قصة اجتماعية مؤثرة عن أم أهملت أبناءها

قصة اجتماعية مؤثرة عن أم أهملت أبناءها


البيت كان واقف في حتة جانبية من الحي، لا هو في آخر الشارع ولا في أوله، لكن في النص كده، كأنه بيت اتولد بالغلط واتساب. باب خشب قديم طلاءه متقشر، ومقبضه بيطلع صوت خفيف كل ما حد يلمسه، وشبابيك الدور التاني كانت في الغالب مقفولة، حتى في عز الحر، كأن أهلها مش بيحبوا النور أو مش قادرين يستقبلوه.

اللي عرفه الناس عنه أقل بكتير من اللي افتكروه. يعرفوا إن الست اللي كانت ساكنة هناك اسمها نعمات، ويعرفوا إنها كانت مهتمة بنفسها زيادة عن اللزوم. بس “مهتمة بنفسها” دي كلمة مهذبة، بتخبي تحتها تفاصيل كتير. نعمات كانت شايفة الدنيا من زاوية واحدة: أنا أولًا. وبعد كده… نشوف.

نعمات كانت جميلة فعلًا. جمالها كان من النوع اللي يخليها تحس إن عليها حق في الحياة، وإن كل حاجة لازم تمشي زي ما هي عايزة. كانت بتحب تلبس كويس، وتظبط شعرها، وتظهر بشكل يوحي إن عمرها ما اتبهدلت. ودي كانت الحقيقة تقريبًا: نعمات ما كانتش بتحب البهدلة، ولا بتعرف تتعايش معاها، ولا بتسامح اللي يجرّب يفرضها عليها.

خلفت ولدين وبنت: أحمد، وبعده سامح، وآخرهم هنا. لما كانت بتشوفهم وهم صغيرين، ما كانتش بتحس بالدفا اللي ناس كتير بتوصفه. كانت بتحس بحاجة تانية… حمل. زي حقيبة تقيلة لازم تشيلها وهي ماشية، وهي أصلًا كانت بتحب تمشي خفيفة.

الغريب إن قسوتها ما كانتش بالصوت العالي ولا بإيد بتتمد. نعمات ما كانتش بتضرب، ومش دايمًا بتشتم. كانت بتعمل حاجة أصعب، حاجة ما بتسيبش كدمات على الجلد بس بتسيب علامات جوه: كانت بتغيب. الإهمال عندها كان أسلوب حياة، مش موقف.

تسيب العيال عند الجيران بالساعات، وباليومين أحيانًا، بحجج كتير: مرة “مشوار”، ومرة “ظروف”، ومرة “هارجع بسرعة”. ترجع متأخر، ريحة العطر مالية السلم قبل ما تظهر هي، ومزاجها غالبًا رايق. تلاقيهم ساكتين أو نايمين، وتعدّي عليهم بعينيها كأنها بتعدّي على أثاث، مش على ولاد.

هنا بالذات كانت أضعفهم، جسمها يمرض بسرعة، وتخاف بسهولة. لما كانت سخنتها تعلى أو بطنها توجعها، كانت تقرب من أمها وتتكلم بنبرة ترجّي: “يا ماما… وديني للدكتور.” نعمات كانت ترد من غير ما تبص لها كويس: “أنا مش فاضية للمستشفيات وريحة الدوا… خدي مسكن ونامي.”

في كل مرة كانت هنا تسمع الجملة دي، كانت بتحس إنها اتقالت لحد تاني. كانت بتستغرب: هي أنا مش بنتك؟ هو في حاجة ناقصة فيا؟ وبعدين تسكت، لأنها كانت اتعلمت بدري إن الكلام ما بيجيبش نتيجة غير وجع زيادة.

جوزها، صبحي، كان على قد حاله، لكن قلبه واسع. راجل شقيان، يطلع الصبح بدري ويرجع مهدود، ومع ذلك يفضل يحاول يظبط الدنيا. كان بيحاول يديهم الحنان اللي ناقص، يضحك معاهم، يأكلهم بإيده أحيانًا، ويقوم الليل لو واحد منهم كحّ. لكنه كان لوحده في المعركة، وكل يوم كان بيخسر حتة من قوته.

صبحي مات بدري. ما ماتش من مرض واضح يتقال عليه اسم، مات من اللي ما بيتكتبش في الروشتة: التفكير، والهم، والإحساس إنه مش عارف يحمي ولاده من برودة البيت. ساب شقة ومعاش معقول، حاجة تساعدهم لو الدنيا بقت صعبة.

بعد موته، كان المتوقع إن نعمات تلُم العيال، تقرب منهم، تحس إنهم بقوا سندها الوحيد. اللي حصل كان العكس. كأن وفاة صبحي فتحت باب كانت مستنية يتفتح. نعمات حسّت إن القيد اتفك، وإنها أخيرًا تقدر “تعيش حياتها”.

باعت نصيبها في الشقة لتاجر يعرف يدخل في التفاصيل من غير وجع دماغ، وخدت الفلوس وسافرت محافظة تانية. ما عملتش وداع كبير، ولا قعدة تشرح، ولا حتى جملة بسيطة تطمّنهم. سابتهم وهم أكبرهم ستاشر سنة… وواجهوا الدنيا لوحدهم.

أحمد، في سن ستاشر، صحى في يوم لقى نفسه فجأة “كبير” من غير تدريب. بقي مسؤول عن بيت ناقصه الأم، وناقصه الأمان، وناقصه كلمة “أنا جنبك”. حاول يبقى صلب، بس الصلابة دي ما كانتش اختيار… كانت ضرورة.

سامح كان أهدى، بس هدوءه ما كانش راحة. كان هدوء حد بيكتم كتير. يشتغل مع أي حد يرضى يشغله، ويتعلم بسرعة لأن الفشل ما كانش متاح. وهنا… هنا كانت بتبص لهم وتتحمل وهي مش فاهمة ليه لازم تدفع تمن حاجة ما عملتهاش.

السنين دارت، والدنيا ما وقفتش على حد. العيال كبروا بمرارة، بس كمان بذكاء شديد. أحمد دخل ورشة ميكانيكا، واتعلم الصنعة من تحت لتحت، لحد ما بقت إيده “تتلف في حرير” في كل اللي يخص العربيات. سامح اتجه للحسابات، شاطر في الأرقام، بيعرف يرتّب الدنيا ويقفّلها. وهنا، وسط كل ده، كانت بتذاكر وتشتغل، وتزق نفسها لقدام بخوفها قبل شجاعتها، لحد ما بقت ممرضة شاطرة في مستشفى حكومي.

كانوا كلهم بيبنوا بيوتهم الجديدة بحذر. مش عايزين بيت يشبه البيت اللي اتولدوا فيه. أحمد كان يضحك مع عياله ويحضنهم من غير سبب. سامح كان يراجع على أولاده قبل النوم، يسألهم عن يومهم ويصبر عليهم. وهنا كانت تعاند التعب وتعمل أكل وتسأل وتسمع، لأنها كانت عايزة “دفا” حتى لو الدفا اتعلمته متأخر.

وبعد حوالي عشرين سنة، في يوم عادي من أيام الشغل، تليفون هنا رن. رقم غريب. ردت وهي بتفكر إنه ممكن يكون حد من القسم أو مريض نسي حاجة. صوت رسمي قال: “يا أستاذة هنا… حضرتك تعرفي ست اسمها نعمات؟ عندنا ست مسنة حالتها صعبة ومفيش معاها حد… لقينا رقم حضرتك مكتوب في ورقة قديمة جوه شنطتها.”

هنا سكتت لحظة. الكلمة وقعت في ودنها زي حجر صغير لكن ثقيل. نعمات… الاسم لوحده رجّع في دماغها صور كتير: باب بيت، صمت، سخونية، وملاءة باردة. سألت الصوت بهدوء متكسّر: “هي فين؟”

كلمت إخواتها. أحمد رد بسرعة، بس صوته كان متماسك زيادة عن اللزوم. سامح اتأخر ثواني قبل ما يرد، كأنه بيبلع ريقه. اتفقوا يقابلوا بعض ويروحوا المستشفى.

المستشفى كان زحمة كعادته. رائحة مطهر، أصوات أقدام، همهمات، وناس مستنية دورها في أي حاجة. دخلوا أوضة صغيرة في آخر الممر. أول ما الباب اتفتح، هنا حسّت إن صدرها اتقفل. على السرير كانت ست عجوزة، نحيفة، ملامحها اتكلت من الوحدة. الجلد متكرمش، والوش فيه حزن قديم متراكم، وهدومها باينة إنها اتلبست كتير واتهانت كتير.

نعمات شافتهم وبدأت تعيط. مش دموع هادية، دموع حريقة. صوتها طلع مبحوح: “سامحوني… الفلوس خلصت، والصحة راحت، والناس اللي جريت وراهم سابوني لما كبرت… ملقتش غير نمرتكم اللي كنت حافظاها في سري.”

أحمد وقف ساكت. عينيه لمعت، بس مش لمعة ضعف. كانت لمعة حساب قديم. سامح بص في الأرض. وهنا… هنا كانت حاسة إنها واقفة قدام غريبة تعرف ملامحها بس مش تعرفها.

أحمد قال بهدوء تقيل: “إحنا هنجيبلك أحسن رعاية… وهنصرف على علاجك… وهنجيبلك أكل ودوا. مش عشان إنتي أمّنا… لأ. عشان إحنا ولاد أصول، وعشان مش عايزين نقف قدام ربنا بقلوب قاسية. بس الحضن اللي جاية تدوري عليه… إنتي موتيه فينا من زمان.”

الجملة وقعت في الأوضة زي سقف بينزل. نعمات حاولت تتكلم، بس ما قدرتش. عينها كانت بتجري بين وشوشهم كأنها بتدور على فتحة صغيرة تدخل منها لقلب حد فيهم. ما لقتش.

الأيام اللي بعدها كانت ماشية على نظام واحد: واجب. مصاريف متقسمة بالتساوي. هنا بتعدّي مرة في الأسبوع، تحط أكل ودوا، وتخرج من غير ما تفتح كلام. أحمد يوصّل الفلوس مع حد. سامح يعمل التحويلات ويتأكد إن الحساب متغطّي. لكن مفيش قعدة، مفيش ضحكة، مفيش سؤال: “إنتي عاملة إيه بجد؟”

نعمات كانت بتدبل. المرض كان في جسمها، لكن اللي كان بيكسرها أكتر إن محدش بيحضنها. كانت فاكرة إن الفلوس تشتري كل حاجة، لحد ما اكتشفت إن في حاجات ما بتتباعش: الدفا، والقبول، وراحة البال.

في ليلة شتا قاسية، هنا جالها اتصال من زميلة: “الحقينا… والدتك حالتها حرجة، وبتقول كلام غريب… شكلها بتودع.” هنا ما ردتش كتير، لبست بسرعة وكلمت إخواتها. وصلوا المستشفى وهما ساكتين، كأن كل واحد فيهم شايل داخل صدره كلام كتير بس مش لاقي له مكان يطلع منه.

دخلوا الأوضة لقوا نعمات بتتنفس بالعافية. عينيها بتلف، مش ثابتة، كأنها بتجمع صور عمر كامل في ثواني. أول ما شافتهم، حاولت تتعدل وفشلت. صوتها كان خارج من مكان بعيد: “أنا مش خايفة من الموت… أنا خايفة من مقابلة ربنا وأنا سايبة قلوبكم سودة ناحيتي. يا ولادي… أنا كنت جحدة. كنت فاكرة إن الدنيا والفلوس هيدوموا. والله ما في ليلة نمتها وإنتوا بعيد عني إلا وكنت بحلم بيكم وإنتوا صغيرين… ذنبي إني حبيت نفسي أكتر ما حبيتلكم الخير.”

سكتت شوية كأنها بتجمع نفسها، وبعدين مدت إيدها تحت المخدة وطلعت كيس قماش قديم، متخيط بخيط باين إنه اتعمل على عجل. حطته في إيد أحمد وقالت برعشة: “ده مفتاح شقة صغيرة في منطقة شعبية… اشتريتها بفلوس كنت محوشاها. كتبتها باسمكم من خمس سنين… كنت بقول يمكن تيجوا تسألوا عليا… ما كنتش عايزة أموت وأنا واكلة حقكم مرتين.”

أحمد مسك المفتاح وبص لإخواته. سامح رفع عينه لأول مرة ناحية أمهم. وهنا حسّت إن في حاجة بتتشق جواها. مش حب فجأة، لكن شرخ في الجدار اللي اتبنى سنين.

نعمات كانت بتروح. الروح بتنسحب ببطء. في لحظة صدق موجعة، هنا ما قدرتش تمسك نفسها. قربت من السرير، ومدت جسمها وحضنت أمها. حضن كان متأخر، لكنه كان حقيقي. عيطت بصوت مسموع وقالت: “ليه يا أمي؟ ليه سيبتينا نوصل لهنا؟ كنتي محتاجة إيه أكتر مننا؟”

نعمات رفعت إيدها بصعوبة، ولمست إيد هنا لمسة خفيفة، مش لمسة أم قوية، لمسة حد بيطلب السماح قبل ما الباب يقفل. همست: “سامحوني… عشان أعرف أقابل أبوكم.”

ماتت نعمات بعدها بشوية. والولاد وقفوا في العزا في حالة غريبة: لا هم قادرين يزعلوا عليها زي أي أم، ولا قادرين يتجاهلوا إنها كانت سبب جرح عمره طويل. كانوا بيستقبلوا العزاء بوشوش ثابتة، وفي الداخل كل واحد فيهم بيحاول يفهم: هل الندم يمسح؟ هل الواجب يكفي؟ وهل “الحضن” لو جه متأخر… يبقى حضن؟

بعد أيام، وهم بيرتبوا أوراق الشقة القديمة، عرفوا من الجيران حكايات صغيرة ما حدش كان بيحكيها بصوت عالي. قالوا إن نعمات كانت تقعد قدام بابها كتير في السنين الأخيرة، تسأل أي حد جاي من ناحية بلدهم: “محدش شاف عيال شبهي؟ واحد ميكانيكي والتاني محاسب… وبنت زي القمر؟” وتستنى الإجابة، ولو ما لقتش، ترجع تقفل بابها بهدوء.

ساعتها أحمد فهم إن العقاب مش دايمًا سجن ولا فقر. أحيانًا العقاب إن الواحد يعيش غريب وسط اللي كان المفروض يبقوا أهله. وسامح فهم إن الحساب مش بس أرقام. وهنا فهمت إن الحضن لما يغيب بدري… ممكن ما يرجعش كامل حتى لو اتقدّم في آخر لحظة.

ومع الوقت، ما بقاش فيهم حد بيذكر نعمات بالغضب القديم نفسه. الغضب بيهدى، لكنه ما بيتنساش. اللي فضل كان درس تقيل، بس واضح: إن البيت اللي مكنش فيه حضن… بيكبر جوه ناس طول عمرها بتدور على الدفا، حتى وهي بتحاول تعمل دفاه لغيرها.

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان