لم أكن أحب المرايا في الصباحات الكبيرة. المرايا تفضح ما نحاول إخفاءه: ارتعاشة في اليد، شرود في العين، أو ابتسامة متأخرة لا تعرف هل هي فرح أم محاولة للتماسك. في يوم زفافي، وقفت أمام المرآة في غرفة جانبية من القاعة، والبدلة التي استأجرتها بالأمس كانت تبدو كأنها خُلقت لجسد غير جسدي. الياقة تضغط على رقبتي قليلًا، وربطة العنق كانت تضيق كلما حاولت أن أتنفس بعمق، كأنها تذكرني بأنني لم أعتد بعد على فكرة أنني صرت “شخصًا آخر”.
في الخارج كانت الموسيقى تعلو وتخفت، أصوات ضحك، ونقر كعوب، ونداءات متقطعة من عامل القاعة وهو يطلب من الجميع أن يجلسوا. أمي كانت تنتظرني خلف الباب، أسمعها تسعل وهي تقول لامرأة أخرى: “ادعيله… ده تعب كتير.” كلمة “تعب” كانت تطلع منها كأنها قطعة من عمرها، لا مجرد حكاية.
أنا فعلًا تعبت. لكنني كنت أكره أن يقال عني ذلك. كنت أريد أن يقال: “نجح”، “اتعب وبنى نفسه”، “استحق”. هذه الكلمات وحدها كانت تعوضني عن السنوات التي عشتها أشبه بمن يمشي وحذاؤه ضيق لكنه يصر على الاستمرار.
أيام الجامعة… لا أذكر منها محاضراتي بقدر ما أذكر طوابير الانتظار. طابور مكتب الشؤون، طابور المصروفات، طابور المطعم الرخيص الذي يبيع سندوتشات تشبعك مؤقتًا ثم تذكرك بعد ساعة أنك فقير. كنت أدرس وأعمل في الوقت نفسه. أخرج من المحاضرة إلى العمل، وأعود آخر الليل فأذاكر وأنا نصف نائم. لم تكن لدي رفاهية الحب ولا الصداقات الطويلة. كنت أضحك مع زملائي في الفواصل الصغيرة، ثم أعود إلى غرفتي كمن يعود إلى معركته الخاصة.
وفي هذه الزحمة ظهرت “فان”. لم تكن من النوع الذي يلفت الأنظار بسرعة. كانت هادئة، ترتدي ملابس بسيطة لكنها مرتبة، وتجلس في الصفوف الأولى بلا استعراض. في البداية ظننتها مثل كثيرات: إعجاب عابر بشاب “مجتهد”، ثم ينتهي. لكنها لم تنتهِ.
بدأ الأمر بتفاصيل صغيرة. مرة وضعت على مكتبي علبة طعام وقالت: “أنت أكيد ما كلتش.” مرة تركت لي كتابًا وقالت إنها وجدته مفيدًا. بعدها بأسبوعين قالت إن والدها يعرف شخصًا في شركة محترمة، وإنه يمكن أن يساعدني بعد التخرج. كنت أسمع وأهز رأسي، وأقول لنفسي: لا تتعلق، لا تفتح بابًا لا تستطيع دفع ثمنه. لكن الحقيقة أنني كنت أدفع ثمنًا بالفعل: ثمن احتياجي.
لم أحب فان بالطريقة التي تُحكى في الروايات. لم أشعر أن قلبي يقفز حين أراها. لم أكتب لها رسائل طويلة. كان الأمر أشبه بمن يضع يده في يدك لتخرج من حفرة، فتخرج… ثم تكتشف أنك صرت مسؤولًا عن تلك اليد لأنها أنقذتك.
بعد التخرج، كانت المدينة بالنسبة لي طوق نجاة. لو عدت إلى بلدتي سأعود إلى نفس الدائرة: عمل متقطع، نظرات شفقة، أحلام صغيرة تموت سريعًا. فان كانت تملك مفاتيح البقاء. أسرتها كانت ميسورة، ومعارفهم كثيرة. لم يقولوا لي “تزوجها لنساعدك”، لكن المساعدة كانت تسير في نفس الطريق. وحين طلبت فان الزواج، لم أجد بداخلي قوة لرفض شيء يبدو “منطقيًا”. قلت لنفسي: ربما الحب يأتي بعد الاستقرار. ربما أنا مجرد إنسان مرهق يحتاج وقتًا.
تزوجنا.
كان بيتنا في أول سنة هادئًا على نحو يربكني. الهدوء بالنسبة لي لم يكن طبيعيًا. كنت متعودًا على القلق كرفيق، على حسابات آخر الشهر، على سؤال: “هل سأدفع إيجار الغرفة؟ هل سأستطيع شراء كتب الفصل الجديد؟” فجأة صار هناك طعام دائم، وفواتير تُدفع في وقتها، وأثاث مرتب. كان ينبغي أن أشعر بالامتنان، لكن الامتنان وحده لا يصنع حبًا.
فان كانت تحاول. تحكي لي عن يومها، تضحك على تفاصيل سخيفة، تشتري لي قميصًا جديدًا وتقول إنها تحبني فيه. وأنا كنت أبادلها لطفًا محترمًا، كأنني موظف يؤدي واجبه. لم أكن أكرهها، لكنني لم أشتعل بها. ومع الوقت، بدأ هذا الفراغ يتحول إلى برود.
مر عام، ثم عامان، ثم الثالث. الأطفال لم يأتوا. فان بدأت تتحدث عن الفحوصات. في البداية كان كلامها خفيفًا، ثم صار صريحًا. كانت تقول: “خلينا نطمن… عشان نفسنا.” وأنا كنت أتهرب. أقول: “لسه بدري.” ثم أقول: “الشغل ضاغط.” ثم أقول: “ربنا يسهل.”
والحقيقة؟ كنت خائفًا. كنت أخاف من نتيجة تثبت أنني ضعيف. أنا الذي قضيت عمري أقاوم، كيف أواجه فكرة أن شيئًا في جسدي قد يقف ضد حلم الأبوة؟ كان أسهل لي أن أترك السؤال معلقًا. كنت أفضل الغموض على الحقيقة.
في السنة الثالثة، حدث التحول. حصلت على وظيفة مستقرة، وبدأت أرى نفسي قادرًا على الحياة وحدي. في البداية لم أعترف بذلك، لكنني بدأت أشعر أنني لم أعد مدينًا لأسرة فان، ولا مضطرًا لأن أعيش دور الزوج الذي لا يملكه قلبه.
لم أطلقها فجأة. لم أصرخ. لم أتشاجر. فعلت ما يفعله كثيرون حين يريدون الرحيل دون أن يبدوا أشرارًا: انسحبت. صرت أتأخر في العودة، أختصر الكلام، أتجاهل محاولاتها للدفء. كانت تنظر إليّ أحيانًا وكأنها ترى شخصًا جديدًا، ثم تعود لتسأل: “فيه إيه يا ياسين؟” فأقول: “مفيش.”
حتى جاء يوم جلست فيه أمامي، لم تبكِ، ولم ترفع صوتها. قالت فقط: “أنا تعبت.” ثم أخرجت ورقة الطلاق التي اتفقنا عليها مسبقًا كمن يخرج إيصالًا آخر من إيصالات الحياة. وقّعت.
خرجت من البيت وأنا أقول لنفسي إنني فعلت الصواب. كنت أكرر ذلك كي لا أشعر بالذنب. قلت إننا لم نكن مناسبين. قلت إن الحب لا يُجبر. قلت إن الحياة واحدة. وصدقت نصف تلك الجمل على الأقل.
بعد شهور قليلة تعرّفت على ليلى.
ليلى كانت مختلفة. ليست فقط لأنها من عائلة أرستقراطية، بل لأنها كانت تعرف ماذا تريد، وتعرف كيف تحصل عليه. طبيبة ناجحة، كلامها موزون، حضورها قوي بلا صراخ. في كل مرة أجلس معها كنت أشعر أنني أخيرًا أجلس على طاولة “الكبار”. لم تكن تحتاجني ماديًا، لكنها كانت ترى فيّ شابًا طموحًا “صنع نفسه”. وأنا أحببت نظرتها لي. ربما أحببتها هي أيضًا، أو أحببت النسخة التي أصبحتها بجوارها.
حين تقدمنا للزواج، فتح لنا والدها أبوابًا كثيرة. ليس على طريقة الرشوة، بل على طريقة الناس الذين يملكون العلاقات. أنا لم أكن غبيًا لأتجاهل أن زواجي من ليلى سيغير حياتي أكثر. ومع ذلك أقنعت نفسي أنني أحبها بما يكفي، وأن الماضي انتهى.
وجاء يوم الزفاف.
في القاعة، كنت أسمع اسمي يتكرر في التهاني كأنه اسم شخص يستحق الاحتفال. “مبروك يا دكتور”، “مبروك يا باشمهندس”… ألقاب تتغير حسب من يهنئ. كنت أبتسم وأشكر وأتقدم خطوة أخرى نحو الكوشة. ليلى بجانبي، فستانها الأبيض يلمع تحت الضوء، ووجهها ثابت كأنها ولدت لتلك اللحظة.
ثم رأيتها.
لم أعرفها من وجهها أولًا، بل من الطريقة التي وقفت بها. فان لم تكن تقف كضيف عادي. كانت واقفة كمن يحمل شيئًا لا يمكن تجاهله. وعندما اقتربت أكثر، رأيت بطنها. بطن حامل، واضح، لا يترك مجالًا للخطأ.
توقفت الموسيقى في رأسي. الناس حولي كانوا لا يزالون يتحدثون، لكن الكلمات صارت بعيدة، كأنني تحت الماء. فان اقتربت ببطء. لم تبدُ ضعيفة. لم تبكِ. كانت ملامحها هادئة بشكل يربك. قالت: “مبروك يا ياسين.”
ليلى، التي لم تكن تعرف فان إلا من جملة سريعة قلتها لها يومًا: “كنت متجوز”، لم تفزع. نظرت إلى فان ثم إليّ، ثم عادت تنظر إلى فان. وبدون صوت عالٍ، تقدمت خطوة وسألتها سؤالًا واحدًا فقط، بنبرة هادئة جدًا:
“إنتِ في أنهي شهر؟”
ردت فان فورًا، كأنها كانت تنتظر السؤال: “في الشهر الثامن.”
لم أحتج أن أحسب كثيرًا. الشهر الثامن يعني أن الحمل بدأ قبل الطلاق. يعني أنني كنت أعيش معها تحت نفس السقف، وأوقع أوراقي وأدّعي البرود، وهي تحمل في جسدها شيئًا مني… أو هكذا بدا الأمر أمام الجميع.
لكن الصدمة لم تكن في الحساب وحده. الصدمة جاءت في عين فان وهي تقول جملة ثانية، موجّهة كلامها لليلى لا لي:
“يمكن تسألي سؤال تاني… ليه ما حملتش طول التلات سنين؟”
ساد صمت صغير حولنا، صمت غريب وسط قاعة زفاف. فان لم ترفع صوتها، لكنها كانت تتكلم بوضوح يكفي لأن يلتقطه القريب والبعيد. قالت إنها كانت تعرف أنني أتهرب من الفحوصات. قالت إنها لم تكن تريد فضحي، بل كانت تحاول أن تحمي ما تبقى من كرامتنا. قالت إنها خضعت لعلاجات في السر لأنها لم تكن تريد أن تُحمّلني الذنب أو الخوف. كانت تظن أن القلب قد يلين، وأنني سأعود. وحين لم أعد، قررت أن تقوم بمحاولة أخيرة… ليس لتربطني بها، بل لتعرف الحقيقة كاملة.
ثم نظرت إليّ أخيرًا. لم تكن نظرتها انتقامًا كما تخيلت، كانت أقرب إلى نظرة شخص يودع وهمًا عاشه طويلًا. قالت: “أنا ما جيتش أفسد فرحك. أنا جيت أقول لك: في حاجات ما تتعوضش.”
ليلى كانت تستمع بصمت. وجهها لم يتغير كثيرًا، لكن عينيها تغيّرت. في عينيها ظهر شيء لم أره من قبل: خيبة ممزوجة بالاشمئزاز. اقتربت مني خطوة، همست بصوت يسمعه من حولنا: “أنا طبيبة، يا ياسين. السؤال ما كانش بريء.”
ثم خلعت الخاتم.
وضعته على الطاولة كمن يضع دليلًا صامتًا على نهاية شيء لم يبدأ. قالت بهدوء: “أنا لا أستطيع أن أبدأ حياتي على أساس كذب أو جبن.”
لم تصرخ. لم تضربني. لم تشتم. وانسحبت.
في دقائق، تحول الزفاف إلى شيء آخر. المعازيم بدأوا يختفون واحدًا واحدًا. البعض حاول أن “يلطف الجو”، ثم اكتشف أن الجو لا يلين. الموسيقى عادت لكنها كانت سخيفة. الورد بدا كديكور لمشهد لا يخصني. وأنا بقيت واقفًا في المنتصف، لا أعرف هل أركض خلف ليلى، أم أقف أمام فان، أم أهرب من نفسي.
عندما خرجت فان من القاعة، لم تلتفت خلفها. كأنها أنهت جملة أخيرة في حياتها ومشت.
في آخر الليل، عندما صارت القاعة شبه فارغة، لم يعد لدي مكان أذهب إليه. بيت ليلى لم يعد لي. وبيت فان… كنت قد خرجت منه مرة متعمدًا ألا أعود. ومع ذلك، وجدت قدمي تقوداني إلى هناك.
طرقت الباب في ساعة متأخرة. فتحت فان. كانت ترتدي ثوبًا بسيطًا، وشعرها مرفوع، وملامحها متعبة قليلًا. لكنها لم تكن تلك المرأة التي كانت تبحث عن رضاي. كانت امرأة أخرى، ناضجة، واقفة على أرضها.
قلت بصوت متحشرج: “فان… أنا آسف.”
ابتسمت ابتسامة قصيرة لا تحمل سخرية ولا حنان. قالت: “الأسف ما بيرجعش عمر.”
قلت: “ليه ما قلتيليش؟”
قالت: “وأقول لك إيه؟ وأنت كنت طول الوقت بتختار الهروب؟”
سكتُّ، لأنني لم أملك ردًا. سألتها عن الطفل، عن اسمه، عن أي شيء يمنحني فرصة للتعلق بما تبقى. فقالت بهدوء:
“الطفل ده هيتولد وهيعرف الحقيقة… بس مش لازم يعرفها منك.”
حاولت أن أقترب، لكنها تراجعت خطوة واحدة، خطوة كانت كافية لتفهمني أن المسافة بيننا لم تعد تُقطع بكلمة. قالت: “كنت فاكر إنك لما تخلع مسؤولياتك هتخف. بس الحقيقة إنك هتحملها معاك… جوهك.”
ثم أغلقت الباب.
وقفت وحدي في السلم. لأول مرة منذ سنوات، شعرت بالفقر الحقيقي. ليس فقر المال، بل فقر الروح. فقر ذلك الإنسان الذي عاش يعتقد أنه يصعد، ثم يكتشف في لحظة واحدة أنه كان يترك وراءه أهم ما يملكه: نفسه.
في تلك الليلة، رجعت أمشي في الشارع بلا هدف. كان الهواء باردًا، والبدلة الفاخرة لم تمنحني دفئًا. شعرت أنني عدت إلى نقطة البداية، لكن الفرق أنني هذه المرة لا أملك حتى الوهم الذي كان يدفعني. كنت أعرف الحقيقة الآن… ومعرفة الحقيقة، أحيانًا، أثقل من الفقر نفسه.