كبرت وأنا لا أعرف معنى كلمة “أم” كما يعرفها باقي الأطفال.
كانت أمي حاضرة بالجسد… وغائبة بالروح.
تعمل ممرضة في مستشفى حكومي، تعود مرهقة في أغلب الأيام، تنام لساعات طويلة، وتخرج من جديد قبل أن أستيقظ.
لم تكن سيئة… لكنها لم تكن لي.
كان بيتنا صامتًا أغلب الوقت، مليئًا بالتوتر في بقية الأوقات.
مشاكل لا تنتهي بينها وبين أبي، خلافات صغيرة تتحول إلى عواصف، وكلمات قاسية تُلقى بلا حساب.
كبرت وأنا أشاهد أبي يحاول أن يحافظ على البيت وحده، يبتلع غضبه، يصبر، ويتنازل… من أجلي أنا.
الفصل الأول: الطلاق الذي غيّر مصيري
حين بلغت الرابعة عشرة، جاء القرار الذي كنت أخشاه دون أن أفهمه: الطلاق.
جلسوا جميعًا في قعدة عائلية طويلة، حاولوا الإصلاح، حاولوا إقناع أبي بالصبر، لكنه كان قد وصل إلى نهايته.
وللمرة الأولى، هو من أصر على الانفصال.
ورغم ذلك… لم يتخلَّ عني.
استأجر لي ولأمي شقة قريبة، وتعهد أن يتحمل كل مصاريفي، وأن يظل حاضرًا في حياتي قدر ما يستطيع.
كان أبي رجلًا بحق.
أما أمي… فاختارت عملها على كل شيء.
الفصل الثاني: الرجل الذي دخل حياتنا باسم الطيبة
في تلك الفترة، بدأ صديق قديم لوالدي يزورنا بين الحين والآخر.
رجل وقور، هادئ، حسن الكلام، يبدو عليه الاحترام والاتزان.
كان يسأل عني كثيرًا، يطمئن على أمي، يعرض المساعدة، يجلس طويلًا يحكي لها ويواسيها.
لم أكن أفهم وقتها أن بعض الذئاب ترتدي أقنعة الملائكة.
مع الوقت، تعلقت به أمي، صارت تنتظر زياراته، تبتسم حين تسمع صوته، وتستشيره في كل شيء.
وحين طلب منها الزواج… لم تتردد لحظة.
الفصل الثالث: تحذير الأب الذي لم يُسمَع
حين علم أبي بالأمر، ثار غضبه لأول مرة منذ سنوات.
قال لأمي إن هذا الرجل ليس كما يبدو، وإنه كان شريكه في عمل قديم وغدر به وسرقه، وإن زواجه منها ليس حبًا بل انتقامًا.
قال لها بوضوح:
“ده داخل حياتك عشان يوجعني بيكي… مش عشان يحميك”.
لكن أمي… لم تسمع.
تزوجته نكاية في أبي، وانتقلت معه إلى شقة جديدة، وذهبتُ لأعيش معهما لأن أبي كثير السفر والعمل.
الفصل الرابع: الهدوء الكاذب وبداية الخطر
في البداية، تجاهلني تمامًا.
كأنني غير موجودة في البيت.
كان مهذبًا معي حين نلتقي مصادفة، قليل الكلام، كثير الابتسام.
لكن ذلك كان تمهيدًا فقط.
حين وثقت به أمي، وبدأت تتركني وحدي معه لساعات طويلة بسبب عملها…
ظهر وجهه الحقيقي.
نظرات طويلة، اقتراب متعمد، وجود مفاجئ في غرفتي، محاولات لمس عابرة.
كنت أرتجف خوفًا، أصرخ أحيانًا، أهرب أحيانًا، أغلق الباب بالمفتاح، وأنام وأنا أضع كرسيًا خلف الباب.
وحين حاولت إخبار أمي…
كذبتني.
الفصل الخامس: سنتان من الجحيم الصامت
عشت سنتين كاملتين في رعب يومي.
أرتدي ملابس واسعة، أغلق الحمام بالمزلاج، أراقب خطواته، أعدّ الدقائق حتى تعود أمي.
إلى أن… توقف فجأة.
اعتذر، وبكى، وأقسم أنه لن يؤذيني أبدًا.
ثم بدأ يتغير فعلًا… ويتحول إلى أب حنون.
خرج معي، اشترى لي ما أريد، ذاكر معي، أوصلني لدروسي، وضحك معي كثيرًا.
الفصل السادس: حين بدأ السقوط من حيث لا أدري
بدأ الأمر بسيجارة… ثم دخان أستنشقه رغمًا عني.
قال إنه يساعد على الاسترخاء والتركيز.
ثم طلب مني التجربة.
ومن تلك اللحظة… بدأ الإدمان.
أعطاني حبوبًا قال إنها “للمذاكرة”، لكنها كانت مخدرات.
شيئًا فشيئًا… أصبحت أسيرة له.
الفصل السابع: اكتشاف الأم المتأخر
لاحظت أمي التغير في عينيّ وصوتي ونومي.
أخذتني بالقوة للتحليل… وكانت النتيجة إيجابية.
انهارت، وهددته، وطلبت الطلاق فورًا.
وخاف… وطلقها.
اختفى من حياتنا… لكن الإدمان بقي.
الفصل الثامن: العودة إلى الجحيم بإرادتي
حين اتصل بي… طرت من الفرح.
بدأ يشوه صورة أمي وأبي، ويقنعني أن الجميع تخلوا عني.
ثم طلب مني العودة إليه… فوافقت.
هربت من أمي مرارًا، وأبيت عنده أيامًا طويلة، وأغرق أكثر.
الفصل التاسع: صوت الأب الذي أنقذ حياتي
حين سمعت صوت أبي عبر الهاتف…
انفجرت بالبكاء.
قال لي إنه لن يتركني أبدًا، وإنه سيعيدني بأي ثمن.
الفصل العاشر: الليلة التي كدت أموت فيها
دعاني لما سماه “السهرة الأخيرة”.
فذهبت… ولم أعد.
ضُربت، رُبطت، وتعرضت لأسوأ ما يمكن تخيله.
وحين نام… فككت نفسي، وحين حاول الإمساك بي…
طعنتُه، وهربت إلى أبي.
الفصل الأخير: النجاة والرسالة
قُبض عليه، ووجهت له تهم خطف واعتداء وتعاطٍ.
وسلّمني القاضي لأبي على عهدة العلاج.
وأمي تركت العمل، وتفرغت لي، وأصبحت أمًا بحق.
<
فصل الندم: حين تبدأ محاكمة النفس في الصمت
بعد أن هدأت العاصفة، واختفى الضجيج من حولي، لم يبقَ في حياتي سوى صوت واحد لا يرحم… صوت نفسي.
كنت أستيقظ ليلًا وأنا أرتجف، أراجع كل لحظة مرّت بي، وكل إشارة تجاهلتها، وكل صرخة كتمتها خوفًا أو خجلًا.
سألت نفسي ألف مرة:
متى ضعت؟
وفي أي لحظة سمحت للغرباء أن يصيروا أقرب إليّ من أهلي؟
وأدركت أن الألم الحقيقي لا يأتي من الضرب ولا من الجراح، بل من الإحساس بأنك كنت تستطيع النجاة… واخترت الطريق الخطأ دون أن تشعر.
فصل الشفاء: الطريق الطويل للعودة إلى الحياة
بدأت رحلة العلاج أصعب مما تخيلت.
أيام طويلة في المستشفى، جلسات نفسية، دموع لا تتوقف، واشتياق موجع لتلك الطفلة البريئة التي كنتها يومًا ولم أعد أعرف أين اختفت.
تعلمت من جديد كيف أنام بلا خوف، كيف أفتح باب الغرفة دون أن أرتعش، كيف أنظر في المرآة دون أن أرى فتاة مكسورة بل إنسانة تحاول الوقوف من جديد مهما كانت الجراح عميقة.
فصل المصالحة: حين حاول القلب أن يسامح قبل أن ينسى
لم يكن مسامحة أمي أمرًا سهلًا.
كانت دموعي تنهمر كلما نظرت إليها، بين رغبة في الارتماء في حضنها، وغضب قديم لم أعرف كيف أطفئه.
لكنني مع الوقت فهمت أن البشر يخطئون، وأن بعض الآباء والأمهات لا يقصدون إيذاء أبنائهم، بل يضلّون الطريق دون أن يدركوا حجم الثمن الذي سيدفعه أطفالهم بدلًا عنهم.
فصل الرسالة الأخيرة: ما يجب أن يعرفه كل بيت
لو استطعت أن أوجّه كلمة لكل أب وأم، لقلت لهم:
راقبوا أبناءكم، اسمعوا صمتهم قبل كلماتهم، لا تتركوا فراغًا في قلوبهم يملؤه الغرباء، ولا تجعلوا العمل أو الخلافات الزوجية أهم من طفل يبحث فقط عن الأمان.
فالطفولة مرحلة لا تعوّض،
والجرح الذي يحدث فيها قد يظل مفتوحًا العمر كله،
إلا إن وجد يدًا حنونة تمسحه في الوقت المناسب.
h2>الخاتمة: حين يكون الأب والأم أول خط دفاع
هذه ليست قصة مخدرات ولا اعتداء…
بل قصة غياب.
ارحموا أبناءكم، ولا تطلقوا إلا بعد أن تستنفدوا كل السبل،
فالطفل إذا كُسر… قد ينجو جسده، لكن روحه تبقى تنزف العمر كله.