قالت بلاش صور… وأنا ما كنتش فاهم ليه
طول عمري كنت شايف نفسي شخص عملي. ما بحبش الدوّامة، ولا بصدّق الإشارات اللي من غير دليل. كل حاجة عندي ليها سبب واضح، ولو ما لقيتش السبب، أقول: “أكيد فيه تفسير منطقي وأنا لسه ما وصلتلوش”. عشان كده، لما زوجتي كانت تمنع أي تصوير لبنتنا، ما شفتش في الموضوع أكتر من خوف أم زيادة عن اللزوم.
اسمي يوسف، مهندس ديكور. شغلي كله قائم على التفاصيل: زاوية كرسي، درجة لون، مساحة فاضية ممكن تغيّر إحساس المكان. يمكن عشان كده كنت فاكر إنني فاهم الحياة كويس. اتجوزت نور بعد قصة حب سريعة، أسرع مما كان المفروض. كانت هادية، قليلة الكلام، بس عينيها دايمًا فيها توتر غريب، كأنها شايلة سر تقيل.
نور كانت متجوزة قبل كده، وعندها بنت اسمها تاليا. أول مرة شفتها كانت عندها سنتين. طفلة هادية، ما بتحبش الزحمة، وتبص في وش الناس كأنها بتدرسهم. نور قالت لي إن أبوها مات في حادثة عربية، وإنها بعد الحادثة قطعت علاقتها بأهله نهائي. ما سألتش تفاصيل. حسيت إن ده جرح قديم، والسؤال هيبقى قسوة.
من أول يوم قررت أكون الأب اللي تاليا ما عرفتش غيره. ما حاولتش أفرض نفسي، سيبتها تقرّب براحتها. لما نادتني “بابا” لأول مرة، حسيت إن الدنيا كلها اتعدلت. البيت بقى فيه ضحك، لعب، وروتين بسيط يخلي الواحد يحس بالأمان.
لكن كان فيه قانون واحد في البيت ما ينفعش يتكسر.
ممنوع تصوير تاليا.
لا صور، لا فيديوهات، لا كاميرات في المناسبات. نور كانت تقول إنها بتخاف من الحسد. تحكي عن كوابيس تشوف فيها بنتها بتتأذى، أو حد بيبصلها بنظرة وحشة. كنت أسمع وأهز راسي. في أعياد الميلاد كانت تغطي الكاميرات، وفي المصيف كانت تلبس تاليا قبعة كبيرة ونظارة شمس تخبي نص وشها. لما أهلي يستغربوا، كنت أقول: “دي أم وخايفة على بنتها”.
مرّت السنين، والخوف ما قلّش. بالعكس، كان ثابت، مستمر، كأنه مبني على حاجة أعمق من مجرد قلق. بس أنا كنت مريح نفسي بفكرة إن كل بيت فيه حاجة غريبة.
لما تاليا كملت خمس سنين، المدرسة عملت حفلة عيد الأم. نور قالت إنها تعبانة وما قدرتش تيجي. أنا حضرت. شفت بنتي واقفة على المسرح، لابسة فستان أبيض، وحاطة أجنحة صغيرة. كانت بتغني بصوت واطي، بس واثقة. اللحظة دي كسرت كل القواعد اللي التزمت بيها سنين.
طلعت الموبايل وصوّرتها.
ما كانش في دماغي نشر ولا مخالفة. كنت عايز أحتفظ بلحظة. بعته للعيلة على واتساب. بعدها بساعتين، أختي الصغيرة خدت لقطة من الفيديو ونزلتها ستوري على فيسبوك، وكتبت: “بنت أخويا القمر”.
بعد أقل من ساعتين، سمعنا خبط عنيف على باب الشقة. خبط مش طبيعي. نور كانت في أوضتها، أول ما سمعت الصوت خرجت، ووشها شاحب، وشفايفها بترتعش. ما سألتش مين. كانت عارفة.
فتحت الباب.
راجل في الخمسين، لابس بدلة رسمية، وراه اتنين أمن. دخل من غير استئذان، وقال بصوت عالي: “فاكرة إنك هتخبّي حفيدة عثمان الألفي العمر كله؟”
لفّيت أبص على نور، مستني تكذيب، أي رد. لكنها وقعت على ركبتها، وصرخت: “ماتت… تاليا ماتت مع أبوها… دي مش تاليا!”
الراجل ضحك بسخرية، وطلع موبايله وورّاني صورة الستوري. قال بهدوء يخوّف: “البنت نسخة من أبوها. والتحليل هو اللي هيحكم”.
في الليلة دي، وفي مكتب محامي العيلة، عرفت الحقيقة كلها. طليق نور ما ماتش لوحده. مات هو ومراته التانية. تاليا كانت الوريثة الوحيدة. عيلته حاولوا ياخدوها بالقانون. نور خافت. خافت لدرجة إنها أعلنت وفاة بنتها رسميًا، وطلعت أوراق مزورة، وهربت. أي صورة كانت تهديد. أي فيديو كان ممكن يضيّع كل حاجة.
نور ما كانتش بتخاف من الحسد. كانت بتخاف من إن حد يتعرف على الملامح.
وهي في الكلبشات، بصت لي وقالت بصوت مكسور: “قلت لك بلاش صور يا يوسف… أنت دمرت حياتنا”.
ما قدرتش أرد. ما قدرتش ألومها، ولا ألوم نفسي. في الآخر قلت للراجل: “خد حفيدتك… وسيب نور”.
نور خرجت من القضية، لكن خرجت من غير بنتها. وأنا خرجت من الحكاية كلها وأنا فاهم متأخر إن في ناس مش بتبالغ، في ناس بتستخبى… لأن الحقيقة لو ظهرت، ممكن تهد بيت كامل في لحظة.
بعد الليلة دي، البيت فقد صوته. مفيش ضحك، مفيش خطوات صغيرة بتجري في الممر، مفيش لعب مرمي على الأرض. كل حاجة كانت في مكانها، زيادة عن اللزوم، كأن الشقة نفسها دخلت حداد. نور كانت قاعدة في أوضة لوحدها، مش بتتكلم، تبص في الحيطة بالساعات. وأنا كنت ماشي في البيت زي الغريب، أعدّي على أوضة تاليا، أقف قدام السرير، وأرجع أقفّل الباب بهدوء كأني بخاف أزعج حد نايم.
أيام التحقيق عدّت ببطء تقيل. محاضر، أسئلة، مكاتب باردة، ووجوه ما تعرفش الرحمة. كنت حاضر، بس مش مشارك. اسمي كان موجود في الورق، لكن حياتي كانت واقفة على الهامش. كل مرة حد يسألني: “إنت كنت عارف؟” أردّ بنفس الجملة: “لا.” وأكتشف إن الكلمة دي تقيلة أكتر من أي اعتراف.
نور ما حاولتش تدافع عن نفسها. كانت بتقول بس إنها كانت خايفة. خايفة تفقد بنتها. خايفة تشوفها بتتشد منها بالقانون والفلوس. خايفة من فكرة إن حد تاني يقرر مصير طفلة كانت هي كل حياتها. وأنا، كل ما أسمعها، ما كنتش عارف أعمل إيه: أتعاطف ولا أغضب. كنت واقف في النص، مكان وحش، ما فيهوش أرض ثابتة.
تاليا كانت مع العيلة التانية. ما شفتهاش. ما سمعتش صوتها. وما كانش مسموح لي حتى أسأل. كانوا شايفيني مجرد مرحلة، راجل دخل حياتها بالغلط. يمكن عندهم حق. يمكن أنا كنت مجرد غلاف لسر كبير.
بعد شهور، القصة خلصت رسميًا. نور خرجت من القضية بشروط. ممنوعة من رؤية بنتها. ممنوعة من التواصل. خرجت من السجن، بس دخلت سجن تاني أوسع وأقسى. وأنا؟ خرجت من الجواز. ما كانش في قرار درامي. بس في لحظة هادية، قلت لها إني مش قادر أكمل. بصّت لي، ما اعترضتش، كأنها كانت مستنية الجملة دي من زمان.
مشيت من البيت. سيبت كل حاجة ورايا. رجعت أعيش لوحدي، في شقة أصغر، أنضف، فاضية. اشتغلت أكتر. ركزت في شغلي، في التفاصيل، في الصمت. بس في لحظات كتير، وأنا برسم تصميم جديد، كانت ملامح تاليا تطلع قدامي فجأة، من غير استئذان.
مرت سنين. سمعت أخبار متقطعة. عرفت إن تاليا كبرت، دخلت مدرسة خاصة، سافرت، عاشت حياة مختلفة. عرفت إن نور حاولت تشوفها مرة، من بعيد، وما قدرتش. عرفت إن الدنيا ما وقفتش، بس ما بقتش زي الأول.
في يوم، كنت قاعد في كافيه، مستني قهوتي، ولقيت بنت صغيرة بتضحك على ترابيزة قريبة. ضحكتها كانت شبه ضحكة تاليا وهي صغيرة. لقيت نفسي بابتسم، وبعدين قلبي وجع. في اللحظة دي فهمت حاجة كنت طول الوقت بهرب منها: إن الحب ما بيروحش، حتى لو راح أصحابه.
دلوقتي، لما حد يقول لي “صور الذكريات”، أبتسم بس. أعرف إن في صور بتخلّد لحظة، وفي صور تفضح حياة كاملة. أعرف إن في ناس مش بتمنع لأنها متحكمة، لكن لأنها شايلة خوف أكبر من إنها تشرحه.
نور قالت لي مرة، قبل كل ده ينهار: “مش كل حاجة ينفع تتشاف.” وقتها ضحكت. دلوقتي بس، فهمت. وفهمت إن في أسرار، لو خرجت للنور، ما تنقذش حد… بس تسيب الكل عريان قدام الحقيقة.