اشتريت شقة أحلامي.. بس اكتشفت إن فيها “مساحة” مش موجودة في العقد!
من أسبوع بالظبط، كنت واقفة قدام باب شقتي الجديدة، ماسكة المفتاح بإيد فيها رجفة خفيفة مش قادرة أحدد سببها. فرحة؟ خوف؟ يمكن إحساس غامض إن الخطوة دي أكبر من مجرد انتقال من مكان لمكان.
عمري ما كان عندي “بيت”. كان عندي أماكن بنام فيها، عناوين مؤقتة، غرف بإيجار قصير، مفاتيح بتتسلم وتتسحب بسهولة. كنت دايمًا بحس إني ضيفة في حياة حد تاني. حتى في الأماكن اللي قعدت فيها سنين، ما حسّتش إنها امتداد لروحي.
لكن الشقة دي كانت مختلفة.
العمارة قديمة في وسط البلد. واجهتها متآكلة شوية، وبلكوناتها حديد مشغول بطراز قديم بقى نادر. السلم رخام باهت، وفيه شروخ دقيقة شبه تجاعيد في وش عجوز عاش كتير وشاف أكتر. كان فيه ريحة مزيج بين خشب قديم وغبار خفيف… مش مزعجة، لكن لها ثقل.
وأنا طالعة على الدور الرابع، كنت بعدّ الدرجات. مش عارفة ليه. يمكن عشان أثبت لنفسي إن القرار ده حقيقي. كل درجة كانت كأنها بتبعدني عن مرحلة كاملة من حياتي.
لما وصلت، وقفت قدام الباب. بني غامق، مطفي، فيه خدوش خفيفة حوالين القفل. صاحب الشقة القديم قال إنها فاضية بقالها شهور. ما سألتش ليه.
دخلت.
الصمت كان أول حاجة استقبلتني. مش صمت مخيف. صمت “منتظر”.
الصالة واسعة فعلًا، أكبر من المتوقع بالنسبة لشقة في عمارة قديمة. الشباك الكبير بيدخل نور رمادي دافئ وقت العصر، بيخلي التراب العالق في الهواء باين كأنه ذرات بتلمع ببطء. الأرضية سيراميك قديم، بس نظيف. الحيطان لونها أبيض مائل للصفرة.
المطبخ على الشمال. طرقة ضيقة شوية بتوصل لأوضة النوم والحمام. التصميم بسيط، منطقي، مفيهوش تعقيد.
لفّيت حوالين نفسي ببطء. وقتها ضحكت وقلت بصوت مسموع: “اشتريت شقة أحلامي.. بس اكتشفت إن فيها ‘مساحة’ مش موجودة في العقد!”
كنت بهزر. أقصد إن المساحة حاساها أوسع من المكتوب. العقد بيقول رقم معين… لكن الإحساس بيقول أكتر. ما أخدتش بالي إن الجملة دي هتفضل ترن في وداني بعدين.
الاكتشاف الغريب
اليومين الأولين كانوا طبيعيين. ترتيب، تنظيف، نقل عفش بسيط. كنت مبسوطة. كل حاجة بحطها في مكانها كانت بتقول إن ده “بيتي”. أخيرًا.
في اليوم التالت، قررت أقيس الصالة عشان أشتري سجادة مناسبة. مسكت شريط القياس وبدأت من الحيطة جنب المطبخ لحد أول الطرقة. الرقم طلع أكبر من المكتوب في العقد بمترين تقريبًا.
وقفت. أعدت القياس. نفس الرقم. مترين مش رقم بسيط. مش خطأ بسيط. مترين يعني مساحة واضحة، حقيقية، ملموسة.
قلت يمكن حسبوا مساحة من غير الطرقة. يمكن في غلطة في الورق. حاولت أبرر. لكن الحاجة الغريبة إن الإحساس اللي جالي ماكانش هندسي. كان إحساس إن في حاجة “مش متسجلة”.
وقفت في نص الصالة، بصيت حواليا ببطء شديد. الحيطان مستقيمة. الزوايا قائمة. مفيش بروز. مفيش تجويف. مفيش سبب منطقي يبرر الفرق. بس الفرق موجود. ومن اللحظة دي، بقيت أحس إن في حاجة مش متوزعة صح في المكان. كأن الفراغ متجمع في نقطة معينة… ومستخبي.
الأوضة السرية
اليوم اللي بعده، قررت أغير ورق الحائط القديم في الجزء اللي بين المطبخ والطرقة. كنت محتاجة أشغل دماغي بحاجة عملية بدل التفكير. وأثناء قشري للورق، السكينة خبطت في سطح صلب… لكن مش طوب. الصوت كان مكتوم. خشبي. جسمي كله شد. خبطت بإيدي. نفس الصوت.
بدأت أشيل الورق بسرعة، طبقة ورا طبقة. ومع كل طبقة، ظهر خط رفيع جدًا مرسوم في الطلاء، بالكاد يُرى. خط مستقيم… طالع لفوق، وبعدين خط أفقي. إطار. باب. باب صغير، مطلي بنفس لون الحيطة بدقة غريبة. القفل كان صدئ، لكن مش مكسور. متقفل بإحكام.
وقفت قدامه وقت طويل. جزء مني قال: ده مخزن قديم واتقفل وخلاص. وجزء تاني قال: المترين دول مش صدفة. كسرت القفل.
أول ما الباب اتفتح، الهواء اللي خرج كان تقيل. مش ريحة عفونة. مش تراب. إحساس. الأوضة صغيرة، سقفها منخفض شوية. الإضاءة أضعف حتى مع إن النور داخل من الصالة. كأن الضوء بيخاف يدخل. فيها كرسي خشب، وترابيزة صغيرة، وعليها مسجل قديم بشريط جوّه.
الغريب إن الإحساس ماكانش إن الأوضة مهجورة. كان إحساس إن حد كان قاعد هنا من لحظات. الكرسي مش مترب. الترابيزة مش عليها طبقة غبار سميكة. كل حاجة ساكنة… بس مش مهجورة.
دخلت خطوة. الباب ورايا ماقفلش… لكنه حسسني إنه بعيد. شغلت المسجل. شوشرة. وبعدين صوت راجل هادي، واطي: “لو حد بيسمعني… متحاولش تفهم. المشكلة مش في الحاجة اللي هتشوفها. المشكلة إنك هتحس بيها.” سكت لحظة. “المكان مش فاضي. هو بس مستني حد يلاحظ.” قفلت المسجل بسرعة.
الفتحة والنسخة
لفت نظري فتحة صغيرة في الحيطة المقابلة. بحجم كف إيد تقريبًا. قربت وبصيت. شوفت أوضة نومي. السرير. الدولاب. الشباك. بس الإضاءة كانت أغمق بدرجة. الألوان باهتة شوية. وكأن النسخة اللي بشوفها… أقل حياة.
وبعدين شوفت نفسي واقفة في نص الأوضة، ضهري ليا، باصة ناحية السرير. ما كنتش بعمل حاجة. بس واقفة. رجعت خطوة لورا، نفسي اتسارع. بصيت تاني. لسه واقفة. لكن تحت السرير كان في ظل أغمق من الطبيعي. مش شكل واضح. مش كائن. مجرد منطقة عتمة أعمق من اللازم. الظل ما اتحركش. لكن حسيت إنه “لاحظ” إني شايفاه.
المواجهة
رجعت بسرعة ناحية الباب. مقفول. مش مقفول بقفل. مش بيتحرك. كأنه بقى جزء من الحيطة. دقّيت عليه. ولا صوت. المسجل اشتغل لوحده. الصوت المرة دي أهدى… أقرب: “المساحة مش زيادة… هي نقص في حتة تانية.”
وقتها فهمت إن المترين اللي مش موجودين في العقد… موجودين فيّ أنا. في الفراغ اللي جوايا من سنين. في الوحدة اللي حاولت أهرب منها بشراء بيت. المكان ما زودش مساحة. هو أخد مساحة من جوايا… وركّبها هنا. حسيت برعشة تمشي تحت جلدي. مش ألم. مش حركة واضحة. إحساس بوجود بيزحف ببطء.
رجعت للفتحة أبص تاني. أوضة نومي كانت فاضية. بس السرير متكرمش… كأن حد قام منه للتو.
وفجأة… سمعت صوت مفتاح بيلف في باب الشقة الرئيسي. خطوات دخلت الصالة. خطواتي. وقفت قدام الحيطة اللي وراها الأوضة السرية. سمعت صوتي بيقول بخفة: “شكل المساحة أكبر من اللي في العقد.” الصوت كان أهدى مني. أثبت. مستقر.
ما حسّيتش برعب ساعتها. حسيت بإدراك. المكان مش بيطاردني. المكان بيستبدلني. كل واحدة بتيجي تدور على مساحة تهرب فيها من حياتها… بتسيب مكانها لنسخة أهدى. نسخة مش بتسأل كتير. نسخة تقبل الفراغ بدل ما تحاول تملأه. النسخة دي تعيش في النور. والأصل… يفضل في المساحة الناقصة.
اللمبة فوقي طفت. الهواء بقى أثقل. آخر حاجة شوفتها… كانت عينيّ أنا… بتبصلي من الناحية التانية للفتحة. من غير خوف. من غير مقاومة.
ولما فتحت عيني… كنت واقفة قدام باب الشقة لأول مرة. ماسكة المفتاح. رجفة خفيفة في إيدي. طلعت العقد من الشنطة. المساحة المكتوبة… أقل بمترين. ابتسمت. وخبطت الباب بمفتاحي. دخلت. والصمت كان… منتظر.