أين تذهب أموال “شحن الكارت”؟.. كواليس اختلاس الملايين داخل أروقة شركات الكهرباء

أين تذهب أموال “شحن الكارت”؟.. كواليس اختلاس الملايين داخل أروقة شركات الكهرباء


مع تحول الدولة المصرية نحو الرقمنة في قطاع الطاقة استبشر المواطنون خير  بنظام “العدادات المسبقة الدفع” أو ما يعرف بـ “نظام الكارت” ظنا منهم أن هذا النظام سيقضي على أخطاء الفواتير البشرية ويضمن وصول كل مليم إلى خزينة الدولة، لكن الأيام الأخيرة كشفت عن وجه آخر للأزمة إذ لم تعد المشكلة تقتصر على “سرقة التيار” من قبل المواطنين بل امتدت لتشمل “سرقة أموال الشحن” من داخل المنظومة نفسها، تساؤلات حائرة بدأت تطرح نفسها في الشارع المصري أين تذهب الأموال التي ندفعها عبر الماكينات؟ وكيف يمكن لموظف أن يبتلع ملايين الجنيهات من “سيستم” يُفترض أنه محكم إلكترونياً؟

ما المقصود بـ “أموال الكارت” ولماذا هي مطمع؟

في النظام المعمول به حاليا يقوم المواطن بدفع مبالغ مالية مقابل “شحن الرصيد” للإنارة أو دفع قيمة “المقايسات” لتركيب عدادات جديدة، هذه الأموال تورد إما عبر منافذ الشحن في شركات الكهرباء أو عبر شركات التحصيل الإلكتروني.

من الناحية القانونية يجب أن تدخل هذه المبالغ فورا في الحسابات البنكية التابعة لشركات توزيع الكهرباء لتمويل عمليات التشغيل وشراء الكابلات وصيانة المحولات، لكن “أموال الكارت” أصبحت مطمع نتيجة التدفق النقدي الضخم واليومي ما جعل بعض ضعاف النفوس داخل الإدارات التجارية والتحصيل يبحثون عن ثغرات تمكنهم من استقطاع جزء من هذه المبالغ قبل وصولها إلى الحساب الرسمي للشركة.

كواليس الاختلاس كيف يختفي المال العام؟

كشفت التحقيقات الأخيرة عن وقائع صادمة، لعل أبرزها ما حدث في إحدى إدارات التجمع الخامس التابعة لشركة شمال القاهرة لتوزيع الكهرباء، حيث تم اكتشاف اختلاس مبلغ يتجاوز 3 ملايين و400 ألف جنيه.

تعتمد حيل الاختلاس داخل المنظومة على عدة طرق تقنية وإدارية، منها:

  • التلاعب في أوامر التوريد: يقوم الموظف بتحصيل قيمة المقايسة أو الشحن من المواطن نقدا ثم يقوم بإصدار إيصال “غير مدرج” أو التلاعب في الكشوف اليومية بحيث لا تظهر المبالغ في الحجز النهائي للنظام.
  • ثغرة “خارج النظام”: استغلال لحظات انقطاع الاتصال بالخادم الرئيسي (السيستم) لإتمام عمليات شحن أو تحصيل وهمية لا يتم تسجيلها رسميا بينما يذهب النقد المباشر لجيب الموظف.
  • تغيير الأكواد: التلاعب في أكواد المشتركين أو أكواد الشحن لإثبات أن العملية “فاشلة” إلكترونياً رغم نجاحها فعليا  والاستيلاء على المبلغ المسدد.

أين تذهب هذه الأموال فعلياً؟

في الحالات الطبيعية تستخدم هذه الأموال في تطوير الشبكة القومية وتقليل الفقد الفني، أما في حالات الفساد المكتشفة  فقد كشفت التحريات أن المبالغ المختلسة تستخدم غالبا في تربح شخصي سريع، أو في بعض الأحيان لتمويل عمليات غير قانونية بعيدة عن الرقابة المالية للوزارة.

الأخطر من ذلك هو ما يعرف بـ “تمويل الشبكات الخاصة” حيث يتم استخدام المال المختلس والمعدات المسروقة لإنشاء توصيلات لكيانات بعيدة عن أعين الدولة، مما يتسبب في “فقد تجاري” ضخم يكبد ميزانية الدولة مليارات الجنيهات سنوياً.

تحرك الأجهزة الرقابية ووزارة الكهرباء

أمام هذه التحديات، لم تقف وزارة الكهرباء مكتوفة الأيدي فقد أطلقت حملات تفتيشية مفاجئة على الإدارات التجارية لمراجعة “عهدة الكروت” ومطابقتها بالمبالغ الموردة فعليا للبنوك.

وأسفرت هذه الجهود عن:

  • ضبط المليارات: تمكنت الوزارة من ضبط مئات الملايين من الجنيهات التي كانت تائهة ما بين سرقات تيار واختلاسات داخلية عبر آلاف المحاضر القانونية.
  • الإحالة للنيابة: إحالة أي موظف يثبت تورطه في التلاعب بـ “أكواد الشحن” إلى النيابة العامة بتهمة اختلاس المال العام والإضرار بالاقتصاد القومي.
  • تطوير الرقابة الإلكترونية: البدء في تحديث برمجيات التحصيل لتشمل “رقابة لحظية” (Real-time monitoring) تمنع أي موظف من إتمام عملية تحصيل دون إدراجها فوراً في حساب الشركة المركزي.

كيف يحمي المواطن ماله عند الشحن؟

الفساد الداخلي لا يمكن مكافحته بمعزل عن وعي المواطن ولضمان أن أموالك تذهب في مسارها الصحيح ينصح الخبراء بضرورة التأكد من الحصول على إيصال رسمي مطبوع من الماكينة ومراجعة الرصيد فور الشحن على شاشة العداد، وفي حالة طلب الموظف مبالغ “تحت الحساب” دون إيصال مميكن يجب الإبلاغ فورا عبر الخط الساخن للوزارة لأن التلاعب يبدأ دائما من التعامل النقدي غير الموثق.

إن معركة تطهير قطاع الكهرباء من “سماسرة الملايين” هي جزء من معركة الدولة الشاملة ضد الفساد الإداري، وبينما تنجح التكنولوجيا في تسهيل حياة المواطنين يبقى الرهان دائما على إحكام الرقابة البشرية والتقنية لضمان أن كل جنيه يدفع من أجل “نور البيوت” يصل فعلاً لبناء وتطوير الوطن وليس لجيوب المختلسين.

لمشاهدة الفيديو كاملا”اضغط هنا

انضم للمجتمع

نسمة غنيم
نسمة غنيم