حين يصبح الحمل سرًا… قصة امرأة واجهت الشك واستعادت حياتها

حين يصبح الحمل سرًا… قصة امرأة واجهت الشك واستعادت حياتها


سرّ عطر

أول ما عطر عرفت إنها حامل، ما فرحتش… ولا حتى اتفاجئت بالشكل اللي الناس بتتخيله. قعدت قدّام شريط التحليل فترة طويلة، ماسكاه بين صوابعها وبصاله كأنه مش بتاعها، كأنه نتيجة اتلخبطت واتحطت في إيدها بالغلط.

إيدها كانت بترتعش، ورجليها تقيلة كأنها شايلة وزن زيادة عن جسمها. قلبها كان بيخبط بسرعة غريبة، مش خبطات فرح… خبطات خوف. الخوف بيبان حتى في النفس لما يبقى قصير ومتقطع، زي واحد بيطلع سلالم وهو مش مستعد.

قالتها لنفسها من غير صوت:

“لا… مش دلوقتي… مش بالشكل ده.”

هي كانت لسه خارجة من طلاق سايب في روحها علامة، علامة مش بتبان في الصور ولا في الكلام، بتبان في طريقة نظرتها لنفسها، وفي الطريقة اللي بقت بتعدّ بيها الأيام. كانت بتحاول تمشي مستقيمة قدّام الناس، لكن من جوّه كانت بتتسند على نفسها بصعوبة.

أول قرار خدته؟ السكوت.

ما قالتش لحد.

ولا لصاحبتها اللي كانت بتفضفض لها زمان من غير ما تفكر.

ولا لدكتورة في الكلية كانت بتطمنها دايمًا بكلمتين.

ولا حتى لنفسها بصوت عالي. كأن مجرد إن الكلمة تطلع من بُقها هتخلّي الدنيا تصدّقها وتِهاجمها.

كانت كل ما تيجي تقول “أنا حامل”، تقفل على الجملة جوّه صدرها وتقول:

“العدة تخلص الأول… وبعدها ربنا يحلّها.”

ومن يومها، تفاصيلها الصغيرة اتبدلت. لبست أوسع من المعتاد، زوّدت طبقات، وتحركت بحذر كأنها شايلة سرّ على ضهرها وممنوع يقع. كانت كل خطوة محسوبة، وكل نفس محسوب، وكل ضحكة حتى محسوبة… لأن السر لما يبقى كبير، بيخلي البنت تحس إن جسمها نفسه بقى ملف.

بس السر… ما بيفضلش مخبي كتير.

مرات عمها كانت ست عينيها فاحصة. من النوع اللي بيلقط التغيّر قبل ما يبان، ويحسب قبل ما يسأل، ويعرف يبتسم وهو بيجرّ الكلام ناحية اللي عايزه.

أول مرة، وهي بتحط الأكل قدّامها، قالت بنبرة عادية قوي كأنها بتسأل عن الامتحانات:

“مالك يا عطر؟ وشّك شاحب كده ليه؟”

عطر حاولت تخلي صوتها طبيعي:

“تعبانة شوية من المذاكرة.”

مرات العم هزت راسها، بس عينها ما نزلتش من على وش عطر، كأنها بتقيس الكلام بميزان تاني غير اللي بيبان.

تاني مرة كانت أقسى. شافتها خارجة من الحمام، وشها فيه أثر غثيان خفيف، فقالت وهي بتقرّب:

“إنتي بترجعي كتير كده ليه؟”

عطر بلعت ريقها والكلمة طلعت بسرعة قبل ما عقلها يلحق يرتّب:

“قولون.”

بس أول ما قالتها، حسّت إن قلبها وقع. كلمة سهلة زيادة عن اللزوم، كأنها ورقة رقيقة بتحاول تغطي بيها حاجة أكبر من كده بكتير.

وفي يوم… البيت كان فاضي غيرهم. لا صوت تلفزيون ولا زيارات ولا حركة. الصمت كان مساعد قوي لأي سؤال يقفل طريق الهروب.

مرات العم بصتلها من فوق لتحت، نظرة طويلة وقفت عند بطنها شوية زيادة، وبعدين قالت بهدوء مش مريح:

“هو… إنتي متأكدة إنك تخينة بس؟”

عطر اتوترت. من غير ما تاخد بالها، حطت إيديها على بطنها كأنها بتحميها، وبعدين شالتها بسرعة لما افتكرت نفسها.

“آه… أنا زدت شوية.”

مرات العم ما اكتفتش. قربت خطوة، والسؤال جه مباشر، من غير لف:

“بعد الطلاق على طول؟”

عطر قامت من مكانها فجأة. حسّت إن الهواء ضاق:

“إنتِ ليه مركزة كده معايا؟ سيبيني في حالي يا مرات عمي.”

ودخلت أوضتها وقفلت الباب وراها. قعدت على طرف السرير، وحطّت إيديها على بطنها المرة دي من غير ما تستخبى. كانت بتهمس كأنها بتكلم طفل لسه ما سمعش صوت الدنيا:

“أنا بحاول أحميك… بس مش عارفة هقدر قد إيه.”

ليلتها، مرات العم كانت ماسكة التليفون. صوتها واطي، بس واضح. قالت الاسم اللي كانت عطر بتخاف منه من يوم الطلاق:

“أيوه يا ياسين يا ولدي… في حاجة مقلقاني.”

سكتت شوية كأنها بتختار الكلمات بعناية، وبعدين قالت بنبرة فيها خوف متغلف بفضول:

“عطر حالها مش عاجبني… والهدوم الواسعة ما بقتش تداري كتير. خايفة نكون شلنا شيلة مش شيلتنا… والناس تاكل وشنا.”

على الناحية التانية من الخط، ياسين سكت. سكوت تقيل، مرعب، كأنه هدوء ما قبل العاصفة. وبعدها قفل المكالمة من غير ولا كلمة.

وبعد أقل من ساعة، باب البيت اتهز من خبطات إيده. خبطات زي الرعد، ما فيهاش تردد.

عطر كانت جوّه أوضتها. أول ما سمعت الصوت، قلبها اتشد. قامت ببطء، كأن رجليها مش رجليها. الباب اتفتح، وياسين دخل.

وشه كان فيه غضب، بس ورا الغضب كان فيه وجع قديم لسه ما نامش. رمى قدّامها ورقة التحليل اللي مرات العم كانت بتدوّر عليها، وقال بصوت مخنوق:

“ده إيه يا عطر؟ ده إيه اللي كنتي ناوية تداريه لحد ما العدة تخلص؟”

عطر دموعها كانت محبوسة، بس صوتها طلع ثابت على غير عادتها:

“كنت ناوية أقول… بس خفت.”

سكتت لحظة، وبعدين كملت بسرعة كأنها خايفة كلامها يتقطع:

“خفت تفتكر إني بحاول أربطك بيا غصب. خفت تفتكر إني بستغل الطفل عشان أرجع… وأنا أصلاً كنت بحاول أعيش بكرامتي.”

ياسين قرب خطوة. ملامحه اللي كانت متصلبة بدأت تهدى. هو كان عارف عطر كويس… عارف إنها ما بتعرفش تكذب. بس كبرياءه كان عامل سد بينهم من يوم ما مشيوا في طريق الطلاق.

عطر وقفت قدامه، وبصّت في عينه بكل قوة قدرت تجمعها:

“أنا مش حمل فضايح يا ياسين… ولا حمل نظرات. كنت هستنى العدة تخلص وأمشي بعيد. أربي ابني لوحدي… وأقول للناس اللي همّه مش همّي إنه ما كملش… بس عشان أعيش.”

الكلمة الأخيرة وقعت في المكان زي حجر. ياسين اتنفس ببطء، ومد إيده ومسك إيدها اللي كانت بترتعش، وقال بصوت واطي ومكسور:

“أنا طلقتك وأنا فاكر إننا خلصنا… بس الظاهر إن ربنا كان له رأي تاني.”

سكت ثانية، وبعدين كمل وهو بيبص للبطن اللي كانت عطر بتحاول تخبيه:

“الطفل ده مش سر هنخبيه… ده الحقيقة الوحيدة اللي ممكن تصلّح اللي اتكسر.”

خرجوا من الأوضة سوا. مرات العم كانت واقفة في الصالة مستنية كلمة تفرّحها، مستنية فضيحة تشبع بيها فضولها.

ياسين وقف في نص الصالة، ومسِك إيد عطر قدّام الكل، وقال بصوت عالي وواضح:

“عطر مراتي… ورجعتلي من اللحظة دي. واللي بيعد أيام العدة يوقف عد… لأن اللي جاي أيام مبركة بالولد اللي شايلته.”

عطر بصّت لياسين وحسّت لأول مرة إن السر اللي كان تقيل على ضهرها… بقى سند. وإن الخوف اللي كان بيقفل نفسها… بدأ يتفتح على نفس طويل. حتى لو الدنيا لسه مش سهلة، حتى لو كلام الناس لسه موجود… بس المرة دي، هي مش لوحدها.

وحطّت إيديها على بطنها بهدوء، وقالت في سرّها:

“يمكن ربنا ما كتبش النهاية… كتب بداية.”

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان