قصة زواج في الصعيد تكسر عادات قديمة

قصة زواج في الصعيد تكسر عادات قديمة


الصوت جه من آخر الطرقة، واطي لكنه تقيل، تقله مش في حدته، لكن في معناه. صوت واحد متعود إن كلامه يتنفّذ من غير نقاش، حتى لو اللي بيطلبه ما يدخلش العقل.

– يا أستاذ زين… هات القماشة، رجالة البلد واقفين تحت ومستنيين.

زين كان واقف قدام المراية، بيحاول يفك زرار القميص اللي حسه فجأة ضيق على صدره. الكلمة وقّفته في نص الحركة. القماشة. سمعها كتير قبل كده في أفراح البلد، عمره ما فكر فيها، كانت دايمًا حاجة بتحصل من غير ما حد يسأل ليه. بس الليلة دي… الليلة دي مختلفة.

لف ببطء ناحية مرات عمه، مش بعصبية، لكن باستغراب حقيقي:

– قماشة إيه؟

مرات عمه عدّلت طرحتها، وبصّت في الأرض قبل ما تتكلم، كأنها عارفة إن اللي جاي تقيل:

– عاداتنا يا ولدي… إنت عارف عاداتنا.

زين حس بحرارة طالعة من صدره. كلمة “عادات” دايمًا كانت بتتقال كأنها حكم نهائي، مفيش بعده نقاش. حاول يهدّي صوته:

– عادات إيه؟ البنت مش من هنا، ومش هقبل أعمل فيها اللي بتقولي عليه ده.

رفعت راسها بسرعة، وصوتها بقى فيه دفاع وخوف في نفس الوقت:

– بس الناس واقفة تحت، والفرح لازم يتم، وإنت كبير الدوار يا زين… ما ينفعش تكسر كلمتك قدام الرجالة.

الكلمة الأخيرة خنقته. كبير الدوار. اللقب اللي اتحط على كتافه من غير ما يختاره. مسؤولية تقيلة، أحيانًا أثقل من العقل نفسه. ما ردش. هز راسه بعنف، وقفل الباب في وشها من غير كلمة.

وقف لحظة، مسند راسه على الخشب. سامع الأصوات من تحت: همس، ضحك، زغاريد ناقصة. حس إن البلد كلها واقفة مستنية خطوة منه، خطوة واحدة ممكن تكرّس الغلط أو تكسره.

لف ودخل أوضة عروسته.


فتح الباب… واتسمّر مكانه.

فرح كانت طالعة من الحمام. لابسة بيجامة ستان بيضا، شعرها مفرود على ضهرها، ووشها مغسول، بسيط، من غير أي زينة. جمال هادي، مش مستفز، جمال يخليك تبص وتنسى إنك كنت معصّب.

رفعت عينيها فجأة، واتخضّت لما شافته:

– إنت إزاي تدخل من غير ما تخبط؟!

زين فاق على صوتها، رجع خطوة لورا وقفّل الباب بسرعة:

– والله على ما أعتقد… دي أوضتي.

بصّت له بنظرة متحدّية، بس كان فيها توتر:

– وعلى ما أعتقد برضه، إنت معاك واحدة جوه الأوضة.

ابتسم ابتسامة قصيرة، فيها تعب أكتر ما فيها سخرية:

– والواحدة دي تبقى مراتي.

عدّى جنبها وهو بيقول:

– ابعدي شوية من طريقي.

فرح كانت لسه هتسأله، لكن شافته داخل الحمام. بعد ثواني خرج وهو ماسك موس. قلبها وقع في رجليها.

– إنت ناوي تعمل إيه؟

ما ردش. الحركة كانت أسرع من سؤالها. جرح رجله. الدم نزل فورًا، أحمر واضح على الأرض.

صرخت وقربت منه بفزع:

– إنت اتجننت؟!

لف قطعة قماش بيضا على الجرح، واللون الأحمر بدأ ينتشر فيها. وشه كان هادي بشكل يخوف.

– ده الحل الوحيد.

قرب منها خطوة، صوته واطي لكنه ثابت:

– عشان أخلص من اللي تحت، وعشان أحميكي من حاجة أنا نفسي رافضها.

الدموع نزلت من عينيها:

– أنا مش فاهمة حاجة يا زين… أنا وافقت على الجوازة دي عشان وصية بابا، مش أكتر.

بص لها نظرة مختلفة، أول مرة تشوفها:

– وأنا عملت كده عشان كرامتك. من اللحظة دي، إنتي مراتي قدامهم… وبس.


خرج زين وسلّم القماشة. الزغاريد عليت. الفرح اكتمل… فرح شكلي. رجع وقفّل الباب بالمفتاح.

فرح كانت قاعدة على طرف السرير، إيديها بتترعش. قرب منها وقال بهدوء:

– محدش هيقربلك.

الأيام عدّت تقيلة. زين قدّام الناس نفس الراجل الصعيدي القاسي، قليل الكلام. جوه البيت كان مختلف. ما يفرضش نفسه، ما يقربش زيادة، بس دايمًا موجود.

وفرح بدأت تفهم إن القسوة دي قشرة. وراها شهامة حقيقية.

في يوم، العيلة كانت متجمعة في المندرة. هنادي، بنت عم زين، رفعت صوتها:

– مراتك لا بتنزل المطبخ، ولا تعرف عوايدنا.

زين حط فنجان القهوة وبص لها نظرة خلت المكان يسكت:

– واللي مراتي بتعمله يخصني أنا.

مرات عمه حاولت تدخل:

– بس العادات…

قاطعه بحسم:

– العادات دي انتهت.

ورا الباب، فرح كانت سامعة. دموعها نزلت، بس مش دموع خوف.

دخل زين الأوضة، لقاها بتعيط:

– ليه عملت كده؟

قرب منها وقال بهدوء:

– لأنك أمانة، ومش هسمح حد يكسرها.

ومن اللحظة دي، التمثيلية بدأت تتحول لحقيقة بطيئة، حقيقة اتبنت على الاحترام قبل أي حاجة.

القماشة انتهت… لكن الحكاية لسه بتبدأ.

بعد اللي حصل، البيت دخل في حالة هدوء غريبة، هدوء ما كانش مريح، لكنه كان ضروري. زي الهدوء اللي بييجي بعد عاصفة، لما كل حاجة تبقى واقفة مستنية تشوف اللي جاي.

زين خرج بدري في اليوم اللي بعده. لبس جلابيته الكحلي، وحط العِمّة على راسه، ونزل الدوار من غير ما يبص وراه. كان محتاج يواجه الناس لوحده، من غير فرح واقفة جنبه، من غير ما تحس بثقل العيون اللي هتترمي عليها.

الرجالة كانوا قاعدين قدام الدوار، نفس الوجوه، نفس الكراسي الخشب، نفس فناجين القهوة اللي بتتبخر. أول ما شافوه، سكتوا شوية، وبعدين واحد فيهم قال:

– ألف مبروك يا زين… ربنا يتمم بخير.

هز راسه وقال بهدوء:

– الله يبارك فيك.

قعد وسطهم، ساند ضهره، وما استناش حد يفتح موضوع. هو اللي بدأ:

– اللي حصل امبارح خلص. ومفيش كلام فيه تاني.

واحد من الرجالة حاول يضحك:

– لا يا ولد العم، إحنا بس بنطمن.

زين رفع عينه وبص له نظرة ثابتة:

– اللي يحب يطمن، يطمن عليا أنا. مراتي خط أحمر.

الجملة نزلت تقيلة، بس محدش رد. الكل فهم إن زين مش جاي يفتح باب، جاي يقفله.


في نفس الوقت، كانت فرح قاعدة لوحدها في الأوضة. الشمس داخلة من الشباك، بتنور المكان بنور هادي. قعدت على طرف السرير، حاضنة مخدة، ودماغها شغالة. افتكرت القاهرة، شقتها الصغيرة، صوت الشارع، حياتها اللي سابتها وراها فجأة.

افتكرت باباها، وصيته، ونظرة عينيه وهو بيقول لها: “اختاري اللي يصونك”. ساعتها كانت فاكرة إن الجواز خلاص، أي جواز. دلوقتي بدأت تفهم إن الصون مش كلمة، الصون موقف.

سمعت صوت خطوات زين وهو داخل. قامت بسرعة، مش لأنها خايفة، لكن لأنها حست إن في كلام لازم يتقال.

زين دخل، شال العمّة وحطها على الكرسي، وقال:

– محدش هيضايقك. اطمني.

سكتت ثواني، وبعدين قالت بصوت واطي:

– ليه بتعمل كل ده؟

بصلها باستغراب بسيط:

– بعمل إيه؟

– بتقف قصادهم… بتغير نظام اتربيت عليه… عشاني.

قعد على الكرسي، وسند دراعه، وبص قدامه:

– عشان أنا مش عايز أبقى نسخة من حد كنت رافضه طول عمري.

قربت خطوة:

– بس أنا مش عايزاك تخسر أهلك.

هز راسه:

– اللي يخسرني عشان أمان واحدة، يبقى عمره ما كان كسبان.


الأيام بدأت تمشي. فرح بقت تنزل الدوار، بس على مهَل. كانت بتتعلم إزاي تمشي وسط الناس من غير ما تحس إنها غريبة، ولا تحاول تبقى غير نفسها. لبسها فضل بسيط، حركتها محسوبة، وكلامها قليل.

ستات البلد كانوا بيراقبوا. فيهم اللي بيحاول يقرب، وفيهم اللي مستني غلطة. وهنادي… كانت واقفة بعيد، ساكتة، بس عينيها ما كانتش بتسكت.

في يوم، حصل موقف صغير، بس كان كفيل يوضح حاجات كتير.

فرح نزلت المطبخ تساعد ست كبيرة كانت تعبانة. عملت أكل، ورتبت، وما تكلمتش كتير. لما خلصت، الست مسكت إيدها وقالت:

– إنتِ بنت أصول… مش زي ما كانوا فاكرين.

الكلمة دي وصلت لزين. ما علّقش، بس حس إن الأرض بتثبت تحت رجليه أكتر.


هنادي ما قدرتش تستحمل. في يوم، دخلت على فرح وقالت بابتسامة مصطنعة:

– إنتِ فاكرة نفسك كسبتي؟

فرح بصت لها بهدوء:

– أنا مش في مسابقة.

الكلمة كانت بسيطة، بس قفلت باب طويل.


في ليلة هادية، زين وفرح كانوا قاعدين في البلكونة. لا موسيقى، ولا كلام كتير. بس صوت الليل.

زين قال فجأة:

– لو الزمن رجع، كنت هتوافقي؟

فكرت شوية، وبعدين قالت:

– يمكن كنت هخاف… بس دلوقتي، أنا مش ندمانة.

بصلها، لأول مرة من غير حذر:

– وأنا.

ما قالش أكتر. وما كانش محتاج.


القصة ما خلصتش بفرح كبير، ولا بزغاريد. خلصت بحاجة أهدى، وأصدق. باتفاق صامت بين اتنين قرروا يمشوا الطريق مع بعض، خطوة خطوة، من غير قماشة، ومن غير دم، ومن غير خوف.

لأن اللي يتبني على الاحترام… عمره ما يقع.

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان