بابا وماما… قصة طبيب نفسي مع طفل رأى ما لم يره أحد

بابا وماما… قصة طبيب نفسي مع طفل رأى ما لم يره أحد


بابا وماما… قصة طبيب نفسي مع طفل صامت رأى ما لم يره أحد

وصف قصير (Meta Description): قصة تشويق نفسية بأسلوب إنساني عن طبيب نفسي يستقبل طفلًا توقف عن الكلام بسبب ما يراه ويسمعه داخل منزلهم القديم، لتقوده الجلسة إلى زيارة البيت حيث تبدأ الأسئلة الصعبة.


مقدمة: الصمت أحيانًا بيكون أعلى من الصراخ

أنا بشتغل طبيب نفسي من سنين. والناس غالبًا بتفتكر إن أصعب الحالات هي اللي بتصرخ، أو اللي بتنهار قدامك. الحقيقة… الصمت هو اللي بيكسر الواحد. الصمت اللي يخلي الغرفة تقيلة، ويخلي الكلام نفسه يتكسف يطلع.

ساعات بتقعد قدام طفل صغير، وما فيش أي “علامة” واضحة تقولك فين المشكلة. لا شكوى مباشرة، لا أعراض صريحة، ولا حتى غضب. مجرد عين بتلف، وكتف مضموم على نفسه، ونَفَس قصير.

وبصراحة، أنا مش من النوع اللي يحب يحكي قصص رعب ولا يعمل من كل موقف حكاية. بس اللي حصل في اليوم ده خلاني أرجع البيت وأنا ساكت… ساكت بطريقتي، مش بطريقته هو.


يوم عادي في العيادة… قبل ما تفاصيل صغيرة تغيّر كل شيء

اليوم كان ماشي بشكل طبيعي. ملفات قدامي، مواعيد متزاحمة، وصوت السكرتيرة كل شوية: “دكتور، الحالة اللي بعد دي مستعجلة”، “دكتور، في حد جاي بدري”، “دكتور، في حد اعتذر”. حاجات عادية بتحصل كل يوم.

وقبل نهاية الدوام بساعتين تقريبًا، دخل عليّ رجل وزوجته ومعاهم طفل. من بعيد، شكلهم طبيعي جدًا. مفيش دوشة، مفيش تمثيل، مفيش صريخ. وده عادة بيكون مطمّن… لحد ما ركزت في الطفل.

كان عنده حوالي 8 سنين على كلامهم، بس جسمه أصغر شوية وملامحه باهتة، كأنه ما بينامش كويس. عينه بتتحرك بسرعة: للأرض، للباب، للكرسي اللي ورايا… لكن ما بيبصّش في عين حد. وكان ماسك إيد أمه بقوة، زي واحد خايف يتساب فجأة.


شكوى الأهل: “مبقاش يتكلم… وبيفزع من النوم”

الأب قعد قدامي وقال بصوت ثابت زيادة عن اللزوم:

“يا دكتور، ابننا بقاله فترة مش بيتكلم. ولو اتكلم يعيط. بيصحى مفزوع من النوم، وحاول يهرب من البيت أكتر من مرة.”

الأم كانت ساكتة، بس كانت بتأكد كلامه بإشارة خفيفة، وإيدها على كتف الولد كأنها بتحاول تهديه… أو يمكن بتحاول تهدي نفسها هي.

سألتهم أسئلة بتتكرر في أي تشخيص: بدأ امتى؟ حصلت مشكلة في المدرسة؟ اتنمر؟ فقد قريب؟ انتقال مفاجئ؟ شجار في البيت؟

الإجابات كانت متقطعة ومفيهاش “حدث كبير” واضح: “لا”، “مفيش”، “الحياة عادية”، “هو بس اتغير”.

وبين كل إجابة والتانية، كنت برجع أبص للولد. ما كانش فيه دليل قاطع على توحد أو تأخر عقلي. كان فيه انسحاب… وانكماش… زي واحد قافل بابه من جوه.


قرار بسيط لكنه مهم: أتكلّم مع الطفل لوحده

طلبت من الأب والأم يستنوا بره شوية. قلتها بهدوء عشان ما يحسوش إني بعمل تحقيق. في شغلي، وجود الأهل ساعات بيكون دعم، وساعات بيكون حاجز… خصوصًا لو الطفل خايف يقول حاجة عن البيت.

أول ما الباب اتقفل، الولد ما اتحركش. فضل باصص لتحت. وأنا اتعلمت ما استعجلش.

عدت دقيقة. اتنين. تلاتة. صوت التكييف خفيف، وورق بيتحرك في الدرج. حاجات عادية، بس إحساس الغرفة كان تقيل.

وفجأة، من غير مقدمات، قال بصوت واطي:

“أنا مش مجنون.”

الجملة دي لوحدها بتقول إن حد قبلك قاله “أنت بتتخيل” أو “بلاش كلام فاضي”.

قلتله: “أنا مش جاي أحكم عليك. أنا بس عايز أفهم… ولو مش قادر تحكي مرة واحدة، خُد وقتك.”

بصلي بسرعة، وبعدين رجع يبص لتحت. كأنه بيجرب يصدقني… بس لسه خايف.


البيت “بارد”… كلمة صغيرة بس وراها معنى كبير

قلتله: “طيب، إيه اللي مضايقك؟”

هز راسه، وبعد تردد قال:

“البيت… البيت ده وحش.”

سألته: “وحش إزاي؟ حد بيزعق؟ حد بيخوفك؟”

هز راسه: “لا… بس… دايمًا بارد.”

أنا لحظتها فكرت: “بارد” ممكن تكون وصف طفل للقلق. وممكن يكون البيت فعلاً رطب وبارد. وممكن يكون إحساس “مش أمان”.

قلتله: “بارد يعني إيه؟”

قال: “في كل وقت… حتى لما الدنيا حر.”

وبعدين سكت فجأة كأنه ندم إنه قال أكتر من اللازم.


“فيه ناس… مش إحنا بس”

بعد شوية قلت: “طيب… إيه تاني؟”

هنا قال جملة متقطعة، وده كان طبيعي جدًا:

“…فيه ناس… مش إحنا بس… يعني… فيه حد تاني.”

سألته: “حد تاني مين؟”

بلع ريقه، وبقى يلعب في صوابعه وهو بيحاول يلاقي كلمات:

“بسمع… بسمع صوت ست… في الحمام.”


الست اللي بتعيط في الحمام

قال إن كل حاجة بتبدأ بعد ما باباه ومامته يناموا. في نص الليل يسمع صوت ست بتعيط في الحمام. في الأول افتكرها أمه، مرة واتنين وتلاتة. بس بعد كده… الصوت بقى مختلف. مش بكاء ماما اللي يعرفه.

في ليلة ما قدرش يستحمل. خرج من أوضته على أطراف صوابعه. كان خايف من صرير الأرض، فكان بيحط رجله بالراحة، خطوة خطوة.

الحمام كان ضلمة، والنور مطفي، والباب موارب. قرب وبص جوه… وشاف ست قاعدة في ركن الحمام. لابسة أسود، وشعرها نازل على وشها. بتعيط، بس العياط مش عياط عادي… صوت زي نَفَس مكتوم، زي حد بيحاول يطلع صوت ومش قادر.

سألته: “وشها كان باين؟”

قال بسرعة: “لا.”

سألته: “قالت حاجة؟”

قال: “مفيش… بس الصوت… كان بيخنقني.”

رجع بهدوء وجري يصحي باباه ومامته. ردهم كان واحد، مكرر:

“تلاقيك كنت بتحلم.”

وقالها وهو بيقلدهم كأنه بيحكي ظلم ومش لاقي رد.


الرجل العجوز… والغرفة المقفولة

قلتله: “طيب… غير الصوت؟ شفت حاجة تانية؟”

هنا جسمه شد، وكتافه طلعت لفوق كأنه بيحمي نفسه:

“فيه راجل عجوز.”

قلت: “راجل إيه؟”

قال: “ضهره محني… وماسك عصاية.”

سألته: “بيطلع منين؟”

قال: “من أوضة… أوضة مقفولة دايمًا.”

وبعدين كررها: “مقفولة… محدش بيفتحها. حتى بابا وماما.”

قال إنه كان يشوف الراجل ده يخرج من الغرفة، ويمشي ناحيته. ساعات يدخل أوضته. والولد كان بيستخبى تحت السرير ويكتم نفسه. كررها كذا مرة: “كنت بكتم نفسي… عشان ما يسمعنيش.”

سألته: “بتشوفه بعينك؟”

قال: “بشوفه… وبشوف ضله.”

وحكى إنه بعد ما الراجل يخرج من أوضته، بياخد “حاجة” صغيرة من فوق الترابيزة ويرجع الغرفة المقفولة تاني. هو مش عارف إيه، بس متأكد إنها حاجة صغيرة لأنه كان ماسكها بسرعة.


قرب من الباب… وشاف حاجة ما ينفعش طفل يشوفها

سألته: “قربت من الأوضة المقفولة قبل كده؟”

قال: “آه… مرة.”

وبدأ يعيط قبل ما يكمل. وقف في نص الكلام ورجع يكمل بالعافية:

قال إنه حط ودنه على الباب وسمع صوت تنفس تقيل… متقطع… كأن حد مجهوده كبير وهو واقف. وبعدها… الباب اتفتح لوحده.

سألته: “اتفتح إزاي؟”

قال: “مش عارف… هو اتفتح… بس.”

وبعد لحظة طويلة قال:

“لقيت… منظر وحش.”

ما دخلش في وصف صادم، وده كان رحمة ليه وليا. قال بس إن الشخص كان “ميت”، وإن المنظر كان صعب. وبعدها دخل في بكاء شديد، وأنا سيبته يهدأ من غير ما أضغط عليه بتفاصيل.


الجملة اللي كانت هتقول كل حاجة… واتقطعت

بعد ما هدي شوية، قعد ساكت. وبعدين بص حواليه كأنه بيدور على صوت. بص للباب، للحيطة، للأرض… وبصلي.

وقال كلمتين، مش جملة:

“بابا… ماما…”

قلتله: “مالهم؟”

فتح فمه يكمل…

وفي نفس اللحظة… الباب اتفتح.


عودة الأهل… وعودة الصمت

الأب والأم دخلوا فجأة. والولد سكت فورًا. اتحول لتمثال وبص لتحت.

سألوني: “طمني يا دكتور… فهمت فيه إيه؟”

أنا قلت الحقيقة اللي ينفع تتقال في وقتها من غير ما أجرح طفل ولا أعمل أزمة: “الحالة معقدة شوية، ومحتاجين جلسات. بس الأفضل أشوفه في البيت… البيئة بتفرق.”

الغريب إنهم وافقوا بسرعة، من غير اعتراض. كأنهم مستنيين حد تاني يدخل الصورة.

أخدت العنوان واتفقنا أزورهم تاني يوم بعد العيادة.


ليلة بين النوم والصحو

رجعت البيت وقلت لنفسي: “ده طفل… خيال… ضغط… يمكن فيلم شافه… يمكن حكاية سمعها.”

بس عقلي ما ارتاحش.

نمت… أو حاولت. كل ما أغفل شوية أسمع في حلمي صوت عصاية على الأرض: “تك… تك… تك”. وأصحو مفزوع وأقول: “إيه ده؟” وبعدين أضحك ضحكة صغيرة عشان أقنع نفسي إن ده مجرد توتر.

بس التوتر ده… كان عنيد.


زيارة البيت: خطوة كنت متردد فيها… لكني عملتها

تاني يوم اشتغلت عادي، بس طول اليوم في خيط في دماغي مش راضي يفك. كل شوية أفتكر صوت الطفل وهو بيقول: “أنا مش مجنون.”

خلصت العيادة الساعة 7 مساءً، ومن غير ما أدي لنفسي فرصة أتراجع، ركبت وطلعت على العنوان.


المنزل: كبير… قديم… وصمته مش مريح

البيت كان كبير، بطراز قديم، في شارع إضاءته ضعيفة. بوابة حديد عليها صدأ خفيف عند الأطراف. شكل البيت يوحي إنه اتبنى من زمان واتسكن سنين طويلة من غير تجديد واضح.

خبطت على الباب. سمعت حركة بطيئة من جوه. مش حركة شاب. حركة حد كبير في السن.

الباب اتفتح.

وأنا أول ما شفت اللي فتح… حسيت بدمي بيبرد.

راجل عجوز. ضهره محني. ماسك عصاية.

نفس الوصف اللي قاله الطفل. قلت لنفسي: “يمكن مصادفة”… بس المصادفة دي كانت تقيلة على الأعصاب.

تماسكت وقلت:

“مساء الخير… مش ده بيت أستاذ مكرم؟”

ما ردش. هز راسه بس، وبإيده أشار إني أدخل.


لحظة واحدة… والظلام

دخلت. المدخل واسع. ريحة البيت خليط بين خشب قديم ورطوبة خفيفة. ممر طويل قدامي، وعلى اليمين صالة، وعلى الشمال باب مقفول.

الراجل العجوز مشي قدامي، والعصاية بتخبط في الأرض بانتظام: “تك… تك… تك”. نفس الصوت اللي سمعته في حلمي، وده خلاني أبلع ريقي غصب عني.

أول ما الباب اتقفل ورايا…

النور قطع.

البيت كله دخل في ظلام مفاجئ. وحتى صوت الشارع برا بقى بعيد كأنه اتكتم.

قلت بتلقائية: “هو الكهربا بتقطع عندكم كتير؟”

مافيش رد.

وقفت مكاني وحطيت إيدي على تليفوني عشان أفتح الكشاف.

بس قبل ما أعمل كده… سمعت صوت خفيف جدًا من آخر الممر.

صوت… شبه نحيب بعيد.

وأنا واقف… افتكرت كلمة الطفل اللي اتقطعت:

“بابا… وماما…”


خاتمة مفتوحة… من غير مبالغات

أنا مش هقول إن اللي حصل بعدها “خارق” أو إن فيه حاجة لازم تتفسر بالخرافات. أنا أصلًا مش بحب التصنيفات دي. اللي أقدر أقوله إن الزيارة دي خلّتني أرجع البيت وأنا ساكت… ساكت بطريقة مش بتاعتي.

ومن وقتها، كل ما أفتكر الولد، بحس إن في جزء ناقص. مش في القصة… في الحقيقة نفسها.

لأن ساعات، الطفل ما بيخترعش.

الطفل بس بيقول اللي الكبار مش عايزين يسمعوه.

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان