قصة قصيرة: ليلة الفرح التي تحولت إلى كابوس

قصة قصيرة: ليلة الفرح التي تحولت إلى كابوس


اسمي نهى، خمس وعشرين سنة، وكنت فاكرة إن العمر الحقيقي بيبدأ من لحظة لبس الفستان الأبيض. اللحظة اللي تبصي فيها لنفسك في المراية وتحاولي تصدقي إن البنت اللي كانت بتجري حافية في البيت، بقت ست داخلة على حياة جديدة. الليلة دي كان المفروض تكون أمان، بداية، ضحكة طويلة من القلب. لكن اللي حصل علّمني إن القدر أحيانًا بيحب يلبس أقسى دروسه في شكل أفراح.

أمي كانت دايمًا هي الحضن الأول. الست اللي شُفت فيها معنى الطبطبة، اللي عمرها ما رفعت صوتها عليّ، ولا خلّت الخوف يعرف طريقه لقلبي. عشان كده، أول تغيّر لاحظته فيها قبل الفرح، كان حاجة ملخبطة جوايا أكتر ما كانت واضحة. كانت بتدخل أوضتي بالليل، تقف شوية، تبص لي بنظرات ساكتة، نظرات طويلة، مش شبه نظرات أم. كنت أصحى أحيانًا وأحس بوجودها، أفتح عيني ألاقيها واقفة، ولما أسألها تقول إنها كانت بتطمن عليّ.

كنت أبرر. دايمًا أبرر. أقول لنفسي إن الأمهات بيتعبوا قبل جواز بناتهم، إن القلق بيغير الملامح. ما فكرتش لحظة إن في قلق تاني، قلق نابع من غِل قديم، من عمر كامل متكوم جوا القلب ومستني فرصة يطلع.

يوم الحنة، البيت كان مليان ناس، ضحك، أصوات، وأنا كنت حاسة إني لوحدي. أمي قربت، ماسكة كوباية عصير، بإيدها هي، وملامحها متشددة كأنها بتخوض معركة. قالت لي بهدوء غريب: “اشربي يا نهى، شكلك تعبانة”. ما كانش في صوت إنذار جوايا، ولا إحساس خطر. شربت، وأنا مطمنة إن مفيش شر ييجي من إيد أم.

الدنيا ما وقعتش مرة واحدة. وقعت حتة حتة. الأول دوخة، بعدين الأصوات بقت بعيدة، ضحك النسوان اتحول لوشوش مش مفهومة، جسمي تقيل، ولساني رافض يتحرك. حاولت أقول اسمها، بس الاسم مات في حلقي. آخر صورة شُفتها كانت عينيها… ثابتة، باردة، وكأن اللي بيحصل ده قرار متاخد من زمان.

صحيت على برد ورطوبة. ريحة مكان مقفول من سنين. احتجت وقت أفهم إني مش في البيت. كنت مربوطة في كرسي خشب قديم، في مخزن تحت العمارة. الخوف كان ماسك نفسي قبل ما يمسك جسمي. حاولت أتحرك، أصرخ، أعيط، بس صوتي كان مخنوق.

لما شوفت أمي واقفة قدامي، ما حسّيتش براحة. حسّيت برعب. كانت ماسكة مقص، وشكلها متغير، كأنها شايلة عمر كامل من الغضب. وجنبها كان واقف خطيبي. الراجل اللي كنت هاسلم له حياتي بعد ساعات. واقف ساكت، لا بيدافع، ولا حتى بيبص في عيني.

ضحكت. ضحكة مش طبيعية. وقالت: “فاكرة إن الفرح ليكي؟ أنا ضيعت عمري كله عشانك. كنت فاكرة إني بربي بنت، طلعتي منافسة. خطيبك ده… هو الحلم اللي ضاع مني زمان، وإنتِ خدتيه من غير ما تحسي”.

في لحظة واحدة، كل الذكريات اتكسرت. فهمت إن الحب اللي كنت حاسة بيه منها كان متلوّن، وإن في قلبها قصة قديمة ما ماتتش. كانت شايفاني مرآة لسنين راحت، وعدو لازم يختفي عشان ترتاح.

الأقسى إن خطيبي كان شريك. كل كلمة قالها عن الحب، كل وعد، كان كذب. ساعدها تخطفني، عشان يساوم بابا على فلوسه، ويهربوا. ما كانش في حب… كان في صفقة.

قربت بالمقص، وقالت بهدوء يخوف: “مش هموّتك. الموت راحة. أنا هسيبك تعيشي مشوّهة. بلا مستقبل. بلا أمل”. كنت ببكي بصمت، جسمي كله بيترعش، مش قادرة أستوعب إن الست دي هي أمي.

وفجأة، صوت تكسير، نور، صريخ. بابا دخل ومعاه الشرطة. طلع شاكك من زمان، مراقب، مستني اللحظة اللي الغل يفضح نفسه. أمي حاولت في آخر ثانية تأذيني، كأنها عايزة تسيب علامة، بس اتشالت منها.

وهي بتتكلبش، بصّت لي وقالت: “كنت بتمنى تموتي”. الكلمة دي قتلتني أكتر من المقص.

الفرح اتدفن. لبست الأسود بدل الأبيض. سيبنا المكان، وبقيت أعيش مع بابا بعيد. كل يوم بحاول أتعلم أصدق إن الأم ممكن تخون، وإن أقرب الناس ليك ممكن يكونوا أخطرهم.

لسه بتعلم أعيش، ولسه بحاول أصدق إن نجاتي كانت معجزة، وإن في دروس بتفضل محفورة جوه الروح طول العمر، مهما حاولنا ننساها.

بعد اللي حصل، الزمن ما رجعش طبيعي. الأيام بقت بطيئة، تقيلة، كأن كل ساعة محتاجة مجهود عشان تعدّي. كنت بصحى من النوم مفزوعة، قلبي بيجري قبل ما أفتح عيني، وصورة أمي بالمقص قدامي بتيجي من غير استئذان. كنت أغمض عيني بقوة، أقول لنفسي إن اللي حصل كابوس، بس جسمي كان دايمًا يفوقني بالحقيقة.

بابا حاول يحميني. نقلنا بيت بعيد، مكان محدش يعرفنا فيه. قال لي إن البُعد أحيانًا بيكون علاج، بس أنا كنت عارفة إن الوجع مش في المكان، الوجع كان جوايا. كنت بمشي في الشقة الجديدة وأحس إني ضيفة، مش قادرة أعلّق صور، ولا أرتّب حاجتي، كأني خايفة أستقر، خايفة أطمن.

الناس كانت بتسأل. ليه الفرح اتلغى؟ ليه اختفيت؟ بابا كان يرد بكلمتين ويقفّل الموضوع، وأنا كنت بسكت. مش كل الحكايات تتحكي. في حكايات لو خرجت من بقك، تكسر اللي فاضل جواك.

أكتر حاجة كانت بتوجعني مش الخيانة نفسها، قد ما كان فقدان الصورة. صورة الأم. كنت فاكرة إن في خطوط حمرا في الدنيا مستحيل تتكسر، وإن الأمومة حصن. اللي حصل علّمني إن البشر أعقد من أي صورة مثالية، وإن الغل لما يتساب سنين، ممكن يلبس أقرب الوجوه.

كنت أراجع طفولتي واحدة واحدة. مواقف قديمة، نظرات ما كنتش باخد بالي منها، سكوت طويل في أوقات فرحي. بدأت أفهم إن في حاجات كانت مستخبية، وإن الحب اللي خدته منها كان حقيقي في وقت ما، بس اتلوّث مع الزمن.

الخوف من الناس بقى أكبر. أي حد يقرب، أي كلمة حلوة، كنت أشك. بقيت أسمع كتير وأتكلم قليل. تعلمت إن الثقة مش قرار، دي رحلة طويلة، وأنا كنت لسه في أولها، ومجروحة.

في ليالي كتير، كنت أعيط من غير صوت، عشان بابا ما يسمعش. هو كان شايل ذنب مش ذنبه، وكان بيحاول يعوضني عن عالم كامل وقع. كنت بشوف في عينه وجع أكبر من وجعي، وده كان بيخليني أتماسك قدامه، حتى لو كنت بتكسر من جوة.

فكرت كتير: هل أكره أمي؟ هل أسامح؟ ولا أسيب السؤال من غير إجابة؟ اكتشفت إن في جروح مش محتاجة قرار، محتاجة وقت. مش كل حاجة لازم تتحل دلوقتي. أحيانًا، النجاة نفسها كفاية.

بدأت أرجع لحياتي واحدة واحدة. شغل، مشاوير، روتين بسيط. كنت بضحك أحيانًا، وأحس بالذنب. كأني بخون اللي حصل. بس فهمت مع الوقت إن الضحك مش خيانة، وإن الاستمرار مش نسيان.

أنا مش نفس نهى اللي كانت مستنية فستان أبيض. بس يمكن دي النسخة اللي كان لازم أكونها. نسخة شافت القاع، وطلعت، حتى لو ببطء. نسخة عرفت إن القوة مش في إنك ما تتكسريش، القوة إنك تتكسري وتكمّلي.

لسه في حاجات بخاف منها، ولسه في ليالي طويلة، بس بقيت أعرف إن حياتي مش هتخلص عند اللي حصل. الأم ممكن تخون، والحبيب ممكن يبيع، بس الإنسان اللي جواك، لو فضلت متمسك بيه، يقدر ينقذك.

أنا نهى… نجيت. وده لوحده سبب كفاية إني أكمّل.

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان