هي دوقية لوكسمبورج الكبرى، وهي إحدى أصغر دول الاتحاد الأوروبي مساحة وسكانًا، وتحتل المرتبة الأولى بوصفها أغنى دولة في العالم من حيث نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، في مفارقة لافتة تجعل من هذه الدولة الصغيرة المحصورة بين فرنسا وبلجيكا وألمانيا واحدة من أكثر الوجهات جذبًا للمهاجرين والطلاب الدوليين الباحثين عن مستوى معيشة مرتفع وفرص اقتصادية واعدة في قلب أوروبا، رغم أن عدد سكانها لا يتجاوز 660 ألف نسمة فقط.
اقتصاد على التمويل
بلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في لوكسمبورج نحو 146820 دولارًا بنهاية عام 2025، وفق أحدث بيانات صندوق النقد الدولي التي تغطي 190 دولة حول العالم.
اقرأ أيضًا.. بذور الكتان.. فوائدها ومتى تستشير الطبيب؟
لتتصدر بذلك هذه الدولة الصغيرة قائمة أغنى دول العالم متفوقة على سنغافورة وأيرلندا، ولا يعود هذا الثراء الاستثنائي إلى موارد طبيعية كالنفط أو المعادن كما هو الحال في دول أخرى، بل يقوم بشكل أساسي على قطاع الخدمات المالية.
إذ تدير لوكسمبورج ما يزيد على 5 تريليونات يورو من أصول الصناديق الاستثمارية، ما يجعلها ثاني أكبر مركز عالمي لاستضافة الصناديق الاستثمارية بعد الولايات المتحدة الأمريكية.
وتحولت تدريجيًا من اقتصاد قائم على صناعة الحديد والصلب في القرن التاسع عشر، إلى مركز مالي عالمي متكامل منذ ثمانينيات القرن الماضي، مستفيدة من عضويتها في الاتحاد الأوروبي وبيئتها التنظيمية والضريبية المرنة التي جذبت الشركات العالمية على مدار العقود الأربعة الماضية.
كما تستضيف البلاد محكمة العدل الأوروبية، أعلى سلطة قضائية في الاتحاد الأوروبي، إلى جانب كونها مركزًا مهمًا لصناعات الاتصالات والأقمار الصناعية عبر شركة «إس إي إس» العالمية، وقطاعًا متناميًا في مراكز البيانات وتقنية المعلومات واللوجستيات.
ويسهم في هذا الرقم القياسي المرتفع للناتج المحلي أيضًا وجود نحو 220 ألف عامل يوميًا يعبرون الحدود من فرنسا وبلجيكا وألمانيا للعمل داخل لوكسمبورج دون الإقامة فيها فعليًا، ما يرفع الناتج الاقتصادي الإجمالي في مقابل عدد سكان مقيمين محدود نسبيًا.
وهذه ظاهرة إحصائية تجعل الرقم النهائي أعلى بكثير من المعتاد مقارنة بدول أخرى ذات كثافة سكانية مماثلة.
وتشير بعض التقارير الاقتصادية إلى أن هذا الثراء الظاهري لا يخلو من تناقضات داخلية، إذ يواجه نحو 20% من سكان البلاد خطر الفقر أو الإقصاء الاجتماعي بسبب الارتفاع الحاد في تكاليف الإيجار والمعيشة، ما يجعل نحو 13% إلى 15% من العاملين يصنَّفون ضمن فئة «الفقراء العاملين» رغم امتلاكهم وظائف ثابتة.
مواصلات مجانية للجميع
في خطوة غير مسبوقة عالميًا، أصبحت لوكسمبورج في الأول من مارس 2020 أول دولة في العالم تلغي رسوم الحافلات والقطارات والترام بالكامل.
لتصبح بذلك شبكة المواصلات العامة فيها مجانية تمامًا لجميع المستخدمين، سواء كانوا مواطنين مقيمين أو زوارًا وسائحين عابرين، باستثناء التذاكر من الدرجة الأولى في القطارات فقط.
وقد جاء هذا القرار في الأساس لأسباب بيئية، بهدف تقليل الازدحام المروري وخفض معدلات الانبعاثات الكربونية، خصوصًا أن لوكسمبورج تسجل أعلى معدل لملكية السيارات للفرد الواحد داخل الاتحاد الأوروبي بأكمله.
وتتحمل الحكومة اللوكسمبورجية تكلفة سنوية تقدر بنحو 500 مليون يورو لتمويل هذا النظام، إذ لم تكن تذاكر المواصلات مكلفة أصلًا قبل هذا القرار، لكن الحكومة فضلت تحويلها إلى خدمة عامة ممولة بالكامل من عائدات الضرائب، بما يضمن استفادة جميع الفئات منها بغض النظر عن مستوى دخلها.
في نهج وصفه وزير التنقل والأشغال العامة السابق فرانسوا بوش بأنه أكثر عدالة اجتماعية، إذ يدفع من يدفعون ضرائب أعلى مقابلًا أكبر بشكل غير مباشر مقارنة بمن يدفعون ضرائب أقل، وبعد مرور أكثر من خمس سنوات على تطبيق هذه السياسة.
وأظهرت استطلاعات الرأي أن غالبية مستخدمي وسائل النقل العام في البلاد راضون تمامًا عن هذا النظام، ويعتبرونه خطوة عملية نحو تسهيل التنقل اليومي وحماية البيئة في آن واحد.
منح دراسية مجانية دون اشتراط اختبارات اللغة الإنجليزية
نأتي إلى الجزء الهام لك عزيزي القارئ، وهنا، تفتح جامعة لوكسمبورج، الحكومية الوحيدة في البلاد والتي تأسست عام 2003، أبوابها أمام الطلاب الدوليين من مختلف أنحاء العالم عبر عدد من المنح الدراسية الممولة كليًا أو جزئيًا.
ومن أبرزها منحة «غيوم دوبيه» الدولية لدرجة الماجستير، والتي تشرف عليها وزارة الخارجية والشؤون الأوروبية اللوكسمبورجية بالتعاون مع الجامعة، وتمنح للطلاب الدوليين المتفوقين أكاديميًا من داخل الاتحاد الأوروبي وخارجه على حد سواء، وغير الحاصلين على المساعدة المالية الحكومية اللوكسمبورجية للتعليم العالي.
وتبلغ قيمة هذه المنحة 11 ألف يورو سنويًا لمدة تصل إلى عامين دراسيين، أي بإجمالي 22 ألف يورو، يخصص جزء منها لتغطية تكاليف سكن الطالب، بينما يُصرف الجزء المتبقي على دفعات في بداية كل فصل دراسي.
وتتوفر أيضًا نسخة أخرى من هذه المنحة مخصصة لطلاب التبادل الدولي القادمين عبر ترشيح من جامعات شريكة في دول محددة خارج الاتحاد الأوروبي، من بينها الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وكندا واليابان وجنوب أفريقيا والبرازيل.
إلى جانب برامج منح أخرى موجهة لطلاب متميزين من مناطق غرب البلقان وأمريكا اللاتينية وتايلاند وفيتنام وبيلاروسيا ومصر والهند ومولدوفا وروسيا وتركيا وأوكرانيا تحديدًا.
ومن الميزات اللافتة في هذه المنح أنها لا تشترط تقديم شهادات اختبارات اللغة الإنجليزية كالآيلتس أو التوفل في كثير من الحالات، كما لا تفرض الجامعة رسوم تقديم على الطلبات، ما يسهل عملية التقديم على الطلاب من خلفيات متنوعة.
ويحق لجميع الطلاب المسجلين في جامعة لوكسمبورج العمل أثناء دراستهم بغض النظر عن جنسيتهم، سواء بواقع 40 ساعة أسبوعيًا خلال العطلات الرسمية، أو 15 ساعة أسبوعيًا على مدار العام الدراسي، بما يمنحهم دخلًا إضافيًا يساعدهم على تغطية جزء من تكاليف المعيشة المرتفعة نسبيًا في البلاد.
وتتم عملية التقديم عبر التسجيل أولًا في أحد برامج البكالوريوس أو الماجستير المتاحة من خلال البوابة الرسمية للجامعة، واختيار ما يصل إلى ثلاثة برامج دراسية.
ثم التقدم بطلب المنحة بشكل منفصل بعد الحصول على قبول أكاديمي مبدئي، مرفقًا بخطاب دوافع وسيرة ذاتية وكشوف درجات أكاديمية، ويمكن الاطلاع على تفاصيل المنح الدراسية والتقديم عليها عبر الرابط الرسمي:
«اضغط هنا»
كما يمكن الاستعلام عن منحة «غيوم دوبيه» تحديدًا عبر موقع وزارة الخارجية اللوكسمبورجية على الرابط:
«اضغط هنا»
الجنسية بعد خمس سنوات
من أبرز ما يميز لوكسمبورج في ملف الهجرة أنها تتيح لغير المواطنين الأوروبيين التقدم بطلب للحصول على الجنسية اللوكسمبورجية بعد خمس سنوات فقط من الإقامة الدائمة والقانونية داخل البلاد، وهي مدة أقصر نسبيًا مقارنة بكثير من الدول الأوروبية الأخرى.
ويشترط الحصول على الجنسية اجتياز اختبار في اللغة اللوكسمبورجية، إلى جانب اختبار في المعرفة المدنية يعكس فهم المتقدم لثقافة البلاد ونظامها السياسي وقيمها الاجتماعية، مع ميزة إضافية تتمثل في السماح بازدواج الجنسية، إذ لا تشترط لوكسمبورج التخلي عن الجنسية الأصلية للحصول على جنسيتها.
أما الطلاب الدوليون الذين يكملون دراستهم في لوكسمبورج ويحصلون على وظيفة مباشرة بعد التخرج، فيمكنهم تجميع سنوات إقامتهم القانونية بسرعة أكبر نسبيًا نحو التأهل للإقامة الدائمة ثم الجنسية لاحقًا.
ما يجعل المسار الدراسي بوابة عملية للاستقرار طويل الأمد في البلاد بالنسبة لكثيرين، ويمكن متابعة الشروط الكاملة للحصول على الجنسية اللوكسمبورجية والإقامة الدائمة عبر البوابة الحكومية الرسمية «غيشيه»
المخصصة لخدمات المواطنين والمقيمين على الرابط:
«اضغط هنا»
مسار العمل
أما بالنسبة للراغبين في الهجرة عبر مسار العمل، فيحتاج أصحاب العمل الراغبون في استقدام كفاءات أجنبية من خارج الاتحاد الأوروبي إلى الإعلان عن الوظيفة داخل دول الاتحاد الأوروبي والمنطقة الاقتصادية الأوروبية لمدة ثلاثة أسابيع على الأقل أولًا.
وإثبات وجود نقص فعلي في الكفاءات المحلية القادرة على شغل الوظيفة، قبل التقدم بطلب رسمي إلى وزارة الشؤون الخارجية والأوروبية اللوكسمبورجية، في عملية تستغرق عادة ما بين 15 و20 يومًا، وتتراوح رسوم التقديم عليها بين 80 و100 يورو تقريبًا.
ويمكن أيضًا لأصحاب الكفاءات العالية التقدم عبر تصاريح متخصصة مثل تصريح «العامل عالي المهارة أو تصريح «النقل الداخلي للشركات»، خصوصًا في القطاعات التي تشهد طلبًا متزايدًا على الكفاءات الأجنبية كالتمويل وتكنولوجيا المعلومات والبحث العلمي والإدارة.
في دولة يشكل فيها الأجانب بالفعل نحو 47% من إجمالي عدد السكان المقيمين، من بينهم جاليات كبيرة قادمة من البرتغال وفرنسا وإيطاليا وبلجيكا.
ويمكن الاطلاع على تفاصيل تصاريح العمل والإقامة لأصحاب الكفاءات عبر البوابة الحكومية نفسها على الرابط:
«اضغط هنا»
عرض هذا المنشور على Instagram
المصادر: