تحت شمس حارقة بتلسع القفا في بلاد زي إسبانيا والمكسيك ودول أمريكا اللاتينية، بتدور واحدة من أقدم وأغرب التقاليد في التاريخ البشري كله. حاجة كده ميكس غريب عجيب، الناس هناك بيسموها “فن مصارعة الثيران” (Fiesta Brava)، وده مش مجرد اسم دلع، لأ دول بيعتبروها فعلاً فن زي الرسم والمزيكا. الحدث ده مش مجرد رياضة عادية زي الكورة مثلاً، لأ ده طقس ثقافي معقد جداً، بيخلط بين الشجاعة اللي بتوصل لحد الجنون، والفن المسرحي والاستعراض المبهر بالبدل المطرّزة.
لكن، خلف الألوان الزاهية أوي لبدلة “الماتادور” اللي بتبرق في الشمس، وهيبة الثور الضخم اللي واقف في نص الحلبة، فيه عالم تاني خالص متناقض جداً. عالم بيجمع بين أقصى درجات التوتر وشد الأعصاب، وبين مواقف كوميدية ساخرة جداً بتطلع فجأة من قلب الفوضى لما الإنسان يحاول يعمل فيها بطل قدام حيوان ضخم مش قاري السيناريو أصلاً.
في المقال الطويل ده، هناخدكم في رحلة مفصلة جوه الحلبات الترابية دي، هنشم ريحة الرملة السخنة، ونسمع صوت مزيكا “الباسودوبل” الشهيرة، ونحلل مع بعض ليه البشر دول بيرموا نفسهم التهلكة بالشكل ده، وإزاي المشهد اللي كله توتر ده ممكن يقلب فجأة في ثانية واحدة لمسرحية هزلية تخلي الجمهور يقع من الضحك، وهنتكلم كمان عن الجدل الكبير اللي مخلي التقليد ده يرفض يندثر لحد دلوقتي.
الحلبة كمسرح للمواجهة.. مش مجرد لعبة
عشان نفهم يعني إيه مصارعة ثيران، لازم الأول ندرك إن الموضوع مش هزار ولا تمثيلية متفبركة. لما “الماتادور” (وده الاسم بتاع المصارع الرئيسي النجم) بيدخل الحلبة، هو مش داخل يواجه حيوان أليف متربي في مزرعة وبياكل برسيم، لأ خالص. هو بيواجه ثور بري تم تربيته وانتقاء سلالته مخصوص على مدار مئات السنين عشان يكون عنده صفات معينة: القوة المفرطة، السرعة في رد الفعل، والأهم “الشراسة المقاتلة”، يعني ثور مبيرجعش لورا.
الثور ده يا سادة كتلة عضلات متحركة، وزنه ممكن يعدي الـ 500 او 600 كيلو بسهولة، وقرونه دي مش زينة، دي أدوات دفاع قوية جداً. التحدي هنا مش محسوب بالمللي زي الرياضات الخطرة التانية، دي مواجهة مباشرة مع المجهول. الماتادور هنا كل اللي حيلته خفة حركته، وسرعة بديهته، وحتة قماشة حمراء (الموليتا) بيلعب بيها بعقل الثور.
أي غلطة صغيرة، أي سهوة في تقدير سرعة الثور، أو حتى لو رجله اتكعبلت في حتة رملة مش متساوية في أرضية الحلبة، النتيجة بتكون إن الاستعراض بيبوظ خالص، والماتادور بيتحط في موقف محرج جداً وممكن يكون خطر. عشان كده، اللياقة الذهنية والنفسية هنا أهم بكتير من العضلات. لازم الماتادور يكون “بارد” جداً من جواه عشان يعرف يتحكم في الموقف.
الأجواء نفسها بتلعب دور. صوت الجماهير اللي بتصرخ مع كل حركة، المزيكا الحماسية، الشمس الضاربة، كل ده بيحط ضغط نفسي رهيب على أي حد واقف في نص الدائرة دي. هي لعبة أعصاب في المقام الأول، ومين اللي هيفقد تركيزه الأول: الإنسان ولا الحيوان.
الوش التاني للعملة: كوميديا غير مقصودة في قلب الخطر
على الرغم من الطابع الجاد والجو المشحون والتوتر اللي ممكن تقطعه بسكينة، إلا أن الطبيعة غير المتوقعة للتعامل مع الحيوانات، والتوتر البشري الشديد لما بيزيد عن حده، غالباً بيولد مواقف كوميدية ساخرة جداً بتنتشر بسرعة البرق على فيسبوك وتيك توك. المواقف دي مش بتقلل من خطورة الحدث، لكنها بتظهر الجانب العبثي والفوضوي لما الأمور تخرج عن النص المرسوم.
الجمهور أصلاً جزء كبير منه رايح عشان اللحظات دي. لحظات الـ “Fail” أو الفشل الذريع اللي بيقلب الموازين ويخلي البطل شكله وحش أوي.
لما الثور يقرر يغير السيناريو ويألف من دماغه
أكتر المواقف اللي بتفطس من الضحك هي لما الثور يتجاهل الماتادور تماماً، ويقرر إنه مش لاعب معاه. تلاقي الماتادور عمال يلوح بالقماشة الحمراء ويعمل حركات بهلوانية، والثور واقف يبصله باحتقار وكأنه بيقوله “إنت عبيط يابني؟”.
وساعات تانية، الثور بيقرر يطارد حاجة تانية خالص غير اللي المفروض يطاردها. ممكن يركز انتباهه فجأة على واحد من المساعدين (البيونيس) اللي واقفين ورا الحاجز الخشبي اللي بيحمي منطقة الأمان. هنا بتبدأ الكوميديا الحقيقية. تلاقي المساعد ده، اللي المفروض إنه شجاع برضه، نسي كل حاجة وقرر يفك الجري. المشهد بتاعهم وهما بيحاولوا ينطوا من فوق السور الخشب بشكل هستيري وغير متناسق، واحد رجله تعلق، والتاني بنطلونه يتقطع، والتالت يقع على وشه قبل ما يوصل للسور، دي مشاهد بتخلي الجمهور ينسى الماتادور الأصلي ويقعد يضحك على فرقة المساعدين اللي قلبوا فرقة حسب الله.
وفي بعض الأحيان النادرة، الثور نفسه بيقرر إنه عايز يسيب الحلبة ويطلع يسلم على الجمهور في المدرجات. طبعاً دي بتبقى فوضى عارمة، الناس اللي في الصفوف الأولى بيتحولوا لأبطال جري مسافات طويلة في ثانية، والمشهد بيقلب لفيلم كرتون، بس طبعاً ده مضحك بس للناس اللي قاعدة في الصفوف العليا البعيدة عن منطقة “التماس”.
سقوط الهيبة: لما “البطل” يبقى مسخرة
بدلة الماتادور دي (اللي اسمها تراجي دي لوسيس أو بدلة الأضواء) مصممة ومطرزة بالدهب والفضة عشان تعطي مظهراً من الهيبة والفخر والعظمة. الماتادور بيمشي بيها مشية الطاووس، رافع راسه وفارد صدره. لكن يا عيني، كل الهيبة دي بتتبخر في اللحظة اللي بيتعثر فيها المصارع ويقع على مؤخرته وهو بيحاول يعمل حركة استعراضية جامدة قدام الجمهور.
تخيل المشهد: راجل لابس بدلة بألوفات، وعامل فيها بطل مغوار، فجأة تلاقيه نايم على ضهره في الرملة ورجله في الهوا، والثور بيبصله باستغراب. أو الأسوأ، المشهد اللي فيه مصارع محترف، المفروض إنه رمز للشجاعة، بيرمي القماشة والسيف وبيفك الجري بأقصى سرعة نحو الأمان، ناسي كل بروتوكولات الشجاعة، وبيجري جري “يا فكيك”، بينما الثور بيطارده بكسل. المشاهد دي بتتكرر كتير وبتثير ضحك الجمهور اللي بيحب يشوف اللحظة اللي الغريزة البشرية الأساسية في الهرب بتنتصر على أي استعراض مصطنع. ساعتها لسان حال الجمهور بيقول: “اجري ياض يا مجدي”.
مهرجانات الشوارع: مسرح الهواة والضحك للركب
بعيداً عن الحلبات الرسمية والمنظمة، فيه بقى نوع تاني خالص من المواجهات، وده منجم ذهب للكوميديا. بنتكلم هنا عن مهرجانات “جري الثيران” في الشوارع، وأشهرها طبعاً مهرجان سان فيرمين في مدينة بامبلونا الإسبانية. هنا مفيش ماتادور محترف، ولا بدل مطرزة، ولا قواعد.
هنا فيه آلاف من الهواة، شباب متحمس، سياح عايزين يجربوا مغامرة، وفي كتير منهم بيكونوا شاربين حاجة ومغيبين عن الواقع. الناس دي كلها بتتجمع في شوارع ضيقة، وبيطلقوا وراهم مجموعة من الثيران الهائجة، والمطلوب منهم يجروا قدامهم لحد ما يوصلوا للحلبة.
المهرجانات دي هي التعريف الحقيقي للكوميديا السوداء. بتشوف كمية مواقف لا يمكن تأليفها. تشوف واحد عامل فيها ناصح وفاكر نفسه سريع، فيستنى لحد الثور ما يقرب منه أوي عشان يجري، فيكتشف إن الثور أسرع منه بكتير، فتكون النتيجة “زقة” محترمة من ورا تخليه يطير في الهوا وينزل على مجموعة ناس تانية.
وتشوف مجموعة ناس بيجروا ويبصوا وراهم برعب، فأول واحد يتكعبل ويقع، والتاني يقع فوقه، والتالت فوقهم، وتتكون كومة بشرية ضخمة في نص الشارع، والثور ييجي يلاقي السكة مسدودة بيهم فيقف مستغرب مش عارف يعدي منين. المواقف دي بتتصور وبتبقى تريند كل سنة، لأنها بتظهر الفجوة الكبيرة أوي بين الثقة الزائدة بالنفس (“أنا هقدر أجري أسرع من الثور”) وبين الواقع المؤلم والمضحك في نفس الوقت.
وفيه بقى النوع اللي بيحاول يستنصح ويطلع فوق عمود نور أو شباك واطي، فيتزحلق وينزل تاني على قفاه قدام الثور مباشرة، في موقف يخليك تقول “يا أرض انشقي وابلعيني”. الفيديوهات دي بتحقق ملايين المشاهدات مش عشان الناس بتحب العنف، لأ، عشان الناس بتحب تشوف المقالب الطبيعية اللي بتحصل للناس اللي بتحط نفسها في مواقف أكبر منها.
الجمهور.. فاكهة القعدة
مينفعش ننسى دور الجمهور في الكوميديا دي. مدرجات مصارعة الثيران دي فيها شخصيات لوحدها حكاية. تلاقي “الخبير الاستراتيجي”، وده غالباً راجل عجوز قاعد في الصف الأول، ماسك سيجار، وعمال ينتقد كل حركة بيعملها الماتادور: “لأ مش كده يا فاشل! وسع لليمين شوية! إيه اللعب التعبان ده!”. الراجل ده لو نزل الحلبة هيغمى عليه في ثانيتين، بس هو قاعد ينظر من بره.
وتلاقي مجموعة السياح اللي أول مرة يحضروا، ودول ردود أفعالهم لوحدها كوميديا. الستات اللي بتصوت مع كل حركة حتى لو الثور لسه متحركش، والرجالة اللي عاملين فيها جامدين بس أول ما الثور يقرب ناحية سور المدرجات تلاقيهم نطوا خمس صفوف لورا. تفاعلات الجمهور وخوفهم المبالغ فيه أحياناً بيكون أضحك من اللي بيحصل جوه الحلبة نفسها.
الجدل الأخلاقي: تراث لازم نحميه ولازم نلغيه؟
طبعاً، لا يمكن كتابة مقال عن مصارعة الثيران في عصرنا الحالي من غير ما نتكلم عن الجدل العنيف الدائر حولها. العالم اليومين دول مقسوم نصين بحدة تجاه التقليد ده. الموضوع مبقاش مجرد ترفيه، بقى قضية رأي عام عالمية.
بالنسبة للمؤيدين وعشاق اللعبة في إسبانيا وغيرها، دي مش مجرد رياضة، دي جزء لا يتجزأ من الهوية الوطنية بتاعتهم، تراث ورثوه عن أجدادهم بقاله قرون. بيشوفوها فن راقٍ بيجسد الصراع الأبدي بين ذكاء الإنسان وقوة الطبيعة الغاشمة. وبيقولوا كمان إن الصناعة دي هي السبب الوحيد في الحفاظ على سلالة الثور الإسباني المقاتل، ولولاها كانت السلالة دي انقرضت من زمان لأن ملهاش استخدام تاني اقتصادي.
على الجانب الآخر تماماً، وبقوة متزايدة، بيقف نشطاء حقوق الحيوان وجزء كبير جداً من الرأي العام العالمي، خصوصاً الشباب. الناس دي شايفة إن مصارعة الثيران دي “همجية” لا تليق بالعصر الحديث. بالنسبالهم، ده ترفيه قاسي مبني على إزهاق روح حيوان لا حول له ولا قوة. الضغط ده مش قليل، ونجح فعلاً في أماكن كتير. إقليم كتالونيا المشهور في إسبانيا (اللي فيه برشلونة) منع مصارعة الثيران تماماً، ودول تانية بدأت تحط قيود شديدة عليها. الشعبية بتاعتها بتقل بين الأجيال الجديدة اللي بتشوف إن المتعة مينفعش تيجي على حساب معاناة كائن حي.
الخاتمة: سحر غامض يرفض الموت
في النهاية، بتفضل مصارعة الثيران ظاهرة معقدة جداً وصعبة الفهم لو بصيتلها نظرة سطحية. هي مزيج غريب وعجيب من الجمال الوحشي للاستعراض، والخطر الحقيقي الموجود في كل لحظة، والكوميديا العبثية اللي بتطلع لما الأمور بتبوز. إنها بتذكرنا بغرائزنا البدائية في مواجهة الخطر، وبقدرتنا الغريبة كبشر على إيجاد الترفيه على حافة الهاوية.
سواء كنت من الناس اللي بتشوفها فن أصيل وتراث يستحق الحفاظ عليه، أو كنت بتشوفها ممارسة بربرية وقاسية يجب أن تنتهي فوراً، فيه حاجة واحدة محدش يقدر ينكرها: القوة البصرية والعاطفية الرهيبة اللي بتحملها اللحظة دي. اللحظة اللي بيقف فيها رجل وحيد، لابس بدلة بتبرق، في مواجهة ثور هائج وزنه نص طن، وكل الاستاد ساكت وحاطط إيده على قلبه، في انتظار إن الأقدار تقرر.. هل المشهد القادم هيكون استعراض مبهر، ولا لقطة كوميدية هتلف العالم وتضحك ملايين البشر على “البطل” اللي طلع يجري.
عشان تشوف بعينك المواقف الكوميدية دي، ولما الهيبة بتقع في الأرض والسيناريو بيتقلب ١٨٠ درجة.. اتفرج على المقاطع دي اللي هتموتك من الضحك: