حقيقة “سحرة التنويم المغناطيسي” وسرقة المواطنين: بين الشائعات والوقائع الأمنية
أثارت مقاطع فيديو متداولة على منصات التواصل الاجتماعي حالة من الجدل الواسع خلال الأيام الماضية، بعد انتشار ادعاءات تتحدث عن وجود أشخاص يستخدمون “التنويم المغناطيسي” أو ما يُعرف بالسحر للسيطرة على الضحايا وسرقتهم في الشوارع، خاصة في مناطق مزدحمة مثل السيدة زينب. وبين حالة القلق التي انتشرت بين المواطنين، وغياب المعلومات الدقيقة في بعض الأحيان، يبرز السؤال الأهم: هل هذه الحوادث حقيقية أم مجرد مبالغة رقمية؟
في هذا التقرير، نحاول تقديم صورة متوازنة ومبنية على المعلومات المتاحة، لفهم ما يجري فعليًا، والتمييز بين الحقائق والشائعات، مع تقديم نصائح مهمة للحفاظ على السلامة الشخصية دون إثارة الذعر أو التهويل.
ما الذي تقوله الفيديوهات المتداولة؟
تظهر بعض الفيديوهات المنتشرة على الإنترنت، أشخاصًا يروون تجارب شخصية أو يحذرون من أفراد يُشتبه في أنهم “سحرة” قادرون على تنويم الآخرين مغناطيسيًا، ومن ثم سرقة أموالهم أو متعلقاتهم دون مقاومة. وغالبًا ما تُرفق هذه المقاطع بعناوين مثيرة، مثل “احذروا.. سحرة يسرقون الناس في الشوارع”، أو “خدعة التنويم المغناطيسي للسرقة”.
لكن هذه الروايات، رغم انتشارها، تفتقر في كثير من الأحيان إلى أدلة موثقة أو بيانات رسمية تؤكد حدوثها بالشكل المتداول. كما أن طبيعة الفيديوهات القصيرة تجعلها عرضة لسوء الفهم أو التفسير المبالغ فيه.
هل يمكن التنويم المغناطيسي في الشارع؟
علميًا، يُعد التنويم المغناطيسي حالة ذهنية تحتاج إلى بيئة هادئة، وتركيز، وتعاون من الشخص نفسه، وغالبًا ما تُستخدم في جلسات علاجية أو تجريبية تحت إشراف متخصصين. ولا يوجد دليل علمي موثوق يؤكد إمكانية استخدام التنويم المغناطيسي بشكل فوري في الشارع للسيطرة على شخص غريب دون إرادته.
وبالتالي، فإن الادعاءات التي تتحدث عن “شخص يلمسك في يدك فيسيطر عليك فورًا ويسرقك” لا تستند إلى أساس علمي قوي، وغالبًا ما تكون مبنية على خلط بين مفاهيم نفسية، أو تجارب فردية غير دقيقة.
التفسير الأقرب: خداع نفسي وأساليب احتيال
يرى خبراء في علم النفس والاجتماع أن ما يحدث في بعض الحالات قد يكون مرتبطًا بأساليب خداع نفسي أو “تشتيت الانتباه”، وهي طرق يستخدمها بعض المحتالين لإرباك الضحية وإلهائها، مثل الحديث المفاجئ، أو طلب المساعدة، أو لفت الانتباه إلى شيء معين، ثم استغلال اللحظة لسرقة المتعلقات.
هذه الأساليب لا تعتمد على “سحر” أو قدرات خارقة، بل على استغلال الثقة أو الارتباك أو قلة الانتباه، وهي حيل معروفة عالميًا في عمليات النشل والاحتيال.
ماذا تقول الجهات الأمنية؟
حتى الآن، لا توجد بيانات رسمية مؤكدة تشير إلى انتشار ظاهرة “سحرة التنويم المغناطيسي” في الشوارع، لكن الأجهزة الأمنية تحذر بشكل دائم من أساليب النصب والسرقة التقليدية، وتدعو المواطنين إلى توخي الحذر وعدم التعامل مع الغرباء في مواقف غير واضحة.
كما تشدد على أهمية الإبلاغ عن أي واقعة مشبوهة، وعدم الاكتفاء بنشرها على مواقع التواصل، لأن الإبلاغ الرسمي هو الطريق الوحيد للتحقيق وكشف الحقيقة.
لماذا تنتشر هذه الشائعات بسرعة؟
يرجع انتشار هذه النوعية من الأخبار إلى عدة عوامل، أبرزها طبيعة المحتوى القصير والمثير، الذي يجذب الانتباه بسرعة، بالإضافة إلى ميل بعض المستخدمين لمشاركة القصص الغامضة أو المرعبة دون التحقق من صحتها.
كما أن الخوف من المجهول يلعب دورًا كبيرًا في تضخيم هذه الروايات، حيث يفضل البعض تفسير الحوادث الغامضة بوجود “قوى خارقة”، بدلاً من البحث عن الأسباب الواقعية.
كيف تحمي نفسك من السرقة؟
بدلاً من القلق من “السحر”، ينصح الخبراء باتباع إجراءات بسيطة لكنها فعالة للحفاظ على الأمان الشخصي، مثل:
- تجنب إخراج الأموال أو الهاتف في الأماكن المزدحمة دون ضرورة.
- عدم الانشغال بالحديث مع غرباء بشكل مفاجئ في الشارع.
- الانتباه لمحيطك خاصة في الأماكن الشعبية أو المزدحمة.
- عدم إعطاء متعلقاتك لأي شخص بحجة المساعدة.
- الإبلاغ الفوري عن أي محاولة سرقة أو سلوك مريب.
الفرق بين الحقيقة والتهويل
من المهم التفريق بين الحوادث الواقعية للسرقة، والتي تحدث بالفعل بطرق متعددة، وبين الروايات التي تضيف عناصر غير مثبتة مثل “التنويم المغناطيسي الفوري” أو “السحر”، مما قد يخلق حالة من الذعر غير المبرر.
فالسرقة موجودة، والنصب موجود، لكن تفسيرها يجب أن يكون منطقيًا ومبنيًا على الوقائع، وليس على الخيال أو المبالغة.
خلاصة المشهد
الحديث عن “سحرة ينوّمون الناس ويسرقونهم” يبدو حتى الآن أقرب إلى الشائعات أو سوء التفسير، بينما الواقع يشير إلى وجود أساليب احتيال تقليدية تعتمد على الخداع وتشتيت الانتباه.
لذلك، فإن أفضل وسيلة للحماية هي الوعي، والانتباه، وعدم الانسياق وراء الأخبار غير المؤكدة، مع الاعتماد على المصادر الرسمية في معرفة الحقيقة. فالمجتمع الواعي هو الأكثر قدرة على مواجهة أي تهديد، سواء كان حقيقيًا أو مجرد إشاعة.
وفي النهاية، يبقى الهدوء والتحقق من المعلومات هما السلاح الأقوى ضد الشائعات، بينما يظل الحذر والانتباه هما خط الدفاع الأول ضد أي محاولة احتيال أو سرقة.