قصة فتاة منسية في فرح أختها تنقلب إلى بطلة الليلة

قصة فتاة منسية في فرح أختها تنقلب إلى بطلة الليلة


كنت متخبية ورا عمود حجر في فرح أختي، مش عشان الزحمة ولا عشان أفضل أتفرج من بعيد، لكن لأن ده المكان اللي حسّيت إن القاعة نفسها اختارته لي. مكان جانبي، الرؤية فيه ناقصة، والورد مقفول نص المشهد، وكأن وجودي مش مطلوب يكون واضح. وأنا قاعدة كده، حاسة إني ضيفة تقيلة في بيتي، واحد غريب قعد جنبي بهدوء غريب، وقال بصوت واطي كأنه بيقول سر: “امشي ورايا… واعتبريني صاحبك الليلة”. الكلمة عدّت عليّ في الأول كدعابة، بس اللي حصل بعدها خلاني أفهم إن الليلة دي مش عادية.

اسمي هنا رشدي، وفي يوم فرح أختي لارا، اكتشفت إن في أدوار في العيلة بتتوزع من غير ما حد يعلن عنها. لارا طول عمرها نجمة العيلة، كل الأنظار عليها، كل القرارات بتمشي حسب مزاجها، وكل المناسبات بتدور في فلك صورتها قدام الناس. أما أنا، فكنت دايمًا الهادية، اللي يعتمدوا عليها، اللي تشيل المسؤولية من غير صوت، ولما الدور يخلص، تتنسي بسهولة.

الفرح كان في جنينة كبيرة، الشمس منورة المكان، الكراسي البيضا مترتبة بعناية، الورد متنسق كأن حد رسمه بالمسطرة، والترابيزة الكبيرة تحت الأنوار شكلها حلم. كل حاجة كانت كاملة، محسوبة، متظبطة… إلا مكاني أنا. كرسي محشور على الجنب، عمود حجر قافل نص المشهد، وكأن الرسالة واضحة: اقعدي هنا، وخلّي بالك إنك برا الصورة.

من أول ما لارا اتخطبت، وأنا كنت جزء من كل التفاصيل. تنظيم، تجهيز، تنسيق، حسابات، اتصالات، متابعة، مشاكل تتحل في آخر لحظة. ماما وبابا كانوا مطمئنين إن “هنا موجودة”، وده كان كفاية. بس وأنا داخلة الفرح، بفستان بسيط ومشاعر متلخبطة، اكتشفت إن وجودي نفسه محسوب كحاجة ثانوية.

قلت لنفسي عادي، الأفراح دايمًا فيها لخبطة، بس التفاصيل الصغيرة كانت بتفضح الحقيقة. ماما عدّت من جنبي، بصت من غير ما تبصلي، وقالت وهي ماشية: “لو سمحتي خليكي هادية، ما تخليش اليوم يبقى غم”. ما كنتش طالبة حاجة. كنت بس عايزة أبقى موجودة من غير ما أحس إني زيادة عن اللزوم.

لارا كانت ماشية في القاعة كأنها نجمة مشهورة. ضحك عالي، أحضان، صور، ناس طول السنة بينتقدوها بس جُم عشان الفرجة. وأنا؟ قاعدة لوحدي ورا العمود، بتفرج عليها وهي بتلمع، وأنا بهدوء بتمسح من الصورة. في اللحظة دي حسّيت بحد بيقعد جنبي.

كان لابس بدلة غامقة، كرافتة مفكوكة شوية، شكله واثق وهادي، من النوع اللي أي مكان يدخله يبقى مكانه الطبيعي. بص على طبقي، بعدين على العمود، وبعدين عليّ وقال بهدوء صريح: “حاطينك هنا بالقصد، مش كده؟”. ما رديتش. الكلام كان واقف في زوري. قرب وقال: “اعملي اللي هعمله، واعتبريني صاحبك الليلة”. بصيت له باستغراب، سألته: “إيه؟”. ابتسم ابتسامة بسيطة مطمنة، وقال: “ابتسمي لما أبتسم، قومي لما أقوم، ولو حد سأل… إحنا مع بعض. الليلة دي مش هتقعدي ورا عمود”.

الفرقة كانت ساكتة بين أغنيتين، والناس سرحانة في كلامها، ومع ذلك، مد إيده وكأن اللي بيحصل طبيعي جدًا. مسكت إيده. مشينا وسط القاعة. عدّينا على ماما وبابا، على صحاب أختي، على ترابيزات عملت مش شايفاني. العيون بدأت تلتفت، الهمس على، والأسئلة في الهوا.

وفجأة الـDJ مسك المايك وقال: “عندنا مفاجأة قبل كلمات التهاني… الأستاذ ياسين العطار”. الراجل اللي جنبي عدّل الجاكيت، وطلع قدام. القاعة كلها سكتت. لارا بصّت عليه، وابتسامتها اختفت. لأول مرة في الليلة، بان عليها ارتباك حقيقي، لا، كان رعب.

لارا كانت ماسكة فستانها بإيد، وبالإيد التانية ضاغطة على إيد عريسها لدرجة إن عروقه برزت. ماما وبابا وقفوا مكانهم كأن صاعقة نزلت عليهم. القاعة كلها كانت بتهمس باسم “ياسين العطار”، والناس بتسأل: “إيه اللي جاب الحوت ده هنا؟”.

ياسين مسك المايك، وبصلي بابتسامة خفيفة قبل ما يكلم الناس: “أنا موجود هنا النهاردة عشان أرد الجميل للإنسانة الوحيدة اللي وقفت جنبي لما الكل اتخلى عني، الإنسانة اللي شالت شركتي ونظمت حياتي في أصعب سنة عدّت عليا، وهي شغالة من ورا الستار من غير ما تطلب شهرة ولا لقطة”.

العيون كلها لفت ناحيتي. ماما اتلخبطت، ولارا وشها اصفر. ياسين كمل وصوته مالي القاعة: “هنا رشدي مش بس مهندسة شاطرة، هنا شريكتي في النجاح ده. وبما إن النهاردة ليلة فرح أختها، حبيت أقدّم لها هديتها قدامكم”.

طلع مفتاح عربية من جيبه، شاور ناحية الجنينة، والأنوار اتوجهت لعربية بتلمع تحت القمر. وبعدها قال الجملة اللي كسرت كل التوازن: “ومن بكرة، هنا هي المديرة التنفيذية الجديدة لمجموعة شركاتي”. لارا انهارت من غير صوت، وقعت على الكرسي وهي مش مصدقة إن “البنت اللي ورا العمود” هي اللي بتمسك مفاتيح مستقبلها.

ماما قربت مني بابتسامة باهتة وقالت: “تعالي يا هنا اقعدي في الكوشة جنبا”. بصيت لها بهدوء، ولأول مرة صوتي ما كانش بيترعش: “مكاني عجبني يا ماما… العمود كان مداري عني ناس كتير”.

ياسين نزل من المسرح، مد إيده ليا وقال بصوت واطي سمعه الكل: “يلا بينا؟ السهرة لسه بتبدأ، والعمود ده ما يليقش بمقامك”. مشيت معاه وأنا حاسة إن الهوا أخيرًا دخل صدري، وسِبت ورايا قاعة اكتشفت فجأة إن الشخص اللي ركنوه على الهامش، هو نفسه اللي شايل مفاتيح أحلامهم.

خرجنا من القاعة وأنا حاسة إن رجليّ مش ثابتين على الأرض. النسمة اللي عدّت من الجنينة لمست وشي، وكأنها أول نفس حقيقي أخده من ساعة ما دخلت. الصوت العالي ورا ضهرنا كان لسه واصل، بس بقى بعيد، مش قادر يمسك فيّ. ياسين مشي جنبي بهدوء، من غير ما يشدني ولا يسرّع الخطوة، كأنه فاهم إن اللحظة محتاجة تتاخد على مهَل.

وقفت لحظة أبصّ على القاعة من بعيد. الورد، الأنوار، الناس اللي كانت من شوية بتبصّ عليّ كأني مش موجودة، دلوقتي عيونهم معلّقة بالسؤال. ما حسّيتش بانتصار، حسّيت براحة. راحة إن الصورة أخيرًا اتعدّلت، مش عشان حد صفق، لكن عشان الحقيقة ظهرت.

ياسين فتح باب العربية بهدوء وقال: “اركبي”. قعدت، وحطّيت إيدي في حضني، وفضلت ساكتة. العربية اتحركت ببطء، ومع كل متر بنبعده، كان الحمل اللي على صدري بيخف. ما سألتوش ليه عمل كده، ولا هو عايز إيه. في لحظات، الأسئلة بتبقى عبء، والسكوت بيكون أرحم.

بعد شوية قال: “عارفة ليه اخترت اللحظة دي؟”. بصّيت له من غير ما أتكلم. كمّل: “لأنك طول الوقت كنتي بتشتغلي في الضل، ومحدش كان شايف. الليلة دي، أنا بس رجّعت التوازن”. الكلام دخل قلبي من غير ما يعمل دوشة. لأول مرة حسّيت إن حد فاهم معنى إنك تكوني العمود اللي شايل المكان، من غير ما حد يبصّ لك.

وصلنا عند مكان هادي، كافيه صغير على الطريق، الأنوار فيه خافتة، والمكان فاضي تقريبًا. قعدنا، وطلبنا قهوة. إيدي كانت بترتعش، مش من الخوف، من التفريغ. كل اللي اتخزّن جوايا سنين، كان بيطلع على مهل. حكيت له عن طفولتي، عن لارا، عن دور “اللي يعتمدوا عليها”، وعن الكرسي اللي اتحشر على الجنب. كان بيسمع، من غير مقاطعة، من غير نصايح.

قال في الآخر: “أكتر ناس قوية، هما اللي اتعودوا يقفوا ورا الستار. بس القوة دي لازم تطلع للنور في وقتها”. ابتسمت، ابتسامة صغيرة، حقيقية. ما كنتش محتاجة وعود، ولا كلمات كبيرة. كنت محتاجة اعتراف.

رجعت البيت متأخر. موبايلّي كان مليان مكالمات ورسائل. ما فتحتش. دخلت أوضتي، قفلت الباب، وقعدت على السرير أبصّ للسقف. لأول مرة ما حسّيتش بالذنب. لا ذنب إني نجحت، ولا ذنب إني ما رجعتش القاعة. كان عندي إحساس بسيط، ثابت، إن مكاني بقى واضح.

تاني يوم الصبح، صحيت على رسالة واحدة بس. من ماما. جملة قصيرة: “محتاجين نتكلم”. سيبت الرسالة مقفولة شوية. مش رفض، ولا قبول. بس تأجيل. اتعلّمت إن في حوارات لازم تتاخد وإنتِ واقفة على أرضك، مش وإنتِ لسه طالعة من تحت العمود.

لبست، وخرجت. الشارع كان عادي، الناس رايحة شغلها، الدنيا ماشية. بس أنا كنت مختلفة. مش لأن حد كرّمني، ولا لأن مفتاح عربية بقى في إيدي. مختلفة لأنّي أخيرًا بطّلت أختفي. عرفت إن الهدوء مش ضعف، وإن الصمت مش تنازل، وإن المكان اللي كانوا شايفينه “على الهامش”، كان في الحقيقة نقطة البداية.

وأنا ماشية، افتكرت الكرسي المحشور، والعمود اللي كان ساترني. ابتسمت. العمود ما بقاش ورايا. بقى ذكرى. والذكرى، مهما كانت تقيلة، ما بتمسكش في اللي قرر يمشي لقدّام.

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان