تحذيرات منظمة الصحة العالمية من الأدوية المغشوشة والملوثة: مخاطر متزايدة تهدد سلامة المرضى حول العالم
خلال السنوات الأخيرة، أصبحت قضية الأدوية المغشوشة ومتدنية الجودة واحدة من أخطر القضايا الصحية التي تشغل منظمة الصحة العالمية والهيئات الرقابية في مختلف الدول، خاصة مع تكرار رصد مستحضرات دوائية ولقاحات وأشربة علاجية غير مطابقة للمواصفات في أكثر من إقليم حول العالم. وتكشف التحذيرات الصادرة عن منظمة الصحة العالمية، والمعروفة باسم Medical Product Alerts، عن اتساع نطاق المشكلة، حيث لم تعد مقتصرة على دواء بعينه أو منطقة محددة، بل شملت لقاحات، ومضادات فيروسية، وأدوية أطفال، ومستحضرات لعلاج أمراض خطيرة، ومواد خام تدخل في التصنيع الدوائي. وتأتي هذه التحذيرات بهدف تنبيه الحكومات والهيئات الصحية والصيدليات والمستشفيات والمواطنين إلى ضرورة توخي الحذر من أي منتجات مجهولة المصدر أو غير مسجلة أو متداولة خارج القنوات الرسمية.
ما المقصود بالأدوية المغشوشة ومتدنية الجودة؟
الأدوية المغشوشة هي مستحضرات يتم تقديمها على أنها أصلية أو تابعة لشركات معروفة، بينما تكون في الحقيقة غير مصنعة بواسطة الشركة الأصلية، أو تحمل بيانات مزيفة تخص بلد المنشأ أو رقم التشغيلة أو تاريخ الصلاحية أو المادة الفعالة. أما الأدوية متدنية الجودة فهي منتجات قد تكون مصنعة بالفعل، لكنها لا تلتزم بمعايير الجودة المطلوبة، سواء بسبب التلوث، أو سوء التخزين، أو وجود مواد سامة، أو اختلاف تركيز المادة الفعالة عن النسبة المسموح بها. وتكمن خطورة هذه المنتجات في أنها قد لا تعالج المرض، بل قد تسبب مضاعفات خطيرة، خصوصًا إذا استخدمت للأطفال أو مرضى المناعة أو مرضى السرطان أو الحالات الحرجة.
تحذيرات بارزة منذ عام 2021
بدأت سلسلة من التحذيرات المهمة في عام 2021، حين أصدرت منظمة الصحة العالمية تنبيهًا بشأن وجود مستحضر مغشوش من لقاح COVID-19 Vaccine BNT162b2، والذي تم اكتشافه في المكسيك خلال فبراير من العام نفسه، قبل أن يتم تأكيده لاحقًا على أنه منتج مغشوش. وجاء هذا التحذير في وقت كانت فيه حملات التطعيم ضد فيروس كورونا تشهد إقبالًا عالميًا واسعًا، ما جعل استغلال اسم اللقاحات وسيلة خطيرة للتلاعب بصحة المواطنين. كما أصدرت المنظمة في العام نفسه تحذيرًا بشأن تشغيلتين مغشوشتين من مستحضر Remdesivir، وهو دواء ارتبط باستخدامه في بروتوكولات علاجية خلال جائحة كورونا، وقد زعمت المنتجات المغشوشة أنها مصنعة من قبل شركة معروفة، قبل أن تؤكد الشركة الأصلية أن هذه التشغيلات لم تصدر عنها.
لقاحات مغشوشة ومنتجات غير أصلية
لم تقتصر التحذيرات على لقاح واحد، حيث أصدرت منظمة الصحة العالمية تحذيرًا آخر بشأن لقاح COVISHIELD المغشوش، والذي تم رصده في الإقليم الأفريقي وإقليم جنوب شرق آسيا، مع الإبلاغ عن وجود هذه المنتجات في دول مثل أوغندا والهند وميانمار. وأكدت الشركة المصنعة الأصلية أن العبوات المذكورة في التحذير ليست منتجات أصلية. ويؤكد هذا النوع من التحذيرات أن اللقاحات، بسبب أهميتها وحساسيتها، قد تصبح هدفًا لعمليات الغش التجاري، خاصة في أوقات الأزمات الصحية العالمية، وهو ما يستدعي تشديد الرقابة على سلاسل التوريد، وعدم الحصول على أي لقاح أو دواء إلا من خلال الجهات الصحية الرسمية.
أدوية الأطفال الملوثة وخطر ثنائي إيثيلين جليكول
من أكثر التحذيرات خطورة تلك المتعلقة بالأشربة الدوائية ومستحضرات الأطفال الملوثة بمواد سامة مثل Diethylene Glycol وEthylene Glycol. ففي عام 2022 أصدرت منظمة الصحة العالمية تحذيرًا بشأن عدة مستحضرات للأطفال، من بينها PROMETHAZINE ORAL SOLUTION BP وKOFEXMALIN BABY COUGH SYRUP وMAKOFF BABY COUGH SYRUP وMAGRIP N COLD SYRUP، وذلك بعد رصد شوائب سامة في عدد من التشغيلات. وتُعد هذه المواد من المركبات الخطيرة التي قد تؤدي إلى تسمم حاد وفشل كلوي ومضاعفات جسيمة، خصوصًا لدى الأطفال، وهو ما يجعل التعامل مع هذه التحذيرات أمرًا بالغ الأهمية.
وفي العام نفسه، صدر تحذير آخر بشأن مستحضرات سائلة للأطفال مثل TERMOREX وFLURIN DMP وUNIBEBI COUGH SYRUP وUNIBEBI DEMAM PARACETAMOL DROPS، بعد رصد الملوثات ذاتها في بعض التشغيلات. وتظهر هذه التنبيهات أن مستحضرات الأطفال تحتاج إلى رقابة شديدة، لأن أي خلل في جودتها قد يؤدي إلى نتائج صحية خطيرة، كما أن استخدام الدواء للأطفال دون استشارة طبية أو من مصادر غير مضمونة يزيد من احتمالات التعرض للمخاطر.
تحذيرات عام 2023: استمرار رصد الأشربة الملوثة
خلال عام 2023، واصلت منظمة الصحة العالمية إصدار تنبيهات بشأن أدوية سائلة ملوثة، حيث حذرت من مستحضرات مثل AMBRONOL SYRUP وDOK-1 MAX SYRUP، بعد اكتشاف تلوثها بمواد خطرة. كما صدر تحذير بشأن مستحضر Guaifenesin syrup TG، وهو شراب دوائي تم رصده في إقليم غرب المحيط الهادئ للمنظمة، واحتوى على كميات غير مقبولة من مادتي جليكول ثنائي الإيثيلين وجليكول الإيثيلين. وتكرر الأمر مع مستحضر NATURCOLD Syrup الذي تم رصده في الكاميرون، وكذلك مستحضر COLD OUT syrup الذي تم الكشف عنه في العراق، ما يوضح أن المشكلة عابرة للحدود ولا ترتبط بسوق محلي واحد.
مستحضرات خطيرة لعلاج أمراض حساسة
لم تكن التحذيرات مقتصرة على أدوية البرد والسعال أو اللقاحات، بل شملت أيضًا مستحضرات تستخدم في حالات طبية أكثر حساسية. ففي ديسمبر 2022، أصدرت منظمة الصحة العالمية تحذيرًا بشأن مستحضر METHOTREX 50mg متدني النوعية وملوث، تم رصده في اليمن ولبنان. ويعد الميثوتريكسات من الأدوية التي تحتاج إلى دقة شديدة في الجرعات والاستخدام، لذلك فإن وجود مستحضر ملوث أو غير مطابق قد يمثل خطرًا مضاعفًا على المرضى. كما صدر في عام 2023 تحذير بشأن مرهم TETRACYCLINE HYDROCHLORIDE OPHTHALMIC OINTMENT USP 1%، بعدما تم الإبلاغ عن منتج غير مطابق لمواصفات الجودة وجرى توزيعه في عدد كبير من الدول.
تحذيرات بشأن Defitelio وأدوية متخصصة
من بين التحذيرات المهمة أيضًا، التنبيهات الخاصة بمستحضر DEFITELIO، الذي يحتوي على المادة الفعالة defibrotide. فقد أصدرت منظمة الصحة العالمية أكثر من تحذير بشأن عبوات مغشوشة من هذا المستحضر، بعد رصد حالات غش تجاري في عدد من الدول، منها الإمارات وقيرغيزستان، ثم في مناطق أخرى داخل أوروبا وجنوب شرق آسيا. وتكمن خطورة غش مثل هذه الأدوية في أنها غالبًا تستخدم لحالات مرضية دقيقة، وقد يعتمد عليها المريض في ظروف صحية حرجة، ما يجعل أي تلاعب في مصدرها أو تركيبتها تهديدًا مباشرًا لسلامة المريض.
أوزمبيك وسيماغلوتيد: دواء شهير يدخل دائرة التحذيرات
في عام 2024، أصدرت منظمة الصحة العالمية تحذيرًا بشأن دواء OZEMPIC، الذي يحتوي على المادة الفعالة semaglutide، بعد الكشف عن عبوات مغشوشة في إقليمي الأمريكتين وأوروبا. وقد اكتسب هذا الدواء شهرة واسعة خلال السنوات الأخيرة، ليس فقط لعلاج السكري من النوع الثاني، بل أيضًا بسبب ارتباط اسمه بإنقاص الوزن، وهو ما أدى إلى زيادة الطلب عليه عالميًا. ومع ارتفاع الطلب، تصبح بعض الأدوية هدفًا للغش والتقليد، لذلك يجب التأكد من الحصول عليها من الصيدليات المرخصة وبوصفة طبية وتحت إشراف الطبيب.
منتجات ملوثة من مواد خام دوائية
من التحذيرات اللافتة أيضًا ما صدر في عام 2024 بشأن منتجات مغشوشة وملوثة من مادة Propylene Glycol المدرجة في دساتير الأدوية الأوروبية والأمريكية. وتأتي أهمية هذا التحذير من أن بعض المواد الخام تدخل في تصنيع العديد من المستحضرات الدوائية، وبالتالي فإن تلوثها قد ينعكس على سلامة المنتج النهائي. وهذا يوضح أن الرقابة لا يجب أن تقتصر على الدواء النهائي فقط، بل يجب أن تشمل جميع مراحل التصنيع، بداية من المواد الخام، مرورًا بعمليات الإنتاج، وحتى التخزين والنقل والتوزيع.
تحذيرات عام 2025: استمرار الخطر عالميًا
في عام 2025، استمرت منظمة الصحة العالمية في إصدار تنبيهات مهمة، منها تحذير بشأن ثلاثة مستحضرات دوائية سائلة فموية ملوثة تم اكتشافها في الهند، واحتوت على مادة ثنائي إيثيلين جليكول السامة، وارتبطت بحالات مرض حاد ووفيات بين الأطفال. كما صدر تحذير بشأن منتج مغشوش من دواء SIMULECT، الذي يحتوي على المادة الفعالة basiliximab، بعد رصده في رواندا وبلغاريا وتركيا. كذلك أصدرت المنظمة تحذيرًا بشأن دواء IBRANCE، الذي يحتوي على المادة الفعالة palbociclib، بعد اكتشاف عبوات مغشوشة في أقاليم أفريقيا وشرق المتوسط وأوروبا.
هل تم تداول هذه المنتجات في مصر؟
وفقًا لما ورد في عدد من التنبيهات المحلية المرتبطة بتحذيرات منظمة الصحة العالمية، تم التأكيد في أكثر من حالة أن بعض المنتجات المذكورة لم يتم استيرادها أو رصد تداولها في جمهورية مصر العربية، أو أنها غير مسجلة بهيئة الدواء المصرية وغير مصرح بتداولها داخل الأسواق المصرية. ومع ذلك، فإن التنويه بعدم رصد المنتج لا يعني تجاهل التحذير، بل يؤكد أهمية استمرار المتابعة والرقابة، خاصة مع احتمالية دخول بعض المنتجات بطرق غير رسمية أو تداولها عبر الإنترنت أو من خلال مصادر غير مرخصة.
كيف يحمي المواطن نفسه من الأدوية المغشوشة؟
حماية المواطنين من الأدوية المغشوشة لا تعتمد فقط على الجهات الرقابية، بل تحتاج أيضًا إلى وعي مجتمعي. يجب شراء الأدوية من الصيدليات المرخصة فقط، وعدم الانسياق وراء المنتجات مجهولة المصدر أو العروض المنتشرة عبر صفحات غير موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي. كما ينبغي مراجعة العبوة جيدًا، والتأكد من وجود رقم التشغيلة وتاريخ الصلاحية وبيانات الشركة المنتجة، وعدم استخدام أي دواء تغير لونه أو رائحته أو قوامه. وفي حالة الاشتباه في أي مستحضر، يجب التوقف عن استخدامه والرجوع إلى الطبيب أو الصيدلي، مع إبلاغ الجهات المختصة.
دور الهيئات الرقابية في مواجهة الأزمة
تلعب الهيئات الرقابية الدوائية دورًا أساسيًا في التصدي لهذه الأزمة من خلال فحص المستحضرات، ومتابعة الأسواق، وسحب التشغيلات غير المطابقة، وإصدار التحذيرات الرسمية للمواطنين والصيدليات والمستشفيات. كما يعد التعاون الدولي بين منظمة الصحة العالمية والسلطات الصحية في الدول المختلفة عنصرًا حاسمًا في تتبع المنتجات المغشوشة ومنع انتشارها. فالأدوية اليوم تتحرك عبر سلاسل توريد معقدة، وأي خلل في دولة قد يمتد أثره إلى دول أخرى، لذلك فإن تبادل المعلومات بسرعة وشفافية يمثل خط الدفاع الأول لحماية المرضى.
خلاصة
تكشف تحذيرات منظمة الصحة العالمية خلال الفترة من 2021 إلى 2025 عن تحدٍ عالمي متزايد يتمثل في انتشار الأدوية المغشوشة والملوثة ومتدنية الجودة. وقد شملت هذه التحذيرات لقاحات، وأدوية مضادة للفيروسات، وأشربة أطفال، وأدوية متخصصة، ومواد خام دوائية، وهو ما يعكس خطورة الظاهرة واتساع نطاقها. وتؤكد هذه التنبيهات أن سلامة الدواء تبدأ من التصنيع والرقابة والتوزيع، لكنها تكتمل بوعي المواطن وحرصه على عدم شراء أي مستحضر من مصدر غير موثوق. وفي ظل استمرار ظهور منتجات مغشوشة في مناطق مختلفة من العالم، تبقى المتابعة المستمرة والتحقق من مصدر الدواء ضرورة لا غنى عنها لحماية