الصرخة التي جاءت من القبر
منذ اليوم الذي دُفنت فيه أختي دعاء، لم يعد بيتنا كما كان أبدًا. كان الحزن يملأ كل زاوية فيه، وكأن الهواء نفسه صار ثقيلًا لا يُحتمل. اختفت أصوات الضحك التي كانت تملأ المكان، وتحوّلت أيامنا إلى صمت طويل تتخلله دموع مفاجئة لا نعرف متى تأتي ولا كيف تتوقف. كنا نظن أن الزمن، كما يفعل دائمًا، سيأخذ ببطء جزءًا من هذا الألم، لكن ما حدث بعد أسبوعين من وفاتها كان كفيلًا بأن يجعل الحزن يبدو أقل قسوة مما كنا على وشك أن نعيشه.
في البداية، كانت أمي تستيقظ ليلًا وهي ترتجف، تتنفس بسرعة كأنها كانت تهرب من شيء لا نراه. كنا نعتقد أنها مجرد كوابيس طبيعية تمر بكل أم فقدت ابنتها، وكانت تردد لنا نفس الجملة كل صباح: “مجرد حلم مزعج… وهيعدي.” لكن الغريب أن الحلم لم يعد مجرد حلم عابر، بل صار ضيفًا ثابتًا يأتي كل ليلة في نفس التوقيت، بنفس التفاصيل، بنفس الصرخة التي تقول إنها كانت تسمعها بوضوح شديد، كأنها صرخة حقيقية لا صوتًا داخل النوم.
كانت أمي تقول إن دعاء تظهر لها في المنام بوجه شاحب، وعينين مليئتين بالخوف، وتظل تصرخ وتطلب النجدة، لكن ما كان يربكنا أكثر هو أن دعاء، في الحلم، لم تكن تستغيث بنا نحن، بل كانت تنادي زوج أمي بالاسم، تكرر اسمه كأنها تطلب منه تحديدًا أن ينقذها. في البداية تجاهلنا الأمر، وقلنا إن العقل قد يصنع صورًا غريبة تحت وطأة الحزن، لكن تكرار المشهد كل ليلة بدأ يترك أثرًا واضحًا على نفسية أمي.
مع مرور الأيام، بدأت أمي تفقد قدرتها على النوم. صار وجهها شاحبًا، وعيناها محمرتين دائمًا، وكأنها لم تذق الراحة منذ زمن بعيد. كانت تجلس أحيانًا لساعات طويلة تحدق في الفراغ دون أن تتكلم، وعندما نحاول سؤالها، كانت تكتفي بهز رأسها وكأن الكلمات لم تعد قادرة على التعبير عما يدور داخلها. شعرت لأول مرة أن الحزن يمكن أن يدفع إنسانًا إلى حافة الانهيار دون أن يلمسه أحد.
وفي أحد الأيام، جمعتنا أمي جميعًا في غرفة الجلوس، كان صوتها هادئًا لكنه يحمل نبرة حسم لم نسمعها منها من قبل. قالت لنا إنها اتخذت قرارًا لن تتراجع عنه، قرارًا قد يبدو مجنونًا في نظرنا، لكنها كانت ترى فيه الطريق الوحيد لفهم ما يحدث. قالت إنها تريد أن تذهب إلى المقابر، وأن تفتح تربة دعاء لتتأكد بنفسها مما إذا كان ما تراه في أحلامها مجرد وهم أم أن وراءه سرًا لم يُكشف بعد.
في تلك اللحظة، شعرت أن الأرض تهتز تحت قدمي. لم أستوعب كيف يمكن أن تفكر أمي في شيء كهذا، وكيف يمكن أن تقودها الأحلام إلى قرار بهذه الخطورة. حاولت أن أهدئها، وقلت لها إن ما تراه طبيعي بعد فقدان ابنتها، وإن الذهاب إلى المقابر لن يجلب لها سوى مزيد من الألم، وربما غضب زوجها الذي كان دائمًا يقف بجانبنا ويساندنا في أصعب الظروف.
لكن أمي نظرت إليّ بنظرة حزينة، وكأنها لم تعد ترى الأمور كما نراها نحن. قالت إن الأمر لم يعد مجرد حزن أو كابوس، بل شعور داخلي لا تستطيع تجاهله، إحساس بأن دعاء تحاول أن تخبرها بشيء مهم، وأن تجاهل ذلك النداء سيجعلها تفقد عقلها تدريجيًا. كانت كلماتها مشحونة بإصرار غريب، وكأنها تخشى أن يفوتها الوقت إن لم تتحرك فورًا.
بعد أن انتهى النقاش دون نتيجة، أخذتني أختي الكبرى سلوى جانبًا، وقالت إن أمي لم تعد تتحمل الضغط النفسي، وإن رفضنا الذهاب معها قد يزيد حالتها سوءًا. اقترحت أن نذهب سرًا دون علم زوجها، فقط لنسمح لأمي بزيارة دعاء لعل ذلك يهدئ قلبها، ويقنعها بأن ما يحدث مجرد أوهام.
لم أكن مقتنعة، لكنني وافقت في النهاية لأنني رأيت في عيون أمي خوفًا لم أره من قبل. وفي صباح اليوم التالي، ركبنا جميعًا السيارة واتجهنا نحو المقابر. كان الطريق طويلًا وصامتًا، وكأن كل واحدة منا كانت غارقة في أفكارها. أما أنا، فكنت أفكر في زوج أمي، الرجل الذي لم يقصر معنا يومًا، والذي قدم لنا دعمًا لا يقدره أحد. لم أستطع أن أتخيل كيف يمكن أن تشك أمي في شخص مثله لمجرد حلم متكرر.
عندما وصلنا إلى المقابر، شعرت ببرودة غريبة تسري في جسدي. المكان كان هادئًا بشكل مخيف، والهواء ساكن كأنه يحمل ذكريات لا تُحكى. بعد أن دفعنا للحارس مبلغًا من المال ليسمح لنا بالدخول، وقفنا أمام تربة دعاء، لكن أمي لم تستطع أن تتحرك. كانت تنظر إلى المكان كأنها ترى فيه شيئًا لا نراه، وفجأة فقدت وعيها وسقطت بين أيدينا.
جلسنا بجانبها نحاول إفاقتها، بينما قررت سلوى الدخول مع أختنا الأخرى عايدة لتفقد التربة. بقيت أنا خارجًا، قلبي يخفق بسرعة، وأفكار كثيرة تتصارع في رأسي. لم تمضِ سوى دقائق قليلة حتى خرجتا مسرعتين، وجهيهما شاحبان، وأنفاسهما متقطعة، وكأنهما رأتا شيئًا لا يمكن تصديقه.
لم تجيباني حين سألتُهما عما حدث، بل أصرتا على مغادرة المكان فورًا. حملنا أمي وعدنا إلى البيت في صمت ثقيل، وكل واحدة منا تحاول أن تخفي خوفها. وعندما استعادت أمي وعيها لاحقًا، كان أول سؤال وجهته إلينا هو: “ماذا رأيتن؟”.
لكننا لم نكن مستعدات للإجابة، لأن ما حدث داخل التربة لم يكن مجرد شيء يمكن وصفه بسهولة. كان سرًا كبيرًا بدأ يلوح في الأفق، سرًا سيغير حياتنا كلها ويكشف حقيقة لم نتخيل يومًا أنها قد تكون قريبة منا إلى هذا الحد.
في تلك الليلة، لم يغمض لي جفن. كانت صورة سلوى وعايدة وهما تخرجان من التربة بوجوه شاحبة تطاردني كلما حاولت أن أستريح. ظللت أتقلب في فراشي ساعات طويلة، أستعيد المشهد مرة تلو الأخرى، وأسأل نفسي سؤالًا واحدًا لا أجد له إجابة: ماذا رأتا بالضبط؟ ولماذا بدا عليهما ذلك الرعب الذي لم أشهده في حياتي؟ كان البيت كله غارقًا في صمت ثقيل، لكن ذلك الصمت لم يكن مريحًا، بل كان ممتلئًا بالتوتر، كأن جدران المنزل نفسها تعرف أن شيئًا كبيرًا على وشك أن ينكشف.
في الصباح التالي، لاحظت أن سلوى تتجنب النظر إلى عيني، وكانت تتحرك داخل البيت بسرعة وكأنها تحاول الهروب من فكرة تلاحقها. أما عايدة، فكانت أكثر صمتًا من المعتاد، تجلس في ركن بعيد وتمسك هاتفها دون أن تستخدمه، وكأنها تحتاج إلى شيء تشغل به يديها فقط لتمنع نفسها من التفكير. أدركت أن الأمر أكبر من مجرد خوف لحظي، وأن ما رأوه داخل المقبرة ترك أثرًا حقيقيًا في نفوسهما.
لم أستطع التحمل أكثر، فدخلت غرفة سلوى وأغلقت الباب خلفي. جلست أمامها مباشرة وقلت لها إن الصمت لن يحل شيئًا، وإنني لن أستطيع الاستمرار في العيش بهذا القلق دون أن أعرف الحقيقة. نظرت إليّ طويلًا قبل أن تتنهد بعمق، وكأنها كانت تقاوم رغبة قوية في البكاء، ثم قالت بصوت منخفض إن ما حدث داخل التربة لم يكن شيئًا خارقًا كما تخيلت، لكنه كان شيئًا أكثر إيلامًا من ذلك بكثير.
قالت إنها عندما دخلت مع عايدة، كان المكان مظلمًا وباردًا، ورائحة التراب تملأ الهواء. في البداية، لم تلاحظا شيئًا غريبًا، لكن عايدة، التي كانت تمسك بمصباح صغير، لاحظت أن الغطاء الخشبي للنعش لم يكن مثبتًا بإحكام كما يجب. كان هناك فراغ بسيط في أحد الجوانب، وكأن أحدًا حاول فتحه ثم أغلقه بسرعة دون أن يهتم بإعادته إلى مكانه الصحيح.
عندما اقتربتا أكثر، رأتا شيئًا جعلهما تتجمدان في مكانهما. كانت هناك قطعة قماش صغيرة ملتصقة بحافة النعش من الداخل، قطعة تبدو ممزقة، وعليها آثار داكنة كأنها بقع قديمة. لم يكن المشهد مرعبًا بالمعنى التقليدي، لكنه كان يحمل إشارة واضحة إلى أن شيئًا غير طبيعي قد حدث بعد دفن دعاء.
في تلك اللحظة، شعرت أن قلبي يسقط في صدري. لم أكن أحتاج إلى سماع المزيد لأفهم لماذا أصيبتا بذلك الرعب. مجرد فكرة أن هناك احتمالًا لوجود تدخل بشري بعد الدفن كانت كفيلة بأن تجعل كل ما اعتبرناه حزنًا طبيعيًا يتحول إلى لغز مخيف.
سألتها بصوت مرتجف إن كانتا متأكدتين مما رأتا، فأجابت سلوى بحزم إنهما لمستا القماش بأيديهما، وإنهما شعرتا بأن هناك رائحة غريبة لم تكونا قد لاحظتاها في زيارات المقابر السابقة. قالت إنها حاولت تجاهل الأمر في البداية، لكنها لم تستطع، لأن شعورًا داخليًا أخبرها أن دعاء لم ترحل كما كنا نعتقد.
تجمدت الكلمات في حلقي وأنا أستمع إليها. لم يكن الأمر مجرد احتمال مقلق، بل كان بداية قصة أكبر بكثير من قدرتنا على استيعابها. فجأة تذكرت أحلام أمي، وصراخ دعاء الذي كانت تسمعه كل ليلة، ونداءها المتكرر باسم زوجها. كان كل شيء يبدو وكأنه قطع مبعثرة من صورة بدأت تتشكل أمامنا ببطء.
لكن أكثر ما أرعبني لم يكن القماش أو الغطاء غير المثبت، بل الصمت الذي خيم علينا بعد ذلك الاكتشاف. لم نعرف ماذا نفعل، ولم نجرؤ على إخبار أمي فورًا، لأننا كنا نخشى أن يدفعها ذلك إلى انهيار كامل. بقينا أيامًا نحاول التصرف كأن شيئًا لم يحدث، لكن الحقيقة كانت تثقل قلوبنا أكثر مع كل ساعة تمر.
وفي إحدى الليالي، بينما كنا نجلس في الصالة، خرجت أمي فجأة من غرفتها، وعيناها مليئتان بالدموع. قالت إنها رأت دعاء مرة أخرى في الحلم، لكنها هذه المرة لم تكن تصرخ فقط، بل كانت تشير بيدها إلى مكان مظلم خلفها، وتكرر جملة واحدة بصوت واضح: “أنا ما متش زي ما انتوا فاكرين.”
في تلك اللحظة، شعرت أن الأرض تدور من حولي. لم يعد بإمكاننا تجاهل ما يحدث أو إقناع أنفسنا بأنه مجرد أوهام. كان هناك شيء حقيقي خلف كل ذلك، شيء ينتظر أن نكشفه مهما كان مؤلمًا.
نظرت إلى سلوى وعايدة، ورأيت في عيونهما نفس الإدراك الذي وصل إليّ في تلك اللحظة. أدركنا جميعًا أن ما بدأ بحلم متكرر لن ينتهي بسهولة، وأننا على وشك الدخول في رحلة طويلة لاكتشاف حقيقة دفنت مع دعاء، لكنها لم تختفِ أبدًا.