يوم الفرح لقته داخل القاعه عليها بعروسة تانيه

يوم الفرح لقته داخل القاعه عليها بعروسة تانيه


يوم الفرح لقته داخل القاعه عليها بعروسة تانيه

خذلان في ليلة العمر

يوم فرحها، اليوم اللي حلمت بيه طول عمرها.. اكتشفت إن السكينة اللي هتتذبح بيها كانت متجهزة في نفس القاعة، ومن نفس الشخص اللي اختاره قلبها.

دخلت حوراء القاعة وهي زي الملاك، فستانها الأبيض بيخطف العين، وصحابها شايلين طرف الفستان وراها بفرحة.. قربت من ترابيزة المأذون والابتسامة مالية وشها، بس فجأة الابتسامة دي اتجمدت ووقعت على الأرض.

قدامها كانت فيه واحدة تانية، لابسة فستان زفاف أبيض زيها بالظبط، وبتمضي بكل برود على عقد جوازها من “يوسف”.. حب عمرها.

الكل وقف مذهول، النفس انقطع في القاعة، مفيش غير صوت دقات قلب حوراء اللي كانت بتترعش. قربت منه بخطوات تقيلة، كأنها ماشية على شوك، وسألته بصوت مخنوق: — “يوسف.. إنت بتعمل إيه؟”

رد عليها بنظرة باردة، نظرة غريب مايعرفهاش، وقال بكل لا مبالاة: — “زي ما إنتي شايفه.. بتجوز.”

الكلمة نزلت عليها زي الصاعقة، دموعها خانتها ونزلت تحرق وشها، صرخت فيه بكسرة: — “تتجوز مين؟! أنا فين من كل ده؟ المفروض ده مكاني أنا.. دي ليلتي أنا!”

قربت منه وضربت بإيدها على صدره، كأنها بتحاول تصحي ضميره اللي مات: — “أنا عملت إيه عشان تكسرني الكسرة دي؟ ذنبي إني حبيتك؟ إنت مش بس ضيعت فرحتي، إنت موتّ الثقة والأمان جوايا.. إنت خدت مني كل حاجة ونحرت قلبي قدام الناس كلها!”

أصحابها شدوها لورا وهي بتنهار، بصت حواليها لقيت نظرات الشفقة في عيون الكل.. دي أكتر حاجة وجعتها. رفعت طرف فستانها اللي بقى تقيل زي الهم، وجريت.. جريت بكل قوتها برا القاعة، وبرا الفندق، وبرا حياة يوسف كلها.

وقفت في وسط الشارع، الكحل سايل على وشها، والناس بتبص عليها بذهول.. عروسة بالفستان الأبيض بتبكي في نص الليل. قلعت جزمتها عشان تقدر تجري أسرع من الوجع، وأختها “سارة” بتجري وراها وهي مكسورة على كسرة أختها.

وصلت البيت، شافت أبوها واقف قدام الباب.. أول ما عينه جت في عينها، غمضهم بوجع وقهر على بنته اللي رجعت مكسورة الجناح. طلعت أوضتها من غير ولا كلمة، “وصال” أختها الصغيرة كانت عايزة تطلع وراها، بس أبوها وقفها وقال بصوت مكتوم بالدموع: — “سيبوها.. سيبوها لوحدها دلوقتي، الوجع ده مفيش كلام يداويه.”

دخلت حوراء أوضتها، قفلت الباب بالمفتاح، وسندت ضهرها عليه وانهارت.. قعدت على الأرض بفستان الفرح، بتعيط بصرخة مكتومة تقطع القلب، وهي بتسمع صوت تحطم روحها من جوه.

الجزء

تاني يوم الصبح، مكنش فيه أي صوت في الأوضة. حوراء سابت ورقة صغيرة على التسريحة، لمت شنطتها، وخرجت من البيت في السكات.. زي ما الحب دخل حياتها بهدوء، الخذلان خرجها منها وهي شايلة جرح مش هيدبل أبداً.

نزلت، ركبت تاكسي، ووصلت المطار.. وقبل ما تدخل، تليفونها رن. بصت في الشاشة ولقيت….

بصت في الشاشة ولقيت اسم “يوسف”..

وقفت مكانها، ونفسها بدأ يضيق. “لسه ليك عين تتصل؟” الكلمة كانت محبوسة في زورها. ردت وهي مش قادرة تمسك أعصابها، بس صوته المرة دي كان مختلف، كان مهزوز، فيه نبرة خوف مرعبة: — “حوراء.. اسمعيني، أنا في المستشفى.. أرجوكي تعالي، الموضوع مش زي ما إنتي شوفتي خالص!”

قفلت السكة في وشه وهي بتترعش. “تمثيلية جديدة؟” قالت لنفسها. بس قلبها، اللي لسه بينزف، هو اللي حرك رجليها. لقت نفسها بتغير وجهتها من صالة السفر للمستشفى اللي قال عليها.

وصلت، لقت أخت “يوسف” واقفة بتبكي بحرقة. أول ما شافتها، جريت عليها وحضنتها: — “يا حوراء، يوسف كان بيموت نفسه عشانك.. البنت اللي كانت في القاعة دي تبقى بنت الراجل اللي يوسف مديون له بكل مليم في حياته، وهدده يا إما الجوازة دي تتم ويخسر حياته واسمه، يا إما السجن.. يوسف عمل كده عشان يحميكي من ديونه، مكنش عايز يدخلك في دوامة الفقر والتهديد اللي هو فيها!”

دخلت الأوضة، لقت يوسف نايم، وشه شاحب، وإيده متوصلة بأجهزة.. أول ما فتح عينه وشافها، نزلت دمعه وحيدة من عينه وقال بصوت يدوب مسموع: — “كنت عايزك تكرهيني يا حوراء.. كان أهون عليا تشوفي الخيانة بعينك، ولا إنك تعيشي مشردة بسببي.. أنا مكنتش بتجوزها، أنا كنت ببيع نفسي عشان أشتري حريتك إنتي.”

حوراء وقفت في نص الأوضة، مش عارفة تصرخ من الوجع ولا تعيط من القهر. الخذلان طعمه مر، بس التضحية اللي بتيجي بطعم الإهانة كانت أمرّ بكتير.

مسكت إيده وقالت له بجمود هز كيانه: — “كنت فاكر إنك كدة بطل؟ إنت قتلتني عشان تحميني؟ اللي بيحب حد بياخده في حضنه ويواجهوا الدنيا سوا، مش بيدبحه قدام الناس ويقول أصل كنت خايف عليه.. إنت ضيعت الأمان اللي مابيننا، والجرح ده يا يوسف، ملوش علاج.. لا بفلوس، ولا باعتذار.”

سابت إيده وخرجت منالأوضة، ومن المستشفى، ومن حياته كلها بجد المرة دي. المطار كان لسه مستنيها، والورقة اللي سابتها في البيت كان مكتوب فيها جملة واحدة بس: “أنا ماشية أدور على ‘حوراء’ اللي ضاعت بين وعودك الكدابة.. متدورش عليا، عشان لو لقتني، مش هتعرفني.”

سافرت، مش عشان تهرب، بس عشان تبني نفسها من جديد بعيد عن رماد الحكاية دي.

مرت خمس سنين.

حوراء مابقتش البنت الضعيفة اللي جريت بفستان فرحها في الشوارع. بقت “المهندسة حوراء”، اسم له ثقله في شركة دولية بره مصر. ملامحها بقت أقوى، وعينيها اللي كانت بتلمع بالبراءة، بقى فيها نظرة هدوء غامضة.. هدوء الشخص اللي مر بالعاصفة ومبقاش يخاف من الهوا.

في يوم، جالها تكليف بمشروع كبير في مصر، بناء مجمع سكني ضخم. قلبها قبضها، بس قالت لنفسها: “القديم مات، وأنا رايحة بصفتي العملية مش بصفتي القديمة”.

أول يوم في الموقع، كانت واقفة بتراجع الرسومات، وفجأة سمعت صوت وراها، صوت كان كفيل يزلزل الأرض تحت رجليها: — “كنت عارف إنك هترجعي أقوى.. بس مكنتش متخيل إنك هتكوني بالقوة دي.”

لفت ببطء.. كان يوسف. بس مش يوسف اللي تعرفه. كان باين عليه التعب، شعره شاب من الجوانب، وفي إيده عصاية ساند عليها أثر الحادثة القديمة. طلع هو المقاول اللي هيورد الخامات للمشروع.

بصت له ببرود تام، برود وجعه أكتر من أي عتاب، وقالت: — “أهلاً يا أستاذ يوسف. ياريت نركز في الشغل، أنا وقتي ضيق جداً.”

يوسف حاول يتكلم، صوته كان مخنوق: — “حوراء.. أنا سددت كل الديون، وطلقت البنت دي من تالت يوم.. أنا عيشت الخمس سنين دول بس عشان اللحظة اللي ألمحك فيها وأقولك إني…”

قاطعته حوراء وهي بتبتسم ابتسامة وجع: — “تقولي إنك ندمان؟ الندم ده ليك إنت، عشان تريح ضميرك.. لكن أنا، الندم مش هيرجعلي ليلة فرحي اللي باظت، ولا هيمحي نظرة الشفقة اللي شوفتها في عيون الناس بسببط. إنت عملت “تضحية” لنفسك، مش عشاني.. إنت اختصرتني في دور الضحية، وأنا دلوقتي بطلة حياتي.”

يوسف نزل راسه الأرض: — “يعني مفيش فرصة؟”

حوراء قربت منه، وبصت في عينيه لآخر مرة وقالت: — “الفرصة كانت في القاعة يا يوسف.. لما كان ممكن تمسك إيدي وتقولي ‘أنا في محنة ساعديني’، لكن إنت اخترت تمثل دور البطل المكسور وتكسرني معاك. النهاردة، أنا بشكرك.. لأن الوجع اللي سببتهولي هو اللي صنع ‘حوراء’ اللي واقفة قدامك دلوقتي.”

سابت المهندس المسؤول يكمل الكلام معاه، ومشت بخطوات ثابتة لسيارتها. وهي سايقة، بصت في المراية، وشافت خيال البنت اللي كانت لابسة فستان أبيض وبتبكي.. ابتسمت لها وكأنها بتقول لها: “خلاص، حقك رجع.. بس بالنجاح مش بالانتقام.”

فتحت شباك العربية، وخدت نفس عميق من هوا بلدها، وحست لأول مرة إنها فعلاً.. حرة.

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان