغناطيسية”، في حالاتها المتوسطة تمر هذه العواصف بسلام.
بل وتهدينا واحد من أجمل المناظر الطبيعية في الكون: “الشفق القطبي”، تلك الأضواء الخضراء والبنفسجية الراقصة في السماء لكن في حالاتها القصوى يتحول الجمال إلى دمار تقني شامل.
تاريخ من الصدمات: حين احترقت أسلاك التلغراف
التاريخ يحذرنا من أن هذه العواصف ليست مجرد نظريات ففي عام 1859 شهدت الأرض ما يعرف بـ “حادثة كارينغتون” وهي أقوى عاصفة شمسية مسجلة.
في ذلك الوقت كانت التكنولوجيا البدائية تعتمد على التلغراف والنتيجة كانت مذهلة ومرعبة فقد تعطلت شبكات التلغراف عالميا، واشتعلت النيران في الأوراق داخل المكاتب بسبب الشحنات الكهربائية الزائدة في الأسلاك بل إن بعض المشغلين تلقوا صدمات كهربائية قوية من أجهزتهم غير المتصلة بالبطاريات!
وفي العصر الحديث وتحديدا في عام 1989 تسببت عاصفة شمسية أقل قوة في انقطاع واسع للكهرباء في مقاطعة كيبك الكندية ما ترك ملايين الأشخاص دون تدفئة أو إنارة لعدة ساعات، ومؤخرا فقدت شركة “سبيس إكس” عشرات الأقمار الصناعية من مشروع “ستارلينك” بسبب نشاط شمسي مفاجئ ما كبد الشركة خسائر ملايين الدولارات.
دورة الـ 11 عاما هل نحن في منطقة الخطر الآن؟
يوضح هاني الضليع عضو الاتحاد العربي لعلوم الفضاء والفلك أن الشمس تمر بدورة نشاط منتظمة تستمر لمدة 11 عام تقريبا، في ذروة هذه الدورة يزداد ظهور ما يعرف بـ “البقع الشمسية” وهي مناطق داكنة على سطح الشمس تشير إلى وجود نشاط مغناطيسي مكثف.
نحن الآن نعيش في أعوام الذروة (2024 – 2026) ما يعني أن احتمالية وقوع انفجارات شمسية قوية تتجه نحو الأرض أصبحت في أعلى مستوياتها، ومع أن المجال المغناطيسي للأرض يحمي البشر ككائنات بيولوجية من الإشعاعات القاتلة، إلا أنه لا يستطيع حماية الأقمار الصناعية الموجودة فوق الغلاف الجوي ولا يستطيع منع اضطراب شبكات الكهرباء والإنترنت التي أصبحت عصب الحياة الحديثة.
الخسائر الاقتصادية تريليونات الدولارات في ثواني
إن عاصفة شمسية واحدة “قصوى” كفيلة بشل حركة الطيران العالمي حيث تعتمد الطائرات كليا على إشارات الأقمار الصناعية للملاحة، كما أن البنوك التي تعتمد في معاملاتها اللحظية على تزامن زمني فائق الدقة توفره أقمار الـ GPS قد تتوقف عن العمل تماما.
يقدر الخبراء أن الخسائر الاقتصادية لمثل هذا الحدث قد تصل إلى تريليونات الدولارات مع احتمال استمرار انقطاع الخدمات لأسابيع، أو حتى أشهر في بعض المناطق نظرا لصعوبة إصلاح المحولات الكهربائية الضخمة التي قد تنفجر بسبب الأحمال الزائدة المفاجئة الناتجة عن العاصفة.
التنبؤ المحدود.. صراع العلم مع المفاجأة
رغم التقدم العلمي الهائل لا يزال التنبؤ الدقيق بموعد ومكان تأثير العاصفة الشمسية محدود للغاية، نحن نملك مرصد شمسي يراقب الانفجارات وبمجرد وقوع الانفجار يستغرق وصول الجسيمات المشحونة إلى الأرض ما بين 15 ساعة إلى بضعة أيام، هذه الساعات القليلة هي كل ما تملكه الدول وشركات الاتصالات لإطفاء الأجهزة الحساسة أو تعديل مدارات الأقمار الصناعية لتقليل الضرر.
يقول الضليع إن الحل المتبع حاليا هو “الإغلاق المؤقت” حيث يطلب من مشغلي الأقمار الصناعية إطفاء الأنظمة الإلكترونية الحساسة خلال فترة مرور الموجة الشمسية، تماما كما نفصل الأجهزة الكهربائية في منازلنا أثناء العواصف الرعدية العنيفة.
الجانب المضيء استمتعوا بجمال الكون ولا تخافوا
في ختام حديثه يبعث هاني الضليع برسالة طمأنة للناس فرغم كل هذه التحذيرات التقنية يظل الإنسان في أمان بفضل الدرع المغناطيسي للأرض، وبدلاً من الخوف يدعو الضليع المصورين وهواة الفلك للخروج إلى الأماكن البعيدة عن التلوث الضوئي للاستمتاع بظاهرة الشفق القطبي التي قد تظهر في مناطق غير معتادة خلال هذه الفترة.
هذه الألوان الزاهية التي نراها على ارتفاع 400 كيلومتر فوق سطح الأرض هي في الحقيقة نتيجة صراع بين جسيمات الشمس ودرع الأرض المغناطيسي، إنها تذكير بمدى قوة الطبيعة، ومدى هشاشة عالمنا التكنولوجي أمام جبروت الكون.
والسؤال الذي يطرحه العلم علينا اليوم: هل نحن مستعدون للحظة التي قد تقرر فيها الشمس أن تطفئ أنوار كوكبنا؟ وهل يمكننا العيش في عالم “أوفلاين” مرة أخرى؟