بيت السويس القديم… وليد ومحمد والليل اللي كان بيرجعهم قطط

بيت السويس القديم… وليد ومحمد والليل اللي كان بيرجعهم قطط


بيت السويس القديم… وليد ومحمد والليل اللي كان بيرجعهم قطط

محمود ما كانش بيحب السويس عشان “حكاياتها” زي ما الناس بتقول. هو راح السويس لأنه اتزنق. الشغل في القاهرة خفّ، والإيجار بقى نار، وصاحب البيت كان كل أسبوع يلمّح بزيادة جديدة. لما جاله اتصال من واحد صاحبه القديم بيقوله إن فيه شقة إيجارها معقول في بيت قديم قريب من البحر، محمود حس إن ربنا فتحها عليه.

الشقة كانت في الدور التاني، في شارع جانبي ضيق، ريحته خليط غريب بين هواء البحر والحديد الصدئ. أول ما طلع السلم، لاحظ إن الدرج بيصرّ كل ما يدوس عليه، كأنه بيعدّ خطواته. سمية، مراته، كانت ماسكة إيد التوأم: وليد ومحمد. طفلين نفس الطول ونفس الشعر الأسود، بس عين وليد كانت أهدى، ومحمد كان دايمًا عينه تجري وتلمح التفاصيل.

فتحت لهم “الحاجة عواطف” صاحبة البيت. ست كبيرة، وشها مريح بس عينيها حادة، زي اللي شاف كتير ومش بيحب الكلام الكتير. قالت لهم وهي بتسند على عصاية خشب: “البيت قديم… بس بيستر. واللي يحترم البيت، البيت يحترمه.” محمود ضحك ضحكة صغيرة وقال: “إحنا ناس هاديين.”

أول أسبوع عدّى طبيعي. التوأم لعبوا في أوضة النوم اللي فيها سريرين صغيرين جنب بعض، وسمية رتبت المطبخ، ومحمود بدأ يروح شغله الجديد في ورشة صيانة معدات في الميناء. بس من تاني أسبوع، الليل بدأ يتغير.

البداية كانت حاجة بسيطة. سمية لاحظت إن التوأم بيصحوا الصبح بدري قوي… مش نشاط أطفال، لا. صحيان بوش بارد كأنه مش نايم. عيونهم مفتوحة، بس اللمعة فيها مش نفس لمعة الصبح. محمود كان يضحك ويقول: “يمكن اتعودوا على الجو.”

لحد ما جات ليلة، حوالي الساعة اتنين، سمية قامت تشرب مية، فعدت على أوضة الولاد. لقتهم نايمين… بس نايمين بشكل يخوف. ساكتين سكون غريب، نفسهم خفيف جدًا، وملامحهم كأنها “مقفولة” على حاجة من جوه. لمست خد وليد: بارد. لمست جبين محمد: أبرد.

نادت عليهم بهمس: “وليد… محمد…” مفيش رد. هزّت كتف وليد خفيف، ما اتحركش. قلبها دق بسرعة، جريت على محمود تصحيه. دخلوا الأوضة سوا، ومحمود حاول يفتح عين محمد بإصبعه… حس إن جفن الطفل تقيل كأنه مربوط. وقتها محمود قالها: “يمكن نوم تقيل.” بس صوته كان متردد. اللي يخوف مش النوم… اللي يخوف إن البيت كله كان ساكت زيادة عن اللزوم، حتى المروحة اللي فوق كانت بتلف كأن صوتها متكتم.

قعدوا جنب السريرين لحد الفجر. قبل الأذان بدقايق، مرة واحدة الاتنين شهقوا شهقة واحدة، كأنهم طلعوا من تحت المية، واتقلبوا على جنبهم كأن ولا حاجة حصلت. سمية مسحت على شعر محمد وهي بتترعش: “إنتوا كنتوا فين؟”

وليد فتح عينه بصعوبة وقال كلمة واحدة: “برّه.”

محمود اتنرفز: “برّه إيه؟ برّه فين؟”

محمد بص لأبوه نظرة ثابتة مش بتاعة طفل، وقال: “إنت كنت في السوق. جبت فول وفطير… ونسيت تجيب طماطم.”

محمود حس جسمه سخن. هو فعلًا كان رايح السوق قبل ما يرجع البيت بساعتين… وفعلاً نسي الطماطم. ما حدش كان معاه. سمية بصت له وكأنها بتسأله بعينيها: “إنت حكيت لهم؟” محمود هز رأسه: “والله ولا كلمة.”

تكررت الحكاية. كل ليلة تقريبًا، بعد ما يناموا بساعتين، يدخلوا في السكون ده. وفي الصبح، يقولوا تفاصيل صغيرة عن حاجات حصلت وهو برّه: إن محمود وقف عند الكشك اللي عند أول الشارع، إن الراجل اللي بيبيع سجاير قال له “اتفضل يا باشا”، إن واحد خبطه من ورا وهو بيعدّي. تفاصيل مش كبيرة، بس دقيقة ومزعجة. كأن حد كان ماشي وراه فعلاً.

محمود حاول يتعامل بعقل. قال يمكن الولاد بيسمعوا من الجيران، يمكن سمية بتحكي قدامهم وهو مش واخد باله، يمكن… يمكن أي تفسير يريح دماغه. بس التفسير ما كانش بيقف قدام حاجة واحدة: إنهم كانوا بيتكلموا كأنهم “شافوا” مش “سمعوا”.

وفي صباح يوم، حصلت العلامة اللي خلت الموضوع ما ينفعش يتفسر بسهولة. وليد صحى وباين عليه وجع، وشال كم قميصه. كدمة زرقاء واضحة على ذراعه، شكلها مش خبطة عادية، شكل صوابع.

سمية صرخت: “مين اللي عمل فيك كده؟”

وليد رد بهدوء غريب: “الجزار.”

محمود اتخشب: “جزار مين؟”

وليد قال: “اللي تحت… عم صالح. ضربني وأنا قطة.”

محمود حس إن الدم بيطلع لودانه. نزل تحت فورًا. محل الجزارة في أول الشارع، ريحته لحمة وبهارات ودم… بس محمود حاول يركز. دخل على عم صالح، راجل عريض، شنبه تقيل، وإيده فيها سكينة بتلمع تحت نور اللمبة.

محمود قال بحزم: “إنت مدّيت إيدك على ابني؟”

عم صالح ما اتفاجئش. ده اللي خوّف محمود أكتر. الجزار رفع عينه وقال بصوت واطي: “أنا ما ضربتش ابنك يا أستاذ محمود… أنا ضربت القطة.”

محمود اتلخبط: “قطة إيه؟”

عم صالح مسح إيده في المريلة وقال: “قطة سودا كانت بتلف حوالين المحل كل ليلة… عينها صفرا كأنها لمبة. وأنا… أنا شفتها وهي بتطلع من بيتكم.”

محمود ضحك ضحكة مش طبيعية: “إنت بتقول إيه يا عم صالح؟”

الجزار قرب خطوة، وصوته بقى أخفض: “اسمعني. الولاد بتوعك… بالليل ما بيكونوش هنا. أنا شفتهم. عيونهم مقفولة… بس بتلمع لمعة صفرا. وأنا سمعت مواء خفيف طالع من عندكم.”

محمود رجع البيت وهو شايل الكلام على كتفه كأنه شوال حجر. حاول ما يبانش لسمية إنه متوتر، لكن إيده كانت بتترعش وهو بيفتح الباب.

في الليلة دي، قرر يسهر. قعد في الصالة، التلفزيون شغال على صوت واطي، وفضل عينه على باب أوضة الولاد. الساعة عدت واحدة… واحدة ونص… اتنين إلا شوية. فجأة، البيت سكت أكتر. كأن الهوا نفسه اتشد. محمود قام على أطراف صوابعه وفتح باب أوضة الولاد بالراحة.

لقي وليد ومحمد على السريرين. عيونهم مقفولة، نفسهم خفيف، ووشهم ساكن. بس اللي جمده مكانه… لمعة صفرا بسيطة تحت الجفن. لمعة بتظهر وتختفي، كأن في نور صغير جوه العين بيشتغل ويفصل.

سمعها. مواء خفيف… مش من الشباك… من تحت السرير.

محمود نزل على ركبته وبص تحت السرير. في العتمة، شاف اتنين عيون صفر… وبعدين جسمين بيتحركوا ببطء. قطتين سوداوان تمامًا، شعرهم لامع كأنه مدهون، واقفين تحت السرير كأنهم كانوا مستنيين اللحظة دي.

الغريب إن القطتين ما هربوش. بالعكس، طلعوا من تحت السرير ومشيوا بهدوء ناحية الشباك. وقفوا لحظة وبصوا على محمود بنظرة… مش نظرة حيوان خايف. نظرة إدراك. وبعدين قفزوا ناحية المنور بخفة.

محمود جري على الشباك، بس كان متأخر. القطتين اختفوا في الظلام.

في نفس اللحظة، من غير ما جسد وليد أو محمد يتحرك، سمع محمود صوت “خربشة” خفيفة على إزاز الشباك… كأن مخلب بيجرّب.

محمود حس إن دماغه هتولع. عمل حاجة ما كانش متخيل يعملها في يوم. قفل كل الشبابيك بإحكام. جاب كيس ملح خشن من المطبخ ورش على الأعتاب وحول باب الشقة. وافتكر كلام قديم كان سمعه وهو صغير، كلام كان بيضحك عليه: “حط مقص مفتوح عند الباب… يقطع طريق اللي داخل.” فتح مقص قديم وحطه ورا الباب.

سمية صحيت على صوت الحركة وجريت عليه: “إنت بتعمل إيه؟”

قال بعصبية: “لازم نمنعهم يطلعوا برّه. اللي بيحصل ده لازم يقف.”

سمية كانت بتبص على الولاد، جسمهم بدأ يهتز هزة خفيفة كأنهم بيتعبوا وهم نايمين. قربت من وليد، لقت شفايفه بتزرق. صرخت: “محمود! الولاد مش طبيعيين!”

في الخارج، صوت مواء عالي فجأة… مش مواء قطة واحدة. مواء كتير، متداخل، زي صريخ. سمية جريت ناحية الباب: “افتح! يمكن ده سبب اللي بيحصل!”

محمود وقف قدام الباب بعناد غريب: “لو فتحت دلوقت… ممكن يرجعوا غلط. لازم يرجعوا بشروطنا. لازم يبطلوا السرحان ده.”

المنور من برّه كان مليان حركات سريعة. ومن عين السحرية، محمود شاف قطتين سودا واقفين قدام الباب. اللي خلى قلبه يقع إن دموع نازلة من عينهم… دموع واضحة زي دموع البشر. واحدة منهم كانت بتحك رجلها على الملح كأنها اتحرقت، وتترجع ورا.

سمع محمود صوت تكسير من شقة الجيران. “أم جابر” صحيت تصرخ. القطة التانية، كأنها بتدور على طريقة تلفت الأنظار، كانت بتقلب حاجات عندهم، تخبط في أواني، تعمل دوشة، ترجع… كأنها بتقول: “الوقت بيجري.”

جوه أوضة الولاد، جسد محمد اتلوّى كأنه بيحاول يتنفس ومش قادر. وليد كان بيشهق وهو نايم. سمية بقت تبكي بصوت عالي: “إنت هتقتلهم بإيدك يا محمود! افتح!”

محمود بص على الساعة. خيط الفجر بدأ يبان في الشباك، لون أبيض باهت بيدخل من حافة الستارة. حس برعب مختلف. مش رعب القطط… رعب إنه ممكن يخسر ولاده قدامه وهو واقف يعمل نفسه قوي.

في اللحظة دي، سمع الأذان من بعيد. كان صوته جاي مع الهوا، هادي، بس في قلب محمود كان عامل زي صفارة إنذار.

القطتين قدام الباب وقفوا ثابت. وبصّوا له تاني. النظرة دي… كانت شبه نظرة وليد ومحمد لما كانوا صغيرين وبيخافوا من ضلمة الأوضة. نفس الرجاء. نفس العتاب.

محمود انهار. مد إيده بسرعة، شال المقص، وفتح الباب وهو بيصرخ: “ارجعوا… ارجعوا يا ولادي!”

دخلت ريح باردة مرة واحدة، كأن باب الشقة فتح على شتا مش على ممر. القطتين اختفوا في لمح البصر، لا صوت، لا خطوة. بس في نفس الثانية، وليد ومحمد شهقوا شهقة طويلة، كأن حد شدّهم من تحت لتحت لفوق. فتحوا عيونهم… عيون بشرية، عادية، متلخبطة.

سمية رمت نفسها عليهم تبكي وتحضنهم: “حمد لله… يا رب.”

محمود كان واقف بعيد خطوة، مش قادر يتحرك. كان بيدوّر بعينه على أي تفسير، أي حاجة. وليد بص له، لكن صوته طلع خشن بطريقة غريبة، كأنه صوت أكبر من عمره:

“ليه قفلت الباب يا بابا؟ الملح كان بيحرقنا… والقطط اللي برّه كانت عايزة تاكل أرواحنا… لأن ماكانش لينا بيت ندخله.”

محمود حس شعر راسه بيقف. مش من الجملة بس، من طريقة وليد وهو بيقولها كأنه بيحكي حاجة عاشها فعلًا.

بعد الليلة دي، محمود ما استناش. ما قعدش يقول “يمكن” و“هنتابع”. الصبح، وهو لسه تعبان ومش مصدق اللي حصل، بدأ يلم حاجاتهم. سمية ما اعترضتش. كانت عينها لسه منتفخة من البكاء. التوأم كانوا ساكتين بشكل مزعج، بس طبيعيين… بياكلوا، بيتكلموا، بيضحكوا، كأنهم رجعوا.

سألهم محمود بعد يومين وهو سايق: “إنتوا فاكرين حاجة؟”

محمد قال وهو بيبص من الشباك: “فاكر إن الشارع هناك كان ضيق.”

وليد قال: “وفاكر إن الملح بيحرق.”

بس ما حدش قال أكتر.

يقال إن التوأم كبروا وبقوا شابين طبيعيين. الدراسة ماشية، والضحك رجع، والحياة كملت. لكن في حاجات ما اتصلحتش بالكامل. عمرهم ما بقوا يطيقوا ريحة الملح الخشن. ولو حد رش ملح قدامهم هزار، وشهم يشحب لحظة كأنهم اتلسعوا. ومع أذان الفجر تحديدًا، يفضلوا ساكتين شوية… مش خوف واضح، بس حاجة في ملامحهم تتشد، كأن صوت بعيد بيصحّي ذكرى.

والأغرب… إن كل قطة سودا تمر جنبهم في الشارع، تقف لحظة. مش تهرب ولا تهاجم. تقف… وتبص. مرات كتير، ناس قالت إنها شافت القطة كأنها “بتنحني” برأسها، احترام غريب، لحظة صمت، وبعدين تمشي.

محمود عمره ما حكى الحكاية كاملة لأي حد. كل ما حد يسأله: “سيبت السويس ليه؟” يرد بجملة واحدة وهو بيحاول يضحك: “البيت القديم كان مزاجه تقيل.”

بس في الليل، لما يفتكر دموع القطتين عند الباب، بيحس إن فيه جزء من القصة لسه واقف هناك… في المنور… مستني حد يفتح قبل الفجر.

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان