قامت عشق من النوم على صوت خافت، مش صوت صريخ ولا خبط، لكنه كان من النوع اللي يوقّف الدم في العروق: حركة حد جوه الأوضة. فتحت عينها مرة واحدة، ولقَت منتصر واقف عند طرف السرير. للحظة افتكرت إن في مصيبة، لأن منتصر بالذات ما كانش من النوع اللي “يلخبط” القواعد. هو اللي حطها، وهو اللي كان بيراقبها كأنها قانون بيتنفّذ.
شدت الغطا ناحية صدرها بعفوية، وعدلت طرحتها بسرعة وهي بتحاول توازن نفسها. كانت نايمة وفي لحظة بقت واقفة على حافة خوفها. بصّت له بحذر، وده أول اختلاف لاحظته: ملامحه ما كانتش الجدية اللي بتخوّف. وشه كان مرهق، عينه مش قاسية زي دايمًا، فيها لمعة غريبة… لمعة حد تايه أو خجلان.
وقف في نص الأوضة، كأنه مش لاقي مكان يريح فيه جسمه. إيديه اتشبكت قدامه، وبصوته الهادي قال:
“عشق… أنا عايزك تكتبي لي كل حاجة… كل حاجة كان بيحبها ويكرهها… أخويا.”
الكلمة وقعت على قلبها تقيلة. أخوه… ياسين. الاسم وحده كان بيفتح باب كانت عشق بتحاول تقفله كل يوم عشان تعرف تعيش. رفعت عينها له باستغراب:
“إنت بتقول إيه؟ وليه دلوقتي؟”
قرب خطوة. كانت أول مرة يقرب بالطريقة دي من غير ما يبقى في أمر، من غير ما يبقى في تهديد مستتر. عينه جت في عينها بتركيز ما تعرفش تفسره:
“ابنه بدأ يسألني… سألني: بابا كان بيحب إيه؟”
سكت لحظة، كأنه بيبلع ريقه بصعوبة، وبعدين كمل:
“اكتشفت إني رغم إني أخوه… معرفوش زي ما كنت فاكر. وإنتي… إنتي كنتي أقربله. أنا مش عايز أربي الولد على صورة وخلاص… عايزه يكبر وهو حاسس بروح أبوه. اطلبي مني اللي تطلبيه… بس ساعديني أكون الأب اللي الولد محتاجه.”
عشق حسّت إن وجع قديم اتحرك جواها، بس المرة دي ما كانش وجع إهانة، كان وجع مشاركة. أول مرة تحس إن منتصر مش داخل عليها كصاحب سلطة… داخل كراجل مكسور من جوه. الدموع اللي كانت بتتجمع من غير ما تنزل، نزلت من غير استئذان.
قالت بصوت مخنوق:
“كنت فاكرة إنك جاي تفرض عليا حاجة تانية… بس طلبك ده… أغلى من أي حاجة.”
فضل واقف، الصمت بينهما كان مختلف. مش الصمت اللي يخنق، لكن صمت فيه هدنة، وفيه اعتراف إن في شيء أكبر من الشد والجذب. بص للأرض وقال وهو بيرجع للباب:
“جهزي اللي تقدري عليه… ومتقلقيش، أنا لسه عند وعدي. الجوازة دي هتفضل زي ما اتفقنا… بس يمكن… يمكن لازم نبقى صحاب عشان خاطر الولد.”
خرج وقفل الباب وراه. عشق قعدت على السرير وهي مش قادرة تحدد إذا كانت ارتاحت ولا اتلخبطت أكتر. القوانين اللي كانت ماشية عليها بقالها شهور اتزحزحت فجأة، ولو سنتي واحدة.
الليلة اللي بعدها ما كانتش أهدى. قامت عشق على صوت خفيف تاني، بس المرة دي ما كانش واقف في نص الأوضة. كان ساند على الباب، وشه باين عليه تعب واضح، وهدومه مش مرتبة كعادته. وكأن في حرب جوه دماغه خلّت شكله كله يبان أكبر من سنه.
همست بخوف:
“منتصر؟ في حاجة حصلت؟ الولد جراله حاجة؟”
قرب وقعد على طرف السرير، من غير ما يحاول يثبت قوته. كان بيحاول يثبت نفسه بس. قال بصوت واطي:
“احكي لي عنه… احكي لي عن ياسين.”
عشق اتصدمت. الطلب ما كانش مجرد فضول. كان جاي من مكان أعمق. منتصر كمل وهو بيبص للأرض:
“أنا كل يوم بدخل أوضة ابنه… وبشوف ملامحه فيه. وبحس إني خاين. خاين لإني واقف مكانه. خاين لإني خدت مراته… حتى لو بالاتفاق… حتى لو بالعُرف. مش بعرف أنام. كل ما أغمض عيني أحس إنه بيسألني: بأي حق؟”
رفع راسه بسرعة كأنه اتكسف من اعترافه، لكن كمل:
“أنا محتاج أعرف كان بيعاملك إزاي… كان بيحبك إزاي. مش عشان أقلّده… عشان أفهم إزاي أربي ابنه على حقيقة مش على كذبة. وعشان أعرف أبص لنفسي من غير ما أكرهني.”
عشق نزلت رجليها من على السرير وقعدت قصاده. لأول مرة ما كانتش بتدافع عن نفسها… كانت بتحاول تترجم جرحها لكلام:
“ياسين ما كانش مجرد زوج… كان أمان. كان بيسمعني قبل ما أتكلم. وكان بيخلّي البيت بيت… من غير ما يرفع صوته ولا يثبت قوته.”
سكتت لحظة، وبعدين قالت بهدوء مجروح:
“لو عايز تربي ابنه صح… ما تحسّسوش إنك بديل. خليك إنت. وحبّه لأنه طفل محتاج حضن، مش لأنه دليل على ذنب.”
منتصر بص لها بنظرة طويلة، نظرة حد بيشوفها لأول مرة بوضوح. وقال بصوت اتكسرت فيه الحدة:
“طب وإنتي يا عشق؟… أنا عارف إني ظلمتك بالجوازة دي. هل في يوم ممكن تسامحيني إني مش عارف أكون زي ياسين؟”
قبل ما ترد، صرخة مكتومة طلعت من أوضة الطفل. الاتنين جريوا في لحظة واحدة، كأن الغريزة أخيرًا جمعتهم على هدف واحد. وقفوا فوق السرير يطمنوه. الطفل كان نايم نص نومه، بيتنفس بسرعة كأنه خاف من حلم.
في اللحظة دي، وإيد منتصر بتحاول تهدي الطفل، لمست إيده إيد عشق بشكل عفوي. عشق سحبت إيدها بسرعة، مش لأنها كرهت اللمسة، لكن لأنها اتفاجئت إنها حسّت بيها. رفعت عينها لمنتصر، ولقته بيبصلها بنظرة مختلفة… مش نظرة أخ زوج… نظرة راجل لسه بيتعلم يشوف.
من اليوم ده، التغيير ما جاش على هيئة وعود كبيرة. جه على هيئة تفاصيل: منتصر بقى يسأل قبل ما يقرر. بقى يلاحظ إن عشق بتتعب من شغل البيت، فيساعد من غير ما يتباهى. بقى يجيب حاجات صغيرة للولد، مش عشان يثبت إنه بيعمل واجب، لكن عشان الولد يضحك. وبقى، لأول مرة، يقف قدام عشق ويسكت كأنه بيسمعها حتى وهي ما بتتكلمش.
لكن البيت الكبير كان له عين تانية… عين الأم.
أم منتصر كانت بتراقب كل حركة. ومن يوم ما لمحت إن ابنها بقي لما عشق تدخل المكان عينه بتلين لحظة، اتزرع جواها خوف ما قدرتش تعترف بيه: الخوف إن الجوازة اللي كانت في دماغها “حل” تبقى “قلب”. والقلب، في نظرها، بيفسد الخطة.
في يوم، عشق كانت في المطبخ بتجهز الغدا. دخلت الحماة وقفلت الباب وراها بقفلة حادة. عشق اتوترت، لكن حاولت تبقى ثابتة. الحماة قالت بنبرة باردة:
“شايفاكي… أخدتي على الوضع.”
عشق حاولت ترد بأدب:
“الحمد لله… ربنا كريم.”
الحماة قربت وضغطت على إيدها بقوة:
“اسمعي يا بنت الناس… إنتي هنا عشان الواد وبس. منتصر قلبه ميت من يوم ما أخوه مات. وإياكي تفتكري إن اللي بيعمله ده حب. ده عطف. متسرحيش بخيالك… ولو فكرتي توقعيه… أنا اللي هقف لك.”
عشق حسّت دموعها بتطلع، بس شديت نفسها. كانت هترد، لكن صوت رجولي جه من وراهم زي باب اتفتح بعنف:
“أمي… لحد هنا وكفاية.”
كان منتصر واقف على باب المطبخ. واضح إنه سمع كل كلمة. ملامحه كانت جامدة بس مش ضد عشق… ضد اللي اتقال. قرب، ووقف قدام عشق كأنه بيحط نفسه بين الكلمة وبينها. بص لأمه وقال بلهجة قاطعة:
“عشق مراتي. يعني كرامتها من كرامتي. والولد ده ابني. ومحدش يهددها ولا يهدده. طول ما أنا عايش.”
الأم اتصدمت:
“بترفع صوتك عليا عشانها؟ نسيت أخوك؟”
منتصر رد بصوت فيه وجع:
“لو ياسين كان عايش… ما كانش هيرضى إن مراته تتهان. روحي ارتاحي يا أمي… والكلام ده ما يتفتحش تاني.”
خرجت الأم وهي بتتمتم بكلام مش مفهوم، وفضل منتصر وعشق واقفين في المطبخ. عشق كانت بترتعش من الموقف، مش بس خوف… كمان دهشة. منتصر كان بيتنفس بصعوبة.
لَفّ ناحيتها، مسك إيدها بحذر، وقال بصوت واطي:
“أنا كنت فاكر إني ما ينفعش أحب… يمكن كنت بكدب على نفسي. الحقيقة إنك بقيتي الحاجة الوحيدة اللي بتخليني أكمّل من غير ما أغرق.”
عشق حسّت إن الأرض بتلف. ما كانتش مستعدة لجملة زي دي. هي طول عمرها كانت بتقنع نفسها إنها “موجودة عشان الطفل”… وإن أي كلمة زيادة خطر. لكن الجملة دي فتحت باب ما كانتش عايزة تفتحه بدري.
عشان يبعدهم عن عيون البيت وعن ضغط الأم، قرر منتصر ياخد عشق والطفل ويخرجوا يوم كامل. مكان هادي على النيل، بعيد عن الحارة وعن السمع. هناك، منتصر كان مختلف. ضحك بجد وهو بيلعب مع الطفل، وضحكة صغيرة خرجت من عشق من غير ما تحسبها.
لما الطفل نام في العربية، وقف منتصر جنب عشق على السور، الهوا كان بارد ومنعش، والصمت بينهم ما كانش خوف. قال وهو بيبص للمية:
“طول عمري كنت عايش عشان أثبت إني قوي. حتى لما اتجوزتك… كنت فاكر إني بعمل بطولة. بس اكتشفت إن أنا اللي كنت محتاجلك… مش إنتي.”
عشق لفت وشها له:
“ليه بتقول كده؟”
قرب خطوة، وقال بصدق واضح:
“لأني كنت ضلمة من جوه… وإنتي والولد نورتوا المكان. وأنا لما قلت لأمي محدش يلمسك… كنت بقولها لأني بدأت أحس إنك تخصيني… مش ورقة. مش اتفاق. إنتي بقيتي يومي.”
عشق سألت بتردد:
“يعني… إنت مش ندمان؟”
ابتسم ابتسامة خفيفة:
“ندمان بس على كل يوم ضيّعته وأنا بمثل القسوة. أنا عايز نبدأ بجد… بعيد عن كلمة: عشان خاطر ابن أخويا. تقبلي؟”
عشق ما ردتش بكلام كتير. هزت راسها، والدموع في عينها، دموع راحة أكتر من دموع وجع.
لكن الرجوع للبيت كان كأنه رجوع للحقيقة القديمة. لقوا عربيات قدام الباب، وزغاريد طالعة من شقة الأم. دخلوا مستغربين، ولقوا الحماة قاعدة، وبجانبها بنت متجهزة، ابتسامة انتصار على وشها. بصت لمنتصر وقالت:
“جيت في وقتك يا عريس… بارك لنهى بنت خالتك. قرينا الفاتحة… والشبكة الأسبوع الجاي.”
عشق حسّت إن الكلام نزل عليها زي قلم من غير إيد. بصت لمنتصر… كانت مستنية رد واحد بس: هل هيرجع زي الأول؟ ولا هيثبت إن القناع اتكسر فعلًا؟