الناس طول عمرها بتحب تطمّن نفسها. تحب تحط مسمّيات ناعمة على الحاجات اللي بتخوف، كأن الاسم لو كان ألطف، الحقيقة هتبقى أرحم. من أكتر الجمل اللي سمعتها سلمى في حياتها، جملة اتقالت لها كده ببساطة، من غير ما حد يفكر في معناها الحقيقي: السحر الأبيض خير… وما فيهوش أذى. الجملة كانت دايمًا بتتقال بنبرة واثقة، نبرة ناس حاسّة إنها فاهمة، أو يمكن حابة تصدّق إن في طرق مختصرة للوجع، من غير تمن.
وسلمى صدّقت. مش لأنها كانت ساذجة، ولا لأنها بتحب الغلط، لكن لأنها كانت مكسورة. الكسر اللي بييجي بعد خسارة حاجة غالية قوي، كسر ما بيصرخش، بس يسيبك من جوه فاضي، بتدور على أي حاجة تملاه. سلمى كانت بنت عادية جدًا، لا عندها طموحات خارقة، ولا أحلام كبيرة زيادة عن اللزوم. قلبها كان طيب، يمكن أكتر مما الحياة تستحمله. ولما خسرت أعز حاجة في حياتها، حسّت إن الأرض ضاقت، وإن كل الطرق اللي كانت ماشية فيها قبل كده قفلت مرة واحدة.
في الوقت ده، حد قال لها على ست كبيرة في السن، عايشة لوحدها في بيت قديم على أطراف البلد. بيت بعيد، الشارع اللي وراه قليل، والناس بتعدّي من قدامه بسرعة كأنهم مش حابين يبصّوا. سلمى ما كانتش ناوية تروح، على الأقل في الأول. كانت بتقول لنفسها إن ده ضعف، وإنها مش محتاجة حاجة زي دي. بس اللي اتكسر جواها كان أقوى من أي منطق، وأقوى من أي نصيحة.
أول ما دخلت البيت، حسّت إن الجو مختلف. مش مرعب، بس تقيل. ريحة بخور غريبة، مش خانقة، بس بتلزق في النفس، كأنها بتقعد جوه الصدر. الغرفة منوّرة بشموع بيضا بس، نورها ضعيف، لكنه ثابت. الست كانت قاعدة، ضهرها محني شوية، وصوتها واطي، هادي، نبرة واحدة من غير انفعال. بصّت لسلمى وقالت لها بهدوء: ما تخافيش… ده سحر أبيض، نية طيبة، بس لازم تكمّلي للآخر.
الجملة الأخيرة عدّت على ودن سلمى مرور الكرام. تكمّلي للآخر… يعني إيه؟ ما سألتش. الست رسمت دايرة على الأرض، وحطّت في النص ورقة مكتوب عليها اسم سلمى واسم الشخص اللي كانت عايزاه يرجع. قبل ما تبدأ، رفعت عينيها وقالت جملة غريبة، جملة اتقالت كأنها تحذير عابر: لو حسّيتي بخوف، ما تقطعيش الطقس… وإلا اللي يسمعك مش هيسيبك. سلمى ضحكت. ضحكة خفيفة، شبه ضحكة حد بيطمن نفسه. خوف من إيه؟ ده سحر أبيض.
أول ليلة بعد الطقس كانت هادية. زيادة عن اللزوم. سلمى نامت بسرعة، من غير تفكير، كأن عقلها سلّم نفسه للتعب. الحلم جه واحد بس. شموع بتطفي لوحدها، واحدة ورا التانية، من غير هوا، من غير سبب. وصوت، واطي، قريب قوي، كأنه بيهمس جنب ودنها: إنتِ اللي ناديتيني… قامت مفزوعة، قلبها بيدق بسرعة. بصّت في الساعة. 3:33 الفجر. حاولت تضحك على نفسها، قالت مجرد كابوس. قامت من السرير، دخلت الحمام، وبصّت في المراية.
ساعتها شافت الحاجة اللي خلت الدم ينشف في عروقها. ابتسامتها. وشها كان مبتسم، بس الإحساس مش إحساسها. ابتسامة ثابتة زيادة عن اللزوم، كأن حد غيرها هو اللي ماسك ملامحها. رفعت إيدها ولمست شفايفها، حاولت تغيّر شكلها، بس الإحساس فضل موجود. نامت تاني بالعافية، وهي مقنعة نفسها إن التعب بيعمل أكتر من كده.
الليالي اللي بعدها ما كانتش أحسن. الظل بقى يظهر. في الأول على أطراف الغرفة، بعدين أوضح. كان واقف، ما بيتحركش، بس وجوده خانق، كأن الهوا نفسه اتسحب من الأوضة. سلمى حاولت تنطق اسمه، تحاول تسأل، صوتها خانها. الشموع كانت بتطفي واحدة واحدة، مش بالهوا، بكفوف سودة بتطلع من الضلمة، تلمس الفتيل وتسيبه ميت.
الصوت قرب منها أكتر، وقال بهدوء مخيف: إنتِ فاكرة إن الرجوع دايمًا رحمة؟ الظل خطى خطوة. وشّه بدأ يبان. ملامحه كانت ملامحه هو، نفس الشخص اللي نادته، بس عينه الشمال كانت سودة تمامًا، حفرة ملهاش قاع. افتكرت كلام الست: كمّلي للآخر. صرخت بكل قوتها: أنا عايزاك تمشي! الضحكة اللي ردّت عليها ما كانش فيها أي دفء. اللي بينادي… لازم يستقبل.
الأوضة اتملت همسات. أصوات كتير، كلها بتنطق اسمها. المراية اتشققت، ومن كل شق طلعت نسخة من سلمى. نفس الوش، نفس الابتسامة الغريبة. الظل مدّ إيده وقال: ادفعي الثمن. في اللحظة دي حسّت بذكرياتها بتتسحب منها. ضحكتها، صوتها، صورتها الحقيقية. كل حاجة كانت بتروح ببطء، كأن حد بيطفيها واحدة واحدة.
صرخت آخر صرخة: خُدني أنا… وسيبها ترجع! الشموع ولعت فجأة، نور أبيض أعمى عينيها، وبعدين… سكون.
تاني يوم، أهل البلد لقوا سلمى قاعدة قدّام بيتها. ساكتة. مبتسمة. نفس الابتسامة الثابتة. الشخص اللي كانت عايزاه رجع فعلًا. وقف قدّامها، بيناديها باسمها، بس هي ما ردّتش. كانت بتبص له، من غير تعبير. لأن اللي قاعد في جسمها ما كانش سلمى.
وفي آخر الليل، في بيت قديم على أطراف البلد، الست العجوز كانت بتجهّز شمعة جديدة. كتبت اسم جديد على ورقة، وهمست وهي بتبتسم ابتسامة صغيرة: السحر الأبيض… بيحتاج حد يكمّل مكانه.
مرت أيام، وبعدها أسابيع، والبلد ابتدت تتعود على وجود سلمى الجديدة. الناس في الأول كانوا بيقولوا إنها اتصدمت، وإن الصدمة عملت فيها كده. كانوا يشوفوها قاعدة قدام البيت، نفس القعدة، نفس الابتسامة، عينين مفتوحتين أكتر من اللازم، وكأنها شايفة حاجة محدش غيرها شايفها. اللي كان يعرف سلمى زمان كان يحس إن في حاجة ناقصة، مش غايبة، ناقصة، زي صوت اختفى من الأغنية بس اللحن فضل شغال.
الشخص اللي رجع علشانها حاول يقرب. ناداها باسمها كتير، افتكر ضحكتهم القديمة، الحاجات اللي كانوا بيعملوها سوا، لكن سلمى ما كانتش بتتحرك. كانت بتبص له، بنظرة ثابتة، نظرة حد فاهم كل حاجة ومتجاوزها. أوقات كان يحلف إنه شاف انعكاس وش تاني في عينيها، وش بيبص له من جوه، مش وشها هي.
في الليل، البيوت اللي حوالين بيت سلمى كانت تسمع صوت خفيف. مش صريخ، ولا بكاء. همسات. همسات طويلة، كأن حد بيحكي حكاية من غير ما يكمّلها. وفي كل مرة حد يقرب من البيت أكتر من اللازم، يحس إن نفسه تقيل، وإن خطوة رجله تقف لوحدها، كأن المكان نفسه مش عايز حد.
أما الست العجوز، فكانت عارفة. كانت دايمًا عارفة. كانت قاعدة في بيتها القديم، ترتّب الشموع، تنظف الرماد، وتكتب الأسماء واحد ورا التاني. كل اسم كان ليه قصة، وليه نية، وليه شخص صدّق إن الخير ممكن ييجي من باب ضلمة. كانت تقول لنفسها، وهي بتولّع الشمعة: أنا ما بعملش أذى… أنا بسيب الناس تختار. بس في عينيها كان في حاجة تانية، حاجة أقدم من الكلام، حاجة شبعت انتظار.
في ليلة تقيلة، القمر كان مختفي ورا سحابة سودا، سلمى قامت من مكانها لأول مرة من غير ما حد يحس. دخلت البيت، وقفت قدام المراية اللي كانت متشققة من زمان. بصّت فيها طويلًا. انعكاسها ما كانش واحد. كان في ظل واقف وراها، قريب قوي، قريب لدرجة إن أنفاسه كانت بتطلع على الزجاج. الظل مال على ودنها وهمس: الدور قرب.
وفي اللحظة دي، ابتسامتها اتحركت. اتحركت ببطء، كأنها بتتعلّم شكلها من جديد. رفعت إيدها ولمست المراية، والشقوق زادت، وبقى كل شق فيها عين، وكل عين بتبص للعالم من جوه.
تاني يوم الصبح، البلد صحيت على خبر جديد. بنت صغيرة، قلبها مكسور، راحت تسأل عن ست كبيرة في السن على أطراف البلد. قالوا لها: ما تخافيش… ده سحر أبيض، نية طيبة.
وفي بيت قديم، شمعة جديدة كانت بتنور، واسم جديد كان بيتكتب، والهمسة القديمة رجعت تتقال:
اللي بينادي… لازم يستقبل.
أما سلمى، فكانت واقفة قدّام البيت، بتبتسم.
مش لأنها سعيدة،
لكن لأنها بقت جزء من اللي بيسمع.