لعنة الساعة الذهبية.. ثمن العودة إلى 1976
كانت الساعة تشير إلى الثانية صباحاً، والهدوء في بيت جدي الراحل يكتنف المكان بشكل مخيف، كأن الحيطان نفسها تصغي لكل نفس وكل حركة. لم يكن هناك أي صوت سوى تكة الساعة القديمة المعلقة على الحائط، صوت ثابت، رتيب، لكنه بدا لي الآن وكأنه صدى لشيء أعظم من مجرد مرور الوقت. جلست على الأرض، محاطًا بكراتين مملوءة بالذكريات التي جمعتها على مر السنين، أحاول ترتيبها وربما فهم حياة رجل لم أعرفه كما يجب، حياة بدت وكأنها تلمسني من بعيد، من زمن آخر.
بينما كنت أتفقد محتويات أحد الكراتين، وقع في يدي ألبوم صور جلده أسود ومتهالك، رائحته تحمل عبق الزمن المنسي، مزيج من الغبار والورق القديم والسنين التي لم تعد موجودة إلا بين هذه الصفحات. فتحت الألبوم ببطء، وكأنني أخشى أن تتحطم الصور إذا أسرعت، قلبت الصفحات واحدة تلو الأخرى، صور حفلات، صور سفر، وجوه لم أعرفها، لكن كل صورة تحمل شيئًا مألوفًا غريبًا في الوقت نفسه. وفي نهاية الألبوم، على الصفحة الأخيرة، خط مكتوب بخط يد مهتز: “يوم الضياع – 23 فبراير 1976”. قلبت الصورة بين يدي بتردد، ثم شعرت بشيء غير متوقع، شعور تجمد الدم في عروقي.
في الصورة، كان هناك زحام في ميدان التحرير، الناس ترتدي الملابس الفضفاضة المميزة لحقبة السبعينات، شعارات لم تعد موجودة، سيارات قديمة، شوارع كانت مكتظة بالحياة اليومية البسيطة. وفي طرف الصورة، رأيت شابًا واقفًا، ظهره موجه للكاميرا، ينظر إلى ساعته. وعندما ركزت أكثر، شعرت بأن قلبي سقط في رجلي. الشاب كان يرتدي نفس القميص الذي أرتديه الآن، ونفس الساعة الذهبية التي سلمني إياها جدي قبل وفاته بشهر، وقال لي حينها: “دي أمانة، إياك تفرط فيها”.
اقتربت الصورة من عيني أكثر، الشاب لف وجهه نصف لفة، ولم يكن مجرد شبه. لقد كان أنا، تمامًا، بنفس الندبة فوق حاجبي، وبنفس نظرة الخوف والارتباك التي تملأ عيني الآن. كل تفاصيل الوجه، كل زاوية في العينين، كانت مطابقة تمامًا لي. شعرت برعشة شديدة اجتاحت جسدي، وفجأة وقعت الساعة الذهبية من يدي على الأرض، وغطاؤها الخلفي انفتح من الصدمة، وسقطت ورقة صغيرة مطوية بعناية داخلها.
التقطت الورقة بحذر، وبدأت أفتحها ببطء. كان خط جدي واضحًا، لكن هذه المرة كان حادًا ومضطربًا، كما لو أنه كتبه وهو يركض، أو يحاول توصيل رسالة مهمة قبل فوات الأوان:
“يا بني.. إذا كنت تقرأ هذا، فالدائرة قد اكتملت. الساعة ليست مجرد آلة للوقت، إنها فخ. في كل جيل، يختار الوقت واحداً منا ليعيد تصحيح غلطة 1976. لا تحاول الهرب، فالهرب هو الذي قادك إلى هناك في المرة الأولى. تذكر.. الساعة لا تسير للأمام دائمًا.”
بينما كنت أقرأ، شعرت فجأة ببرودة شديدة تتسلل إلى جسدي، كأن الهواء نفسه قد تحول إلى شيء حي يراقبني. رفعت عيني نحو الساعة الذهبية على الأرض، وعقاربها بدأت تدور بسرعة جنونية، عكس المنطق تمامًا، وكأنها تبتلع الوقت نفسه. صوت “تكة” الساعة أصبح أعلى وأكثر حدة، يتحول تدريجيًا إلى ضربات قلب مدوية في رأسي، وكلما ركزت أكثر، شعرت بأن المكان حولي بدأ يذوب، الحيطان تتلاشى تدريجيًا، وصور جدي التي كانت تزين الأوضة بدأت تتحول إلى وجوه لا أعرفها، كأنني أدخلت في عالم آخر، عالم حيث لا شيء مستقر.
سمعت من بعيد راديو قديم يذيع أغنية لـ عبد الحليم حافظ، وصوت سيارات تاكسي قديمة يعلو من الشارع. رفعت يدي، ولاحظت أن الورقة التي كتبها جدي بدأت تختفي تدريجيًا، وكأنها لم تُكتب أبدًا، وكأنني لم أقرأها بعد. لم أكن أعرف هل أنا في الحاضر أم الماضي، أم في حلم أو لعنة حقيقية مرتبطة بـ الساعة الذهبية. شعرت بأن عقلي يتفتت، وأن اللحظة التي أعيشها ليست تحت سيطرتي، بل تحت سيطرة شيء أكبر مني، شيء يعرفني أكثر مما أعرف نفسي.
وفجأة، وجدت نفسي واقفًا أمام مرآة ضخمة، والدهشة تملأ قلبي. لم أعد في أوضة جدي، بل في “لوكاندا” قديمة، ذات أثاث خشبي باللون البني الداكن، والستائر الممزقة تتمايل بخفة أمام نافذة مفتوحة. كل الملابس في الدولاب كانت من موضة السبعينات، الأحذية القديمة، القبعات، والحقائب الجلدية. شعرت بالغرابة، وعقلي يحاول استيعاب ما يحدث، لكن كل شيء كان واقعيًا إلى حد يصعب تصديقه.
نظرت من الشباك، وهناك كانت الكاميرا القديمة، نفس الكاميرا التي التقطت الصورة في الألبوم، متجهة نحوي مباشرة، كما لو كانت تنتظر حركتي التالية. عند تلك اللحظة، فهمت الحقيقة المرة: جدي لم يكن يحذرني من الماضي، لم يكن يحذرني من الزمن نفسه، بل كان يحذرني من نفسي، من قراراتي ومن فضولي الذي جعلني أعبث بـ الساعة الذهبية. لقد كنت أنا من أعاد تصحيح غلطة لم أفهمها، لقد كنت أنا من دخل الدائرة، وأنا من سيظل محبوسًا في هذه اللحظة، في هذه الصورة، إلى أن يأتي حفيدي بعد خمسين عامًا، يفتح الألبوم ويجدني واقفًا هناك، منتظرًا.
تدحرجت الأحداث في رأسي بسرعة، مشاهد من الماضي والحاضر تتداخل، وجوه أشخاص لا أعرفهم، أصوات المدينة القديمة، ضحكات أطفال في الشوارع، كل شيء كان حيًا، لكنه متوقف في الوقت نفسه. شعرت بالاختناق، حاولت الصراخ، لكن الصوت لم يخرج، كل شيء كان ساكنًا إلا الساعة الذهبية التي لم تتوقف عن الدوران. أدركت أن لعنة الساعة ليست لعنة الزمن فقط، بل لعنة الفهم، لعنة المعرفة، لعنة الفضول البشري الذي يريد التحكم في ما لا يمكن التحكم فيه.
تذكرت كلمات جدي مرة أخرى، وعقلي يحاول فك الشفرة: “الساعة ليست مجرد آلة للوقت، إنها فخ”. نعم، كل ما حدث كان نتيجة فضولي، نتيجة محاولتي لمس شيء لم يكن ليُمس، نتيجة عدم الاحترام للزمن والأحداث. كل قرار اتخذته بعد ذلك، وكل محاولة للهروب، كانت تزيد من قوة الفخ. كنت أنا من دخلت، وأنا من يظل أسيرًا.
الساعة استمرت في الدوران، والحيطان بدأت تتلاشى أكثر فأكثر، حتى اختفى كل شيء حولي، وبقيت أنا والمرآة والكاميرا، وكأنني في مكان بلا حدود، بلا زمن، بلا مكان. شعرت بثقل رهيب على صدري، وكأن كل ثقل القرون الماضية قد انسكب فوقي دفعة واحدة. ومع كل لحظة، شعرت بأن جسدي يتلاشى ببطء، يذوب مع اللحظة، مع الصورة، مع الساعة الذهبية التي أضحت الآن أكثر من مجرد ساعة، أصبحت رمزًا للحياة والموت، للفضول والعاقبة، للقدر والاختيار.
ثم جاء الهدوء. ليس هدوء المكان، بل هدوء العقل. شعرت فجأة بالوضوح، بالرؤية. فهمت أنني أصبحت جزءًا من هذه اللحظة، جزءًا من الصورة، أن أي حركة خاطئة، أي تفكير عن الهروب، سيعيدني إلى نفس الحلقة من البداية. أدركت أنني سأظل هنا، في هذه اللحظة، حتى يأتي حفيدي بعد خمسين سنة، يفتح الألبوم، يجدني واقفًا كما كنت دائمًا، وأنتظر، وأراقب، وأعرف أن لعنة الساعة الذهبية ستستمر، كما استمرت لعقود، وكما ستستمر بعدي.
في النهاية، فهمت درس الزمن: ليس كل ما نراه يمكن تغييره، وليس كل ما نلمسه يمكن فهمه. أحيانًا، مجرد المراقبة والانتظار هو كل ما يمكننا فعله. والساعة؟ الساعة الذهبية ستظل تدور، تراقبنا، تذكّرنا أن الماضي ليس مجرد ذاكرة، بل حكاية حيّة تنتظر من يقرأها، من يفهمها، ومن يعيشها، وربما من سيدفع ثمن العودة إليها.
وهكذا، انتهت قصتي، لكنها لم تنته بعد. لأن النهاية الحقيقية، كما فهمت، هي بداية انتظار طويل، انتظار يدوم خمسين عامًا، إلى أن يأتي حفيدي ويفتح الألبوم، ويرى هناك، في الصفحة الأخيرة، صورة رجل واقف في ميدان التحرير، الساعة الذهبية على معصمه، ينتظر القدر، ويعرف أنه لن يخرج أبدًا من الدائرة التي بدأها فضوله.