شوال الرز اللي رجّع الحق… حكاية الستر اللي غيّر مصيرنا

شوال الرز اللي رجّع الحق… حكاية الستر اللي غيّر مصيرنا


شوال الرز اللي رجّع الحق… حكاية الستر اللي غيّر مصيرنا

في سنة 1986 كنت لسه طفل مكمل اتناشر سنة بالعافية، سن صغير لكن شايل هم أكبر من عمري، مش عشان كنت أذكى من سني ولا أسبق من جيلي، لكن عشان الدنيا في قريتنا كانت بتخلّف لك على كتفك حجر من غير ما تستأذن. الزمن وقتها ماكنش بيرحم حد، خصوصًا في قريتنا الصغيرة اللي عايشة على الهامش، لا بتشوف خير المدن ولا حتى بتلحق فتات الأمل، والناس فيها كانت بتعرف تضحك في وش بعض وهي موجوعة، وتعرف تقول “الحمد لله” وهي مش لاقية غيرها. البيوت كلها شبه بعض: طين متشقق في الحيطان، سقف من الجريد، وأبواب خشب قديم بتصرّ مع كل نفس هوا، والزرع حوالينا أخضر بس القلوب تعبانة، والليل لما ينزل يزود على الهم همّ، ويخلي أي صوت بعيد كأنه نحيب. عندنا في البيت، سفرة العشا كانت دايمًا نفس الحكاية: شوية رز أبيض، أحيانًا متلقحين ببطاطا أو ذرة، ولو ربنا كرم تبقى معاهم شوربة خضار خفيفة قوي—مية سخنة فيها ريحة بصل وخلاص—من غير لحمة ومن غير دسم. كنا ناكل مش علشان نشبع، لكن علشان نسكّت وجع الجوع وننام، كأن النوم سترة من السؤال اللي بيبص لك في عينك: هتعملوا إيه بكرة؟

أبويا كان مات بدري وساب أمي واقفة لوحدها قدّام الدنيا، ست بسيطة في شكلها لكن في قلبها صخر، شايلة جبل على ضهرها من غير ما تقول “اتقل”، تلاتة عيال، ولا معاش، ولا دخل ثابت، غير شغل الغيطان والبيوت. كانت تصحى قبل الشمس، تلف طرحتها كأنها بتربط بيها يوم جديد على راسها، وتخرج وإحنا لسه نايمين، وترجع قبل المغرب ضهرها محني ووشها مهدود، بس عمرها ما اشتكت. الصمت كان لغتها، والصبر كان سلاحها، وفي الوقت اللي الناس كانت بتقعد فيه تحكي عن قسوة الدنيا، أمي كانت بتتخانق مع القسوة جوّاها من غير ما تديها فرصة تطلع. إحنا كنا عايشين، بس مش حاسين بالأمان؛ دايمًا حاسس إن بكرة ممكن يكون أسوأ، وإن اللي عندك دلوقتي حتى لو قليل ممكن يطير في لحظة، وإن الفقر مش بس قلة فلوس، الفقر كمان إحساس دايم بالكسرة، وإحساس إنك بتعتذر لمجرد إنك موجود.

اليوم اللي عمري ما نسيته كان يوم شتا تقيل، العصر قرب، والبرد كان داخل من كل حتة كأنه عايز يقعد معانا على الأرض. الريح بتلطش في الغيطان وتدخل من الشقوق، وصوتها يعمل زي العويل، والسماء كانت رمادي من النوع اللي يخليك تحس إن الشمس اتكسفت تطل. شفت أمي واقفة قدام خزينة الرز، الخزينة الخشب الصغيرة اللي كانت بالنسبة لنا خط الدفاع الأخير، فتحتهـا، ومدّت إيديها جوّاها، ولمّت آخر حبات رز كانت مستخبية في القاع، كأنها بتلمّ بقايا أمل. وقفت لحظة، وسكتت، وبعدين طلعت تنهيدة طويلة قوي… تنهيدة حسّيتها خرّبت قلبي، لأن التنهيدة دي ماكانتش تنهيدة تعب يوم، دي كانت تنهيدة سنين، تنهيدة واحدة بس اتلمّت فيها كل اللي مش قادرين نقوله.

بصّت لي، حاولت تبتسم، بس الابتسامة طلعت مكسورة، وقالت بصوت واطي كأنه بيستأذن الجدار يسمعه: “يا حبيبي، روح لخالتك أمينة استلف منها شوية رز… وبكرة ربنا يفرجها ونردهولها.” الكلام كان بسيط، بس تقيل، وكنت فاهم من نبرة صوتها إن مفيش بديل، وإنها بتطلب مني حاجة أكبر من “شوية رز”، بتطلب مني أروح أواجه إحساس الاستلاف بعيني. خدت السبت القديم اللي إيده مكسورة ومربوطة بسلك، وخرجت. رجلي كانت تقيلة، مش من الطين بس، من اللي جوّايا. كنت حاسس إن كل اللي في الطريق شايفني، عارف إني رايح أستلف أكل، ووشي كان في الأرض، وكل خطوة كنت حاسسها بتسحب مني حاجة. كنت أسمع صرير الباب اللي قفلته ورايا، وأحس كأني قفلت وراه كرامتي معاها، وفتحت على نفسي باب سؤال ما بحبوش: “هو إحنا وصلنا لكده؟”

الطريق لبيت خالتي أمينة ماكانش بعيد، لكنه يومها كان أطول من العادة. كل حجر في السكة كان بيقول لي “اتكسف”، وكل نظرة من حد قاعد على المصطبة كانت بتخلي قلبي يدق بسرعة، رغم إن يمكن ماحدش كان واخد باله بيّا أساسًا. وصلت بيت خالتي أمينة، ست كبيرة في السن، هادية، عمرها ما علي صوتها، وعينيها دايمًا فيها حكمة من النوع اللي يتولد من الخسارة. لما فتحت الباب وشافتني، ما سألتش كتير، كأنها كانت عارفة إن في رزق بيتقسم وفي وجع بيتدارى. أول ما قلتلها إن أمي محتاجة شوية رز، بصتلي بصّة غريبة… بصّة فيها شفقة وفيها وجع وفيها حاجة تانية ما فهمتهاش ساعتها، كأنها شايفة مشهد قديم بيتكرر، أو كأنها بتقيس اللحظة اللي هتختار فيها الستر على الفضيحة. دخلت المطبخ من غير كلام، وسمعت صوت شكاير بتتحرك، صوت تقيل يضرب في الأرض كأنه بيخبّط على باب سر قديم. وبعد شوية رجعت شايلة شوال رز تقيل قوي، أكبر من اللي كنا بنستلفه عادة، وحطته قدامي وقالت بصوت واطي: “خد ده لأمك… وما تتكسفش يا واد، إحنا أهل.”

في اللحظة دي، كل حاجة وحشة جوايا خفّت، كأن الكلمة دي “إحنا أهل” شالت حمل من صدري. شلت الشوال بالعافية—كنت طفل، وكتفي صغير—بس قلبي كان طاير. ما حسّتش بالبرد ولا بالريح، كل اللي في دماغي إن أمي هتفرح وإننا هنشبع، وإن البيت هيرجع فيه صوت معلقة بدل صوت تنهيدة. رجعت وأنا بنهج، والسبت المكسور بيتأرجح في إيدي، والوحل لازق في رجلي، ومع ذلك كنت حاسس إني راجع بحِمل فيه الحياة. دخلت البيت وقلت بصوت عالي: “ياما! شوفي… خالتو أمينة ادتنا رز كتير قوي!” أمي جت تجري وساعدتني ندخل الشوال، قعدت على الأرض، فتحت فمه عشان تطلع شوية رز. وفجأة… إيديها وقفت. وشها اتغيّر، لونها راح، وعينيها وسعت. مدّت إيديها جوّا الشوال وطلعت حاجة مش رز… كان طرف صندوق خشب صغير، لونه بني غامق، ريحته بخور قديم، ومدفون بعناية وسط الرز كأنه سر لازم يتسلم من غير ضجة.

سكتنا. حتى الريح اللي كانت بتعوي برا كأنها سكتت لحظة. أمي شالت الصندوق، إيديها بتترعش، والرز بينزل من عليه حبة حبة زي ما تكون الحبات دي بتبعد علشان تسيب الساحة للحقيقة. فتحته ببطء شديد، لقينا جواه جواب قديم، ورقة صفرا متطوية بعناية، ومعاها مفتاح حديد تقيل، من النوع اللي بيكون ليه صوت وهو بيتخبط في الخشب. أمي بدأت تقرا، وصوتها كان بيتقطع من العياط، مش عياط الضعف… عياط اللي بيتولد لما قلبك يلاقي حاجة كان فاقدها. الجواب كان من جدي الله يرحمه، بيحكي الحقيقة اللي اتدفنت سنين: حق أمي في أرض الساقية، عقد الملكية الحقيقي، وسِر “السندرة” القديمة اللي فيها باقي الورق، واسم الشخص اللي استولى على الحق تحت عنوان “الستر على البيت” بينما هو كان بيستر على نفسه ظلم.

وقتها فهمت كل حاجة دفعة واحدة، كأن السنين اللي فاتت اتجمعت في دقيقة. شوال الرز ماكانش رز وبس. كان ستر، وكان طريقة ذكية توصل الحق من غير ما تجرح كرامة حد، ومن غير ما تفتح على أمي باب كلام الناس. خالتي أمينة كانت شايلة الأمانة سنين، مستنية اللحظة اللي نكون فيها محتاجين الستر بجد، مش محتاجين رز وبس. يمكن هي كانت عارفة إن الحق مش هيرجع بصوت عالي، وإن الورق لو طلع في وقت غلط ممكن يجرّ علينا مصايب من أعمامي، وإن الناس لما تحس إن في أرض هتتقسم، ممكن تعمل اللي ما يعملوش الشيطان. فاختارت “الشوال” لأنه أكبر من أي شك، وأهدى من أي مواجهة، ولأنه يدخل البيوت من غير ما يسأل، ويطلع منه السر من غير ما يفضح.

تاني يوم أمي قامت بدري قوي، كانت مختلفة، مش نفس الست اللي بتدخل البيت ضهرها محني، كانت واقفة مستقيمة كأنها رافعة روحها بإيديها. بصّت في السقف وقالت: “ربنا كبير.” لبست طرحتها وخدتني من إيدي وخرجنا، وأنا لأول مرة أحس إن إيدي في إيد أمي مش بس علشان ما أتوه، لكن علشان أشهد. الشرر كان طالع من عينيها—مش غضب أعمى—قوة، زي قوة اللي أخيرًا عرف الدليل، واللي عرف إن الحق لما يبقى مكتوب بختم كبير العيلة ما يبقاش فيه هزار. رحنا بيت أعمامي، لقيناهم قاعدين بيقسموا محصول أرض هي أصلًا حقنا، وبيتكلموا عن “ميراث” كأن أمي ما كانتش بنت أبونا الكبير، وكأن الجوع اللي أكلناه سنين كان ضريبة إننا سكتنا. واحد منهم ضحك بسخرية وقال: “خير يا أم الولاد؟ خلصتوا الرز؟”

أمي ما ردتش على السخرية، لأن السخرية لو لقت رد بتكبر. سحبت الصندوق الخشب من تحت شالها ورمته على الترابيزة رمية محسوبة، مش رمية تهور، كأنها بتقول: “أنا مش جاية أتشاكل… أنا جاية أقفل باب مفتوح بقاله سنين.” لما شافوا الجواب والمفتاح، وشوشهم اتغيرت، زي اللي اتقفش وهو بيسرق في النور. قراوا سطرين، وبصّوا لبعض، وبدأوا يبلعوا ريقهم بصعوبة. أمي قالت بصوت ثابت: “الحق ده حقي، والورق ده عليه ختم أبويا. يا ترجعوه بالحسنى، يا بكره الصبح يبقى عند المأمور.” الكلمة دي “المأمور” وقتها كانت زي الطلقة، مش عشان الشرطة، لكن عشان العار اللي يخافوا منه، عار إن القرية كلها تعرف إنهم أكلوا حق أختهم. وأنا كنت واقف جنب أمي، حاسس إن ظهري لأول مرة ما فيهوش انحناءة، وإن الشوال اللي رجّع الحق بقى واقف في خيالي زي راية.

الليلة دي الحق رجع… مش بس الأرض، كمان كرامتنا. رجعنا البيت وإحنا حاسين إن البيت نفسه اتنفس. لقينا خالتي أمينة مستنيانا، أول ما شافت أمي فتحت دراعها وحضنتها حضن طويل، حضن الست اللي كانت شايلة سر سنين وبتحاول ما يقعش منها. وقالت جملة عمري ما نسيتها: “الرز كان حُجة… كنت مستنية أعرف إنك قوية.” الجملة دي ما كانتش مدح، كانت شهادة. خالتي أمينة كانت عارفة إن الورق لوحده ما يرجعش حق، لازم اللي ماسكه يبقى واقف على رجليه، لازم يبقى مستعد يتكلم، ومش كل حد يقدر. أمي يومها قدرت، مش عشان اتغيرت فجأة، لكن عشان اتسندت بالدليل واتسندت بظهر ربنا.

من اليوم ده حياتنا اتغيرت، ومش بمعنى إننا بقينا أغنيا فجأة ولا إن الدنيا بقت ورد، لكن إحساس الأمان اتولد من جديد. الأرض اللي رجعت ما كانتش بس قطعة أرض، كانت باب رزق، وكانت إثبات إن السكوت على الظلم مش فضيلة، وإن الستر الحقيقي مش إنك تغطي على باطل، الستر الحقيقي إنك تحافظ على بيتك من غير ما تسيب حقك للريح. أمي اشتغلت في الأرض بضمير، وابتدت تحوش، وابتدت تخلّي البيت يلمع من غير ما تستلف، وإحنا العيال كبرنا وإحنا شايفين إن الكرامة مش كلمة، الكرامة فعل. لكن رغم كل اللي اتغير، شوال الرز فضل رمز… رمز إن الستر ممكن ييجي في شكل أكل، وإن السر ممكن يتخبّى وسط الحبوب، وإن ربنا ساعات يبعت لك الحق في إيد حد مش لازم يعلن نفسه بطلاً.

مرت السنين وعدّت الأيام، وكبر الواد اللي كان شايل السبت المكسور ورايح يستلف رز وهو مكسور العين. كبرت، واتعلمت، واشتغلت، وبقيت راجل له اسمه وكيانه، هدومه نضيفة، وكلمته مسموعة، وإيده مبسوطة. بس رغم كل اللي اتغير، عمري ما نسيت اليوم اللي كنت واقف فيه قدام خزينة الرز الفاضية، ولا نظرة أمي وهي بتلم آخر الحبات بإيديها. أمي كانت دايمًا تقول لي: “الحق اللي بيرجع بالصبر، لازم يتحافظ عليه بالجبر.” وكانت عارفة إن ربنا ما رجّعش حقنا عشان ننتقم ولا عشان نتعالى، لكن عشان نفهم، ونعلم غيرنا معنى الستر. ومن ساعتها وأنا عامل عهد بيني وبين نفسي: كل سنة، في نفس المعاد تقريبًا، في يوم عصر والجو ساقعة والريح تمشي في الغيطان بنفس الصوت القديم، أجهّز شوال رز مخصوص… مش أي شوال، أحسن أنواع الرز، أبيض نضيف، حبة كاملة، ريحته تفتح النفس.

كنت أملأ الشوال بإيدي وأنا فاكر نفسي صغير، وإيدي بتترعش من البرد والكسرة، وبعدين أسيبه لحظة كأنه كائن حي يتنفس، وأحط في وسطه صندوق خشب صغير شبه الصندوق اللي غيّر حياتنا، نفس الحجم تقريبًا ونفس اللون الغامق، بس الفرق إن اللي جواه ما كانش عقد ولا ورق. كنت بحط مبلغ محترم، مبلغ يكفي عيلة كاملة تعيش سنة من غير ما تمد إيدها لحد، مبلغ يشيل عنهم همّ السؤال والكسرة. وكنت بطلع أوزع الرز بنفسي، ما أحبش حد يعملها مكاني، لأني كنت محتاج أشوف الوجوه، أسمع الدعوة، وأشوف النظرة اللي بتطلع لما حد يحس إن ربنا فاكره… النظرة اللي أنا شوفتها زمان في عيني أمي لما فتحنا الشوال ولقينا السر، ونفس النظرة اللي شفتها في عيني خالتي أمينة وهي بتقول “إحنا أهل” من غير ما تجرحني.

وفي سنة من السنين، وأنا ماشي في حارة ضيقة من حواري القرية، لمحت شاب واقف وراسه في الأرض، شكله مألوف. قربت شوية، ودققت في وشه، ولقيت في ملامحه حاجة من زمان، زي نسخة صغيرة من وجوه أعمامي اللي كانت بتضحك بسخرية. عرفت إنه حفيد واحد من أعمامي… نفس العم اللي كان بيضحك زمان ويقول لأمي: “خلصتوا الرز؟” الدنيا دارت، واللي كانوا أصحاب أرض وبطش بقوا محتاجين، واللي كانوا غلابة بقوا ساترين. الشاب كان واقف متردد، واضح عليه الفقر والكسرة، وهدومه مهما حاول يخبي كانت بتفضح اللي هو فيه. نديت عليه باسمه، رفع عينه بخجل، أول ما عرفني وشه جاب ألوان، كأنه خايف مني، أو خايف من الماضي، أو خايف من كلمة “حق” تطلع في وشه.

مدّيت له شوال الرز وحطيت الصندوق الخشب فوقه، وقلت له بنفس الصوت الواطي اللي سمعته من خالتو أمينة زمان: “خد ده يا واد… وما تتكسفش، إحنا أهل.” الكلمة خرجت من قلبي قبل لساني، لأن في اللحظة دي فهمت إن العدل مش دايمًا بييجي بالعقاب، أحيانًا بييجي بالجبر، وإن ربنا بيكمل الدائرة بطرق أغرب من خيالنا. الشاب بصّ لي كأنه مش مصدق، عينيه لمعت والدموع اتحبست، لا هو قادر يشكر ولا قادر يتكلم، يمكن لأنه لأول مرة حد يمد له حاجة من غير ما يجرّحه، أو يمكن لأنه حس إن الماضي، بكل قسوته، ممكن يتحول لرحمة. سابته يمشي بالشوال كأن الشوال ده مش أكل وبس، ده ستر من نوع جديد.

رجعت بيتي في آخر اليوم وقعدت في الصالة لوحدي. بصّيت على السبت القديم اللي لسه محتفظ بيه في ركن بعيد… نفس السبت اللي إيده كانت مكسورة ومربوطة بسلك. ما رميتهوش، وما عمره اتصلّح. سايبُه زي ما هو علشان يفضل شاهد، لأن بعض الأشياء لو اتصلّحت بتفقد معناها، والسبت ده معناه في كسره. ابتسمت وقلت في سري: “يا سبحان الله… شوال الرز اللي رجّع الحق كشف المستور، وصندوق خشب رجّع الكرامة، وكلمة طيبة جبرت الخواطر لآخر العمر.” وقتها فهمت المعنى الحقيقي للورث. الورث مش الأرض ولا الفلوس ولا العقود. الورث الحقيقي هو نضافة القلب، واليد اللي بتدي وهي مطمّنة، والعين اللي تشوف وجع غيرها قبل ما تشوف نفسها.

أمي زرعت فينا المعنى ده من غير ما تشرحه، عيشناه قبل ما نفهمه. وعرفت إن اللي بيسيب حق ربنا في رزقه ربنا بيبارك له في أصله، وإن خزينة الرز اللي فضيت في سنة 1986 هي نفسها اللي مليت بيوتنا وبيوت ناس كتير خير لحد النهارده… خير ما خلصش ولا هيخلص. ومن يومها، كل ما أسمع حد بيقول “الستر” بابتسامة سريعة، أفتكر إن الستر مش كلمة نرميها ونمشي، الستر فعل طويل النفس، زي شوال رز تقيل يتشال على كتف طفل، وزي صندوق خشب يتخبّى وسط الحبوب لحد ما ييجي معاده، وزي أم واقفة قدام ظلم سنين وتقول بصوت ثابت: “الحق ده حقي.” وفي النهاية، أفتكر إن ربنا لما يحب يرد حق، ساعات يبعته في شكل بسيط… حاجة الناس كلها بتشوفها عادية، زي رز… لكن جوّاها حياة كاملة بتتغير.

 


 

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان