عزومة السم: الحكاية التي بدأت بمحشي وانتهت بطلاق وفضيحة

عزومة السم: الحكاية التي بدأت بمحشي وانتهت بطلاق وفضيحة


عزومة السم: الحكاية التي بدأت بمحشي وانتهت بطلاق وفضيحة

اسمي نهى، ولو حد سألني قبل اللي حصل ده بأسبوع بس كنت هقول له إن حياتي بسيطة وهادية زي أي ست مصرية بتحاول ترضي جوزها وبيته. كنت فاكرة إن تعب المطبخ وتعب الأعصاب ممكن يتحول لحب واحترام في الآخر، وإن العيلة مهما كانت معقدة تفضل في النهاية “عيلة”. لكن اللي حصل في عزومة رابع يوم رمضان غير كل حاجة جوايا، وخلاني أفهم إن في بيوت شكلها دافئ من بره، لكن جوه مليانة نار ساكتة بتاكل كل اللي يقرب منها.

العزومة دي كانت دوري أنا. حماتي بنفسها قالتلي قبلها بيومين: “يا نهى، السنة دي انتي اللي هتشرفي البيت قدام الناس.” الجملة كانت بسيطة، لكن أنا فهمتها إنها امتحان. كنت دايمًا حاسة إن حماتي بتحبني، بس حبها مش واضح، فيه برود غريب، زي حد بيضحك بس عينه مش بتضحك معاه. رغم كده، صدقتها، واعتبرت إن اليوم ده فرصتي أثبت لها إني بنت بيت وتستاهل تبقى زوجة ابنها.

من الفجر وأنا في المطبخ. وقفت عشر ساعات على رجلي حرفيًا. حشيت محشي بكل أنواعه، عملت صواني لحمة، شوربة، سلطات، وحتى الحلويات. ريحة الأكل كانت مالية البيت، والعرق كان نازل من جبيني، لكن قلبي كان مبسوط. كنت متخيلة شكل جوزي وهو فخور بيا قدام أخواته، ومتخيلة حماتي وهي تقول للناس: “دي مراتي ابني… ست بيت بجد.”

حماتي كانت بتدخل وتخرج من المطبخ طول الوقت. كل شوية تقول: “تسلم إيدك يا بنتي… الله ينور.” كانت كلمات حلوة، لكن كان في حاجة في نبرة صوتها مخلية قلبي مش مرتاح. بس كنت بهدي نفسي وأقول: “يمكن أنا اللي بتوهم.”

وقت الفطار، السفرة اتملت، والكل قعد. جوزي كان مبتسم بفخر واضح، حتى هالة، سلفتي اللي دايمًا بيني وبينها توتر، كانت ساكتة وبتبص للأكل بتركيز غريب. قلت لنفسي: “يمكن النهاردة يوم خير… ويمكن أخيرًا علاقتنا تتحسن.”

لكن اللحظة اللي غيرت كل حاجة جات فجأة. هالة مدت إيدها تفتح طبق المحشي الرئيسي. أول ما رفعت الغطا، سابت المعلقة وصرخت بصوت عالي: “إيه ده؟! إيه اللي جوه ده يا نهى؟!”

الكل اتلفت. قلبي وقع في رجلي. قربت بسرعة، وبصيت جوه الطبق… وشفت حاجة عمرى ما كنت أتخيل أشوفها في أكلة من إيدي. ورقة ملفوفة بخيط، ومكتوب عليها اسمي بطريقة مرعبة.

ساعتها حسيت إن الدنيا بتسود. صوت الهمسات حواليا بدأ يعلى، ونظرات الشك اتحولت لاتهام واضح. كأن الكل في ثانية واحدة قرر إني مذنبة، حتى قبل ما أتكلم.

وقبل ما أنهار، حصل اللي صدمني أكتر من الورقة نفسها. حماتي بصت لي وضحكت. ضحكة باردة… مش ضحكة شماتة بس، لا، كانت ضحكة حد مستني اللحظة دي من زمان.

مسكت إيدي قدام الكل وقالت بهدوء غريب: “متقلقيش يا نهى… أنا عارفة مين اللي حطها.”

الجملة عملت صمت ثقيل في المكان. الكل بقى مستني تكمل. حماتي رفعت عينها لهالة وقالت: “أنا اللي حطيت الورقة.”

الصدمة كانت أقوى من أي كلمة. هالة اتجمدت، وجوزي بص لأمه بعدم فهم، وأنا حسيت إن الأرض بتتهز تحتي.

حماتي كملت كلامها بهدوء مرعب: “حطيتها عشان أكشف الحقيقة… لأن البيت ده بقاله سنين فيه حد بيلعب في الضلمة.”

هالة صوتها طلع مرتعش: “إنتي بتتهميني؟!”

لكن قبل ما تكمل، هالة فجأة ضحكت ضحكة هستيرية وقالت: “ماشي… طالما اللعبة اتكشفت، يبقى لازم نقول الحقيقة كلها.”

وبصت لي مباشرة وقالت جملة خلت قلبي يتوقف: “العمل ده مش ليا… ده معمول لحماتك.”

المكان كله انفجر بالكلام والصراخ. جوزي وقف مذهول، وأنا كنت واقفة مش فاهمة حاجة. حماتي لأول مرة ملامحها اهتزت.

هالة كملت وهي بتصرخ: “اسأليها يا نهى… اسأليها مين اللي مات من سنين… واسأليها إيه علاقتها بالموت ده.”

الجملة دي قلبت الترابيزة حرفيًا. لأننا كلنا عارفين إن حماتي فقدت ابن صغير زمان، وكان موته لغز محدش فهمه.

حماتي حاولت تسيطر على نفسها، لكن رعشة إيديها كانت واضحة. هالة قالت بصوت عالي: “الولد مات مسموم… وكان في أكل من إيدك يا نهى.”

الجملة كانت زي سكينة في صدري. أنا؟! أنا اللي قتلت طفل؟!

حاولت أتكلم، بس صوتي اختفى. جوزي بص لي بنظرة صدمة مخلوطة بالخوف. وفي لحظة غضب وانهيار، قال الكلمة اللي كسرت حياتي: “إنتي طالق.”

الدنيا لفت بيا. مش من الكلمة بس… لكن من الإحساس إن كل اللي بنيته انهار في ثانية.

لكن الحقيقة… الحقيقة اللي طلعت بعد كده كانت أبشع بكتير.

لأن حماتي فجأة طلعت تسجيل صوتي. صوت هالة وهي بتتكلم مع دجال، وبتقول إنها تخلصت من الطفل زمان عشان الورث، وإنها بتحاول توقعني أنا دلوقتي عشان تبقى الوريثة الوحيدة.

هالة انهارت، والشرطة اتبلغت، والعزومة تحولت لكارثة.

أما أنا… فكنت الضحية الوحيدة اللي دفعت الثمن كامل.

لأن جوزي بعد كل الحقيقة، قال إنه طلقني عشان يبعدني عن “بيت ملعون بالغل والدم.”

خرجت من البيت ومعايا هدومي بس… وقلبي مليان جروح مش هتخف بسهولة.

آخر مرة بصيت فيها على البيت، حسيت إنه قصر كبير من بره… لكنه من جوه مجرد مقبرة لأسرار سوداء.

ومن يومها فهمت درس عمري ما هنساه:

مش كل عزومة بتكون حب… ومش كل ابتسامة من الحما بتكون أمان… وأحيانًا، أخطر سم في الدنيا مش بيكون في الأكل… بيكون في القلوب.

 

الفصل الجديد: ما بعد الطرد

خرجت من البيت ليلة العزومة وأنا حاسة إني مش بس اتطلقت… أنا اتشلت من حياتي كلها مرة واحدة. الشارع كان هادي، والهواء بارد، بس جسمي كان سخن كأني خارجة من حريق. كنت ماسكة شنطة صغيرة فيها هدومي، ومشيت من غير ما أبص ورايا، لأني كنت عارفة إن لو بصيت هانهار ومش هقدر أكمل خطوة واحدة.

أول مكان روحتله كان بيت أمي. خبطت الباب وأنا مش قادرة أتكلم، ولما فتحت وشافتني بالحالة دي، حضنتني من غير ما تسأل. بس أنا ماقدرتش أعيط وقتها… كنت حاسة إن الدموع نفسها خايفة تطلع. قعدت في أوضتي القديمة، نفس الأوضة اللي خرجت منها عروسة، ونفس السرير اللي كنت بحلم عليه بحياة هادية. بس الليلة دي كنت حاسة إني رجعت لنقطة أبعد بكتير من البداية.

أول يومين عدّوا زي الضباب. أمي كانت بتجيبلي الأكل، وتسيبني لوحدي. كنت بس سرحانة في لحظة واحدة: كلمة جوزي وهو بيقول “إنتي طالق.” الصوت ده كان بيرن في وداني كأنه بيتعاد كل شوية. كنت بسأل نفسي: هل كان مصدق إني ممكن أقتل طفل؟ ولا كان بيهرب من الحقيقة؟ ولا كان مستني فرصة يخلص مني؟

بعد أسبوع، حصلت أول مفاجأة. باب البيت خبط، ولما أمي فتحته، لقيت جوزي واقف. وشه كان متغير، أضعف، وعينه مليانة تعب. قلبي دق بسرعة، بس أنا فضلت واقفة مكاني، متحركةش خطوة.

دخل وقعد قدامي بصمت طويل. وبعدين قال بصوت مكسور: “أنا غلطت.”

الجملة كانت بسيطة… لكن مش كفاية. بصيت له من غير ما أرد. كمل كلامه: “أنا عارف إنك مظلومة… وعارف إن أمي وهالة كانوا بيلعبوا لعبة أكبر مننا كلنا. بس أنا وقتها خفت… خفت إن الحقيقة تدمرنا أكتر.”

ضحكت ضحكة خفيفة بس مليانة وجع وقلت: “فخفت تدمرني أنا لوحدي؟”

سكت… وماعرفش يرد.

بعدين قال حاجة غريبة: “في حاجة لازم تعرفيها… بعد اللي حصل، أمي بقت شخص تاني خالص.”

اتشدّيت في مكاني وسألته: “يعني إيه؟”

قال وهو بيبلع ريقه: “بقت بتكلم نفسها… بتسمع أصوات… بتقول إن البيت اتلعن يوم ما مات أخويا الصغير… وإن الدم اللي سال وقتها مش راح.”

الكلام خلاني أقشعر. سألته: “وإنت جاي تقوللي ده ليه؟”

بصلي وقال: “عشان… آخر كلمة قالتها قبل ما أسيب البيت كانت عنك.”

قلبي دق بعنف: “قالت إيه؟”

سكت لحظة… وبعدين قال بصوت واطي: “قالت إن نهى لسه راجعة… لأن اللعنة ما بتخلصش غير لما تدفع آخر حد دخل البيت تمنها.”

اللحظة دي حسيت لأول مرة بخوف حقيقي… مش من الناس… لكن من حاجة أكبر، غامضة، وكأن القصة اللي كنت فاكرة إنها انتهت… لسه بتبدأ.

جوزي قام وهو بيقول: “أنا مسافر بره مصر قريب… بس لازم أقولك الحقيقة دي قبل ما أمشي. خلي بالك من نفسك… وما ترجعيش البيت ده أبدًا.”

مشيت خطواته لحد الباب… لكنه قبل ما يخرج، لف وبصلي نظرة عمري ما هنساه، وقال:

“لأن اللي حصل في عزومة المحشي… ماكانش مجرد لعبة بشر.”

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان