شهدت مدينة القصير الهادئة المطلة على ساحل البحر الأحمر في مصر حالة من الجدل الواسع بعد تداول مقاطع فيديو توثق لحظات مطاردة واصطياد قرش من نوع “ماكو” الشهير، لم تكن الواقعة مجرد رحلة صيد عادية بل تحولت إلى قضية رأي عام بيئي حيث تصادمت مشاهد “الاستعراض” بالصيد مع صرخات التحذير من الخبراء والمؤسسات العلمية، هذه الحادثة فتحت الباب على مصراعيه للتساؤل حول مدى وعي المجتمع بالتعامل مع الكائنات البحرية المهددة بالانقراض وكيف يمكن للتصرفات الفردية غير المسؤولة أن تهدد التوازن البيئي في واحد من أغنى بحار العالم.
تفاصيل الواقعة صيد عشوائي في مياه المصطافين
بدأت القصة حينما رصد صيادون وهواة ظهور قرش “ماكو” يبلغ طوله حوالي 3 أمتار في منطقة مياه ضحلة بالقرب من شاطئ مكتظ بالمصطافين بمدينة القصير، وبدلاً من إبلاغ الجهات المختصة لضمان عودة الكائن إلى أعماقه أظهرت المقاطع المتداولة محاولات حثيثة لمطاردة القرش وسحبه إلى الشاطئ وسط تجمهر كبير.
عقب اصطياده تم نقل القرش إلى المعهد القومي لعلوم البحار والمصايد بمدينة الغردقة حيث بدأت الفرق العلمية في إجراء عمليات الفحص والتشريح الهدف من هذه الدراسات هو فهم الأسباب التي دفعت هذا النوع من القروش، الذي يفضل عادة المياه العميقة إلى الاقتراب من الشاطئ بهذا الشكل وما إذا كان يعاني من إصابات أو تغيرات سلوكية ناتجة عن عوامل بيئية.
قرش الماكو “فيراري” البحار المهدد بالخطر
يعتبر قرش الماكو (Shortfin Mako) واحدا من أكثر الكائنات البحرية إثارة للإعجاب فهو يلقب بـ “فيراري البحار” نظرا لسرعته الفائقة التي قد تصل إلى 70 كيلومتر في الساعة، ما يجعله أسرع أنواع القروش على الإطلاق يتواجد هذا النوع في البحار المعتدلة والدافئة ويعد البحر الأحمر أحد مواطنه الهامة.
رغم قوته وشراسته كمفترس في قمة الهرم الغذائي إلا أن قرش الماكو يواجه خطر داهم تصنفه المنظمات الدولية لحماية الطبيعة ضمن الأنواع “المهددة أو شديدة التهديد بالانقراض”، ويعود ذلك بشكل رئيسي إلى الصيد الجائر والتلوث البحري والتغيرات المناخية التي تؤثر على مصادر غذائه، وجود هذا القرش في النظام البيئي ليس ترف بل هو ضرورة للحفاظ على توازن الأحياء البحرية ومنع انفجار أعداد أنواع أخرى قد تضر بالشعاب المرجانية.
ردود الفعل الرسمية غضب من “التعامل غير العلمي”
لم يمر الحادث مرور الكرام على الجهات العلمية فقد أصدر المعهد القومي لعلوم البحار والمصايد بيان شديد اللهجة انتقد فيه ما وصفه بـ “التعامل غير المسؤول” مع القرش، وأكد البيان أن مشاهد المطاردة والصيد العشوائي تعكس نقص حاد في الوعي البيئي مشدد على أن التعامل مع الكائنات البحرية الكبيرة والمفترسة يجب أن يتم وفق بروتوكولات علمية دقيقة.
الخبراء أشاروا إلى أن التعامل مع القرش بهذه الطريقة العنيفة يحرم العلماء من فرصة دراسة سلوكه وهو حي كما أنه يعطي صورة سلبية عن التعامل مع الحياة البرية في المناطق السياحية، وحذر المعهد من أن هذه الاجتهادات الفردية قد تؤدي إلى نتائج عكسية سواء على صعيد سلامة البشر أو سلامة النظام البيئي.
السوشيال ميديا و”فخ” البطولات المزيفة
أحد الجوانب الأكثر انتقاد في هذه الواقعة كان دور وسائل التواصل الاجتماعي فقد اعتبر الخبراء أن نشر مقاطع الفيديو كنوع من “البطولة” يشجع الآخرين على تقليد هذا السلوك الضار، إن تحويل عملية قتل كائن مهدد بالانقراض إلى مادة للترفيه الرقمي يعكس فجوة كبيرة بين التشريعات البيئية والممارسة المجتمعية بدلاً من أن تكون هذه المقاطع وسيلة للتحذير، تحولت في نظر البعض إلى وسيلة لجمع الإعجابات وهو ما يساهم في الاستهانة بالقوانين التي تحظر صيد أنواع معينة من الأحياء البحرية.
أهمية اتباع البروتوكولات الدولية
تطالب الأصوات العلمية اليوم بضرورة تفعيل رقابة صارمة على السواحل وتدريب الصيادين المحليين على كيفية التصرف في حال ظهور قروش بالقرب من الشواطئ، البروتوكولات الدولية تقضي بضرورة إخلاء المنطقة من المصطافين ومراقبة القرش من مسافة آمنة، واستدعاء متخصصين في البيئة البحرية لتقييم حالته، الصيد يجب أن يكون الملاذ الأخير فقط إذا ثبت أن الكائن يشكل خطر مباشر وحتمي لا يمكن تفاديه وحتى في هذه الحالة يجب أن يتم ذلك تحت إشراف السلطات المختصة.
إن واقعة قرش القصير هي جرس إنذار للجميع البحر الأحمر ليس مجرد مياه للسباحة أو مصدر للرزق فقط بل هو نظام بيئي معقد وحساس يمثل جزء من الهوية الطبيعية والاقتصادية لمصر، إن حماية كائنات مثل قرش “الماكو” هي حماية لمستقبل السياحة البيئية وللتوازن البيولوجي الذي يضمن بقاء الشعاب المرجانية والأسماك المسؤولية مشتركة بين الجهات الرسمية في تشديد الرقابة، وبين المواطنين في رفع مستوى الوعي لضمان ألا تتكرر هذه المشاهد المؤسفة التي تسيء لعلاقتنا بالطبيعة.
لمشاهدة الفيديو كاملا”اضغط هنا“