يرتبط التصفح السلبي للإنترنت، خاصة عند الاستمرار في متابعة الأخبار المقلقة والمحتوى السلبي على مواقع التواصل الاجتماعي، بارتفاع مستويات القلق والضيق النفسي، وفقًا لتحليل جمع نتائج 44 دراسة. ومع تدفق المعلومات المتواصل، قد يشعر البعض بأن عقولهم لا تتوقف عن التفكير، وأن أجسامهم في حالة استعداد دائم لمواجهة خطر محتمل، وهو ما يصفه أحد أطباء الأعصاب بمصطلح «دماغ الهليكوبتر».
ووفقًا لما نشره موقع Fox News، توصل بحث نُشر في مجلة Frontiers in Psychology إلى وجود ارتباط بين الإفراط في استهلاك المحتوى السلبي عبر الإنترنت وتراجع الصحة النفسية، لكنه لم يثبت أن التصفح السلبي هو السبب المباشر لهذه المشكلات. ويستخدم طبيب الأعصاب الدكتور ستيفن ريسنيك مصطلح «دماغ الهليكوبتر» لوصف حالة يكون فيها الجهاز العصبي في حالة تأهب مفرطة، بما قد يرتبط بالتوتر المستمر وفرط التحفيز وصعوبة الاسترخاء.
فما المقصود بدماغ الهليكوبتر؟ وما أبرز أعراضها؟ وكيف يمكن التعرف على الأنماط التي تزيد التوتر والتعامل معها بطرق صحية؟
ما هى دماغ الهليكوبتر وعلاقتها بالتوتر؟
يستخدم الدكتور ستيفن ريسنيك، رئيس قسم طب الأعصاب والمدير الطبي لمركز السكتة الدماغية الشامل، مصطلح «دماغ الهليكوبتر» لتوضيح حالة يكون فيها الجهاز العصبي في وضع الاستعداد المستمر، على غرار طائرة هليكوبتر تحوم باستمرار لمراقبة ما يحدث والاستعداد لأي خطر. ويوضح أن وظيفة الجهاز العصبي الأساسية هي حماية الإنسان، لكن فرط المعلومات والتحفيز المتواصل وعدم اليقين قد تجعل الدماغ أكثر ترقبًا للتهديدات. وعندما يستمر هذا النمط، قد يجد الشخص صعوبة في الشعور بالهدوء حتى في المواقف العادية، وقد ينعكس ذلك على النوم والتركيز والمزاج والاستجابة للضغوط اليومية.
كيف يؤثر التصفح السلبي للإنترنت على الدماغ؟
قد يؤدي التعرض المتكرر للأخبار المقلقة والمقاطع العنيفة والتعليقات السلبية إلى زيادة الشعور بالتوتر لدى بعض الأشخاص، خاصة عند تصفح المحتوى لفترات طويلة دون فواصل. فكلما انتقل المستخدم من خبر مزعج إلى آخر، قد يزداد انشغاله بالأحداث السلبية وتوقعاته بشأن ما يمكن أن يحدث مستقبلًا. ومع ذلك، لا يعني هذا أن استخدام الإنترنت يؤدي بالضرورة إلى الإصابة بمشكلة نفسية، كما أن الارتباط الذي رصدته الدراسات لا يثبت علاقة سببية مباشرة. وتساعد مراقبة الوقت الذي يقضيه الشخص على المنصات، والانتباه إلى تأثير المحتوى على حالته النفسية، في تحديد ما إذا كانت عاداته الرقمية تزيد الضغط عليه.
ما أبرز أعراض دماغ الهليكوبتر؟
يشير ريسنيك إلى أن الأشخاص الذين يعانون من التوتر المستمر قد يواجهون أعراضًا جسدية ونفسية يصعب عليهم أحيانًا تفسيرها، مثل الصداع، واضطرابات الجهاز الهضمي، والتعب، وصعوبات النوم، والدوخة، والشعور بالوخز. وقد يصاحب ذلك التفكير المتكرر في الاحتمالات السلبية، وسرعة الانفعال، وصعوبة التركيز أو الاسترخاء. لكن هذه الأعراض ليست دليلًا قاطعًا على وجود ما يسمى «دماغ الهليكوبتر»، إذ يمكن أن تنتج عن أسباب صحية مختلفة. لذلك، من المهم عدم افتراض أن التوتر هو السبب الوحيد، خصوصًا إذا كانت الأعراض جديدة أو مستمرة أو شديدة، مع ضرورة طلب التقييم الطبي المناسب لاستبعاد الأسباب الأخرى.
لماذا يصعب على البعض الخروج من دائرة القلق؟
قد تتحول بعض ردود الفعل إلى أنماط متكررة عندما يرتبط سلوك معين بشعور مؤقت بالراحة أو بتجنب موقف غير مريح. فالشخص الذي يشعر بالقلق قد يلجأ إلى فحص هاتفه باستمرار بحثًا عن معلومات تطمئنه، لكنه قد يجد نفسه أمام أخبار جديدة تزيد مخاوفه. وبمرور الوقت، قد يصبح هذا السلوك تلقائيًا، فيتكرر كلما ظهر محفز مشابه، مثل إشعار على الهاتف أو خبر عاجل أو موقف ضاغط في العمل. ويرى ريسنيك أن ملاحظة هذه الأنماط تمثل خطوة مهمة لفهمها وتغييرها، بدلًا من التعامل مع القلق باعتباره شعورًا غامضًا يظهر دون سبب واضح.
كيف تتعرف على العادات التي تزيد التوتر؟
يمكن البدء بملاحظة الأوقات والمواقف التي يزداد فيها القلق، وما يسبق الشعور به من أفكار أو أحداث أو سلوكيات. فمثلًا، قد يلاحظ الشخص أنه يشعر بالتوتر بعد تصفح الأخبار قبل النوم، أو بعد متابعة حسابات تثير المقارنة بالآخرين، أو عندما يتلقى إشعارات متكررة أثناء العمل. ويساعد تدوين هذه الملاحظات على اكتشاف العلاقة بين المحفزات والاستجابات النفسية والجسدية. كما يمكن تقييم العادات اليومية، مثل مواعيد النوم واستهلاك الكافيين وفترات الراحة، لمعرفة العوامل التي قد تزيد الضغط. والهدف ليس لوم النفس، بل فهم ما يحدث واختيار استجابة أكثر هدوءًا وملاءمة.
خطوات عملية لتهدئة الجهاز العصبي والتعامل مع القلق
ينصح ريسنيك بمجموعة من الاستراتيجيات التي تساعد على التعرف على أنماط التوتر وتغيير الاستجابات المتكررة. تبدأ الخطوة الأولى بالاستماع إلى المشاعر وفهمها بدلًا من تجاهلها أو التقليل من شأنها، ثم تسمية النمط المتكرر، سواء كان تفكيرًا مفرطًا أو تصفحًا قهريًا أو انفعالًا سريعًا. وبعد ذلك، يمكن تحديد المحفز الذي يبدأ السلوك، واستبداله بعادة صحية تمنح شعورًا إيجابيًا، مثل المشي أو التنفس الهادئ أو أخذ استراحة من الهاتف. كما يمكن تعلم التعامل مع المواقف المقلقة تدريجيًا وبطريقة آمنة، بدلًا من تجنبها دائمًا، مع الاستعانة بمتخصص عند استمرار الأعراض أو تأثيرها على الحياة اليومية.
كيف تقلل تأثير المحتوى السلبي على صحتك النفسية؟
من المفيد وضع حدود واضحة لاستخدام الإنترنت، مثل تخصيص أوقات محددة لمتابعة الأخبار، وإيقاف الإشعارات غير الضرورية، وتجنب تصفح المحتوى المثير للقلق قبل النوم. ويمكن أيضًا إلغاء متابعة الحسابات التي تسبب ضغطًا مستمرًا، واختيار مصادر موثوقة بدلًا من التنقل بين المنشورات غير المؤكدة. ويساعد تخصيص وقت للأنشطة الواقعية، مثل ممارسة الرياضة والتواصل الاجتماعي والهوايات، على تحقيق توازن أفضل بين الحياة الرقمية والحياة اليومية. وإذا لاحظ الشخص أن تصفح الإنترنت يزيد قلقه أو يعطل نومه وتركيزه، فقد يكون من المفيد تقليل الاستخدام تدريجيًا ومراقبة التغيرات في حالته النفسية، مع طلب الدعم المتخصص عند الحاجة.
الأسئلة الشائعة
ما المقصود بدماغ الهليكوبتر؟
هو تعبير يستخدمه أحد أطباء الأعصاب لوصف حالة يكون فيها الجهاز العصبي في حالة تأهب مستمرة، بما قد يجعل الشخص أكثر ترقبًا للمخاطر وصعوبة في الاسترخاء. ولا يُعد المصطلح في حد ذاته تشخيصًا طبيًا مستقلًا.
هل يسبب التصفح السلبي للإنترنت دماغ الهليكوبتر؟
لا توجد أدلة كافية للجزم بأن التصفح السلبي يسبب هذه الحالة مباشرة. وتشير نتائج بحثية إلى ارتباط الإفراط في استهلاك المحتوى السلبي بمستويات أعلى من القلق والضيق النفسي، لكن الارتباط لا يثبت السببية.
ما أعراض التوتر المرتبطة بفرط التأهب؟
قد تشمل الأعراض صعوبة النوم، والصداع، والتعب، واضطرابات الجهاز الهضمي، والدوخة، والتفكير المتكرر وصعوبة الاسترخاء. وتحتاج الأعراض المستمرة أو الشديدة إلى تقييم طبي لتحديد أسبابها.
كيف أوقف متابعة المحتوى السلبي باستمرار؟
يمكن تحديد وقت يومي لمتابعة الأخبار، وإيقاف الإشعارات غير الضرورية، والابتعاد عن الهاتف قبل النوم، وإلغاء متابعة الحسابات المسببة للتوتر، واستبدال وقت التصفح بأنشطة مريحة ومفيدة.
متى يجب طلب المساعدة المتخصصة؟
إذا استمر القلق أو اضطراب النوم أو الأعراض الجسدية، أو أثرت هذه المشكلات في العمل والعلاقات والحياة اليومية، فمن الأفضل استشارة طبيب أو أخصائي صحة نفسية. كما تستدعي الأعراض الجسدية الجديدة أو الشديدة تقييمًا طبيًا بدلًا من نسبها إلى التوتر وحده.