ضل راجل ولا ضل حيطة… شهد بين وجع الفقد وستر الأمان

ضل راجل ولا ضل حيطة… شهد بين وجع الفقد وستر الأمان


ضل راجل ولا ضل حيطة… شهد بين وجع الفقد وستر الأمان

تنويه للنشر: هذه القصة عمل أدبي اجتماعي خيالي مستوحى من واقع متكرر، وأي تشابه مع أشخاص حقيقيين هو محض صدفة. القصة مناسبة للنشر وآمنة للإعلانات.

في الغالب، الوجع مش بييجي مرة واحدة… بييجي على مهله.
كلمة من هنا، نظرة من هناك، وباب يتقفل في وشك من غير ما حد يلمح.
شهد كانت حاسة إن الدنيا بعد سعد اتغيّرت، مش بس لأنها بقت “أرملة”، لأ… لأنها اكتشفت إن اللقب ده لوحده كفاية يخلي أي حد يحطها تحت المجهر.

كانت لسه صغيرة… اتنين وعشرين سنة، وبنتها “جوري” في حضنها زي الأمان الوحيد اللي باقي لها.
ومع كل يوم يعدّي، كانت بتفهم إن تربية بنت وسط كلام الناس أصعب من وجع الفقد نفسه.


في قعدة عائلية هادية، كان الكلام ماشي في سكة محدش قالها بصراحة من الأول… بس الكل كان حاسس بيها.
الحاج كامل قالها زي اللي بيرمي حجر في مية راكدة:

«يونس عايز يتجوز شهد… بعد ما عدتها تخلص… على سنة الله ورسوله.»

كريم، أخو شهد، اتنحنح… وحاول يطلعها بأدب:

كريم: «يونس بيه… ما تزعلش مني… بس إنت كبير عليها أوي.»

يونس وشّه شحب. مش لأن كريم غلط… لأ، لأنه قال الحقيقة من غير ما يلف ويدور.
يونس كان دايمًا “يونس بيه”… رجل أعمال، اسمه ما بيمشيش لوحده غير ومعاه هيبة.
بس قدام جملة “كبير عليها”، الهيبة بتتهز من جوا، حتى لو ملامحه ثابتة.

الحاج كامل دخل بثقله:


«يا كريم… يونس ابني راجل ناجح… وهيصونها ويراعي بنت أخوه.
شهد لسه صغيرة ومن حقها تتجوز تاني… ويونس حل لمعادلة صعبة:
تتجوز وتبقى في حِمى راجل… وفي نفس الوقت جوري تبقى في أمان… لأنها بنت أخوه.»

كريم اتنهد… مش مقتنع بالكامل، بس فاهم المنطق.
وبعد ما استأذن وطلع لشهد، يونس بصّ للحاج كامل وقال بصوت واطي:

يونس: «شوفت يا حاج… فرق السن واضح… ماكنش لازم نفكر في كده أصلًا.»

الحاج كامل رد من غير تردد:


«يونس يا ابني… اللي بنعمله ده الصح.
الراجل يقدر يحتوي مراته… ويقدر يقرب منها… ويقدر كمان يخليها تبعد عنه لو هو قاسي.
بس أنا عارفك… وعارف إن شهد عقلها في بنتها قبل أي حاجة.»

يونس ضاق صدره:

«يعني هتوافق عليا عشان جوري بس؟»

الحاج كامل رفع حاجبه:


«أمال إنت متوقع إيه يا يونس؟
إنت دايمًا كنت أخو سعد… أخو جوزها.
عايزها توافق عليك لشخصك؟ طب إزاي ده؟»

يونس اتعصب… وطلع شقته من غير ما يقول حاجة.
والغريب إنه هو نفسه ما كانش فاهم ليه مضايقه الفكرة…
ليه زعلان إنها لو وافقت… هتبقى موافقة عشان بنتها؟


فوق، في شقة شهد… ملك أختها كانت بتقطع الصالة رايح جاي وهي متنرفزة.
كريم دخل بهدوء:


كريم: «أحم… شهد.»
شهد: «نعم؟»
كريم: «في موضوع مهم عايز أكلمك فيه.»
شهد: «خير.»

كريم حاول يمهّد:


«إنتِ عارفة إن عدتك قربت تخلص…
وعارفة إن بيتي مفتوح لك في أي وقت… ده حقك قبل ما يكون كرم مني…
إنتِ مش أختي وبس… إنتِ بنتي…»

شهد قاطعته بسرعة، وكأنها بتقطع الطريق على الكلام من أوله:

«لا يا كريم… مش هتجوز بعد سعد أبدًا… مستحيل.»

كريم قال:

«اسمعيني بس… واعرفي مين العريس.»

شهد هزت راسها بضيق:


«عارفة… عارفة إن كذا حد اتقدملي أول ما عرفوا إن سعد مات…
بس أنا هعيش وأربي بنتي وبس.»

كريم اتنفس بعمق وقال:

«بس العريس ده أكتر حد هيصون بنتك.»

ملك دخلت بسخرية:

«يا سلام… مين ده يعني؟»

كريم قالها على طول:

«عمها… يونس بيه.»

شهد اتخضت وكأن حد صفعها:

«إيه؟! مستحيل… لا لا.»

ملك زودتها:

«مستحيل طبعًا… ده كبير أوي… وشهد لسه صغيرة.»

كريم كان واضح:


«أنا مش عايز أضغط عليك…
بس لو هتسأليني رأيي… هقول لك: ده أحسن اختيار.
لأنه هيراعي ربنا فيك وفي بنت أخوه… لأنها لحمه ودمه.
فكري وخدي وقتك.»

شهد قالت كلمتها الأخيرة:

«قولت لا يعني لأ… كلام نهائي.»


مر أكتر من أسبوعين… وشهد ثابتة على رفضها.
بس الدنيا حواليها ما كانتش ثابتة.

مروة… زوجة يونس الأولى… لما وصلها الخبر، قامت الدنيا وما قعدتش.
صوتها اتملأ البيت صريخ وغضب، وملك للأسف ما صدقت تلاقي فرصة تستفزها،
وقالت لها بنبرة فيها شماتة:

«يونس اتقدم لأختي… اهو أدبك على اللي عملتيه فيا قبل كده.»

مروة اتجمدت لحظتها… الصدمة شلتها.
وملك قعدت تضحك… ضحك طويل… ضحك مش حلو.

أما يونس، فسمع أهله بيتكلموا وعرف إن شهد رافضة…
والمفاجأة إنه ما علّقش… ولا بيّن إنه عرف.
كان ساكت… مستني… يمكن الوقت يغيّر رأيها…
وهو مش فاهم ليه مستني أصلاً.


في يوم تاني، كاميليا فتحت الموضوع مع شهد بهدوء:


«على فكرة يا شهد… لو فكرتي بالعقل… هتلاقي إنه عرض كويس جدًا وحل لمعادلة صعبة.»

شهد استغربت:

«إنتِ بتقولي إيه؟! مش هتجوز بعد سعد.»

كاميليا سألتها:


«عندك كام سنة؟»
شهد: «22.»
كاميليا: «يعني لسه عيلة… اللي زيك لسه بيتخطبوا… بس نظرة المجتمع للأرملة صعبة أوي.»

وبدأت تحكي… بدموع حقيقية مش تمثيل:
عن الست اللي بتخاف تفتح شباك… عن اللي بتتكسف تروح فرح…
عن اللي الناس بتبص لها كأنها خطر على بيوت غيرها.


«أي ست حواليك… هتبقى خايفة على جوزها منك…
وتفكر إنك عايزة تخطفيه…
حتى لو جوزها تعبان ومش قادر يشيل نفسه…
بس برضه… يصدقوا إنك “تهديد”.»

شهد وملك كانوا سامعين بذهول.
شهد كانت تعرف إن الدنيا قاسية… بس ما كانتش متخيلة القسوة دي.

كاميليا مسحت دموعها وقالت الجملة اللي علّمت جوه شهد:


«يونس كبير عليك وطبعه صعب… ومش زي سعد خالص…
بس هو أأمن واحد على بنتك…
وأكيد هيبقى سند ليك… على الأقل قدام الناس.
والمثل بيقول: ضل راجل ولا ضل حيطة.»

شهد ما ردتش… بس لأول مرة… سكتت سكوت مختلف.
سكوت حد بيفكر… وبيوزن الواقع.


بعد يومين… خرجت شهد من أوضتها وبصت لكريم اللي قاعد مع ملك وندى.
وقالت بصوت ثابت:

«كريم… أنا موافقة.»

الصمت نزل على الأوضة مرة واحدة.
كريم حط كباية الشاي ببطء، وملك اتجمدت،
وندى بس هي اللي ابتسمت كأنها كانت متوقعة.


كريم: «متأكدة يا شهد؟ مش عايزك توافقي وإنتِ حاسة إنك مجبورة…»
شهد: «متأكدة… أنا بفكر في جوري… ومش قد المواجهة مع الدنيا لوحدي.»


نزل كريم وأبلغ الحاج كامل ويونس.
يونس ما ابتسمش… سأل نفس السؤال اللي كان واكل دماغه:

«وافقت عشان جوري… صح؟»

كريم قال بصراحة:

«المهم إنها وافقت… والود بييجي بالعشرة.»

يونس قام فورًا وطلع لشقة شهد.
دخل الصالة… نظرة حادة، صمت، وبعدين قال بصوت رخيم:


«شهد… أنا مش هتجوزك شفقة… ولا عشان أكسر عين مروة.
أنا هتجوزك عشان أصونك… وعشان بنت أخويا.
بس لازم تعرفي… بيتي له نظام… وطبعي مش سهل… ومروة لسه على ذمتي… تقدري تتحملي؟»

شهد رفعت راسها وقالت بوضوح:


«طالما بنتي في حضني وتحت حمايتك… أتحمل أي حاجة…
بس جوري خط أحمر.»

يونس قالها من غير مبالغة:

«من بكرة اسمي يونس بس… والكتب كتاب الأسبوع الجاي… من غير دوشة.»


الخبر قلب البيت عاصفة.
مروة اقتحمت شقة شهد قبل الزفاف بيومين وهي بتصرخ:


«فاكرة إنك بجمالك هتخطفِيه؟!
ده واخدك عشان البنت… إنتِ هنا خدامة… والبيت بيتي!»

شهد اتخضت… لكن يونس كان داخل وراها في اللحظة دي.
مسك ذراع مروة وقال بهدوء يخوف:


«البيت اللي شهد هتدخله… هي فيه هانم زيها زيك.
وكلمة تانية… هتلاقي نفسك برا قبل ما هي تعتب الباب.»

وسحب مروة للخارج.
شهد وقفت مصدومة… أول مرة تحس بمعنى “سند” قدام عينها.


ليلة كتب الكتاب كانت بسيطة… عائلية… من غير زفة ولا صخب.
شهد دخلت جناحها وهي مرتبكة، وجوري نايمة جنبها.

يونس دخل… قعد قدامها… وسكت شوية كأنه بيرتب كلامه.
وبعدين قال:


«عارف إنك شايفاني كبير… وعارف إن قلبك لسه مع سعد.
أنا مش جاي أمحي ذكراه… أنا جاي أبني حياة جديدة…
مش هطلب حب دلوقتي… بس هطلب احترام…
ومن النهاردة… مفيش حد يمسك فيك كلمة.»

تاني يوم الصبح… شهد صحيت على ضحكة جوري.
وفتحت عينيها تلاقي يونس شايل الطفلة… بيحاول يداعبها بخشونة راجل مش متعود على أطفال.
بس جوري كانت مبسوطة… وكأنها عارفة إنه “أمان”.

وقال بجدية:


«لبّسي البنت… الفطار تحت مع العيلة… مروة موجودة… وأمي وأبويا مستنيين.»


على سفرة الفطار… مروة حاولت تلسع بكلمة:


«الأمانة تقيلة يا حاج… خصوصًا لما فرق السن يخليها في مقام بنته!»

يونس حط السكينة ببطء:


«والأمانة دي هي اللي خلتني أحافظ على وجودك هنا لحد دلوقتي.
شهد ست البيت زيها زيك… ويمكن أكتر… عشان شايلة دم غالي علينا.»

مروة كتمت غيظها… لكنها ما سكتتش جواها.


بعد أيام، جوري سخنت… شهد اتوترت وبكت…
يونس اتحرك بسرعة، اتصل بدكتور، وسهر طول الليل جنب الطفلة،
وهو بنفسه بيعمل كمادات… كأنه بيكفّر عن عمر كامل من القسوة.

شهد بصّت له… وحست إن فيه حاجة اتحركت جواها:
مش حب… لسه…
بس امتنان… كبير.


مروة رجعت تهدد:

«أنا ماشية… ومش هرجع غير بورقة طلاق شهد!»

يونس رد ببرود:


«عايزة تمشي؟ الباب يفوت جمل.
بس اللي يخرج بمزاجه… ما يرجعش إلا بمزاجي أنا.»

ومروة خرجت… وهي مستنية إنه يرجعها… لكنه ما عملش.


بعدها بيومين… الشك دخل قلب شهد بكلمة اتقالت لها.
وهي من الضغط جهزت شنطة…
يونس دخل وشافها، وقال بنبرة غاضبة مكتومة:

«هو في إيه؟ عدوى الشنط بدأت؟»

شهد بدموع:


«أنت اتجوزتني عشان مصلحتك… عشان الأملاك… وعشان جوري تفضل تحت إيدك.»

يونس قرب منها وقال بحسم:


«لو عايز أملاك… الأملاك تحت إيدي من غير جواز.
ولو عايز جوري… أنا عمها.
أنا اتجوزتك لأنك كنتِ محتاجة ضهر…
ويمكن… لأني كنت محتاج حد يرجّعني إنسان… مش بس “يونس بيه”.»

وطلع ورقة:


«ده تنازل باسمك… مش باسم جوري… عشان تعرفي إني مش عايز منك حاجة.»

شهد انهارت… وبكت… وهو حضنها لأول مرة كأنه بيحميها من الدنيا كلها.


مروة حاولت تلعب آخر ورقة: “سعد”.
قالت لشهد إن يونس كان سبب سفره الأخير…
شهد واجهت يونس، وهو رد بهدوء:


«سعد كان راجل وواجب… وأنا حاولت أمنعه… بس هو صمم.
مروة بتكذب… وبتتاجر بدم أخويا.»

وبعدها، يونس حسم الموضوع:


«مروة… شنطتك… وخروج. إنتِ كدابة وبتكسري البيت.»


وجت الحفلة الكبيرة… في فندق كبير… والناس كلها بتبص.
مروة ظهرت وسط القاعة وصرخت:


«يونس اتجوزها عشان الذنب… وعشان الورث!»

شهد المرة دي ما اتهزتش.
اتقدمت خطوة وقالت قدام الناس:


«يونس ما اتجوزنيش عشان ورث ولا ذنب…
اتجوزني لأنه الوحيد اللي فهم معنى المسؤولية…
وصان لحم أخوه… وخلّى بنتي تعيش مرفوعة الراس.»

القاعة صفقت… ومروة انسحبت مهزومة.


بعد سنتين… شهد كملت تعليمها، واتخرجت…
ويونس كان واقف يفخر بيها قدام الكل.
وجوري… كانت بتناديه “بابا”.

وفي ليلة هادية، شهد قالت له:

«يونس… أنا حامل.»

يونس ضحك… ضحكة أول مرة تطلع منه بصوت عالي…
وضمها… كأنه أخيرًا فهم إن الأمان ممكن يبقى بداية حب… مش نهايته.

النهاية

مش كل الجوازات بتبدأ بحب…
بس في جوازات بتخلق الحب مع الوقت، بالمواقف، وبالسند، وبالستر.

شهد اختارت الأمان…
والأمان، على مهله… حبّها.

تمت القصة.

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان