الغرفة رقم 7: الشاهد الذي لم ينج
لم تكن ليلى يومًا تخاف من الأماكن القديمة. على العكس، كانت تنجذب إليها كما ينجذب البعض إلى البحر في الشتاء؛ هدوء قاتم يخفي تحته حركة لا تهدأ. منذ طفولتها، كانت تدخل البيوت المهجورة في قريتها، تمرر أصابعها على الجدران المتشققة، وتهمس: “من عاش هنا؟ ماذا رأى؟ ماذا خسر؟”. لم تكن تبحث عن الأشباح، بل عن الذاكرة. كانت تؤمن أن الأماكن تخزن ما نعجز نحن عن احتماله.
حين انتقلت إلى المدينة، وجدت في الفندق العتيق بوسطها ضالتها. مبنى حجري بواجهات باهتة، شرفات حديدية متآكلة، وسلالم تئن مع كل خطوة. وظيفة منسقة إدارية في ذلك الفندق لم تكن حلمًا مهنيًا، لكنها كانت مساحة يومية للإنصات. كانت ترى النزلاء يدخلون حاملين حقائبهم الثقيلة، لكنها كانت تشعر أن أثقل ما يحملونه ليس الملابس، بل القصص.
ومع ذلك، كان هناك شيء واحد داخل الفندق لا يشبه بقية التفاصيل. شيء لا يدخل ضمن إطار الحنين أو التاريخ. شيء لا يمكن تفسيره بالمنطق البسيط. إنه الغرفة رقم 7.
لم تكن هناك حادثة رسمية مسجلة حول الغرفة رقم 7. لا جريمة، لا انتحار، لا حريق. كل شيء في السجلات نظيف. لكن بين العاملين، كانت هناك همسات. حديث لا يُقال بصوت مرتفع. نكتة تُقال ثم تُتبع بصمت ثقيل. كان اسم الغرفة رقم 7 كفيلًا بأن يجعل أحدهم ينظر خلفه دون وعي.
يقال إن من يقضي ليلة كاملة في الغرفة رقم 7 يغادر بشيء ناقص. لا يفقد عقله، ولا صحته، ولا ماله. يفقد شيئًا لا يُرى. ربما عمقًا في العينين، ربما حرارة في الصوت، ربما ظلًا… نعم، ظلًا.
ليلى كانت تضحك من تلك الحكايات. كانت ترى أن البشر يخافون من الفراغ، فيملؤونه بخرافات. كانت تقول دائمًا: “لو تركنا غرفة مغلقة شهرًا دون أن ندخلها، سنخترع لها قصة.” لكنها، رغم ثقتها، كانت تتحاشى النظر إلى نهاية الممر في الطابق السابع حين يخلو الفندق ليلًا.
في تلك الليلة، كانت المناوبة لها وحدها. زميلتها اعتذرت فجأة، المدير غادر مبكرًا، والحارس جلس خارج المبنى يدخن أكثر من المعتاد. الساعة تجاوزت الثانية صباحًا. الفندق هادئ بطريقة مبالغ فيها، كأن الصمت نفسه يضغط على الجدران.
كانت تراجع الحجوزات حين رن هاتف الاستقبال. الرنين بدا ممتدًا أكثر من اللازم. رفعت السماعة:
“فندق السعادة، معك ليلى.”
صمت.
ثم همهمة بعيدة.
ثم تكتكة… طرق منتظم… كأن أحدهم ينقر على خشب.
أغلقت الخط، لكنها قبل أن تضع السماعة عاد الرنين فورًا. هذه المرة جاء صوت رجل مسن، متحشرج:
“الغرفة رقم 7… افتحي الباب… الهواء يختفي.”
تجمدت أصابعها. نظرت إلى شاشة النظام. الغرفة رقم 7 مشغولة بنزيل وصل مساءً. رجل في أواخر الأربعينيات، هادئ، قليل الكلام. لم يُسجَّل أي اتصال صادر من الغرفة.
اتصلت داخليًا. لا رد.
أقنعت نفسها أن الخطوط قديمة، وأن الأمر مجرد خلل.
لكن شيئًا في الصوت… لم يكن صوت مزاح.
أخذت المفتاح الاحتياطي وصعدت الدرج بدل المصعد. كل درجة كانت تصدر صريرًا عميقًا. عندما وصلت الطابق السابع، شعرت ببرودة مفاجئة. الهواء هنا مختلف… أثقل.
الممر بدا أطول من المعتاد. الأضواء يومض بعضها ببطء. توقفت أمام باب الغرفة رقم 7. من أسفل الباب يتسلل ضوء خافت.
طرقت.
لا رد.
وضعت يدها على المقبض. كان مفتوحًا.
دفعت الباب ببطء. الغرفة بدت عادية. السرير مرتب، الستائر تتحرك قليلًا، الرجل مستلقٍ على ظهره، عينيه مغمضتان.
ثم رأت الجدار المقابل.
لم تكن لوحة، بل انعكاس حيّ. صورة للرجل نفسه وهو نائم، لكن بجواره ظل كثيف، جالس على حافة السرير، يضع يده فوق صدره.
الظل لم يكن له ملامح. كان كتلة غياب. سواد يمتص الضوء.
شعرت ليلى أن الجدار لا يعكس الصورة… بل يعرض مشهدًا آخر يحدث في طبقة مختلفة من الواقع.
اقتربت خطوة.
فتح الرجل عينيه ببطء.
في اللحظة ذاتها، تلاشى الظل من الجدار.
لكن هذه المرة لم يختفِ بالكامل.
شعرت بشيء يتحرك خلفها.
التفتت بسرعة. لا أحد.
لكن ظلها على الأرض… لم يتحرك بنفس توقيت جسدها.
تراجع ظلها نصف ثانية، ثم التحق بها.
خرجت من الغرفة رقم 7 وهي تشعر أن الهواء يضغط على صدرها. أغلقت الباب بقوة، وركضت.
عادت مع المدير والشرطة. دخلوا جميعًا الغرفة. لا شيء غير طبيعي. الرجل جلس على السرير، مرتبكًا قليلًا. أجاب على الأسئلة بهدوء.
لكن عينيه… كانتا فارغتين.
في الصباح، غادر الفندق. ابتسم وهو يودعها. تحت ضوء الشمس، لاحظت شيئًا جعل الدم يتجمد في عروقها.
لم يكن له ظل.
الأرض خلفه كانت مضاءة بالكامل. لا امتداد داكن، لا خط أسود. فقط فراغ.
في الأيام التالية، اختفى اسمه من النظام. لم يعد له أثر في السجلات. كأن الغرفة رقم 7 ابتلعته ثم أعادت جسده فقط.
لكن الأمر لم ينتهِ.
بدأت ليلى تشعر بأن غرفتها في منزلها لم تعد كما كانت. الظلام أثقل. أحيانًا تشعر بوزن خفيف عند طرف السرير. لا تراه، لكنها تدرك وجوده.
في إحدى الليالي، استيقظت على إحساس بيد باردة تلامس قدمها. جلست فجأة. لا أحد. لكن ظلها على الحائط كان أطول مما يجب.
بدأت تراقب نفسها في المرآة.
تتحرك ببطء.
ترفع يدها.
أحيانًا، ظلها يتأخر.
نصف ثانية.
نصف ثانية فقط… لكنها كافية.
ذات مساء، قررت العودة إلى الفندق خارج دوامها. لم تخبر أحدًا. صعدت إلى الطابق السابع. الممر أكثر ظلمة من قبل.
وقفت أمام الغرفة رقم 7. الباب مغلق.
لكنها سمعت التكتكة.
طرق منتظم… كأن أحدهم ينقر من الداخل.
وضعت أذنها على الباب.
ثم سمعت صوتها هي.
صوتها يهمس من الداخل:
“ليلى… افتحي الباب… الهواء يختفي.”
تراجعت خطوة. قلبها يخفق بعنف.
فجأة، انطفأت أضواء الممر بالكامل.
أصبحت الغرفة رقم 7 المصدر الوحيد للضوء.
تحت الباب، امتد ظل طويل… يزحف ببطء نحو قدميها.
حاولت الركض، لكن جسدها لم يتحرك فورًا.
ظلها على الأرض… لم يكن متصلًا بها.
كان يقف أمامها.
نسخة داكنة منها… بلا ملامح.
مدّ الظل يده نحوها.
لم يكن لمسًا جسديًا، بل شعورًا بالفراغ ينتزع شيئًا من صدرها.
شعرت ببرودة تنتشر داخلها. كأن نورًا داخليًا يُسحب ببطء.
في اللحظة الأخيرة، أضاءت أنوار الطابق فجأة.
اختفى الظل.
عاد ظلها الطبيعي إلى الأرض.
انهارت على الأرض تلهث.
في اليوم التالي، استقالت من العمل. لم تعد تقترب من الفندق. لم تعد تذكر اسم الغرفة رقم 7.
لكنها لاحظت شيئًا أخيرًا.
في الصور القديمة على هاتفها… لم يعد لها ظل واضح.
وفي بعض الزوايا المظلمة من غرفتها، ترى أحيانًا كتلة داكنة تجلس بصمت… تنتظر.
لم تعد تسأل إن كان ما حدث حقيقيًا.
السؤال لم يعد مهمًا.
المهم أنها فهمت أخيرًا أن الغرفة رقم 7 ليست مكانًا داخل فندق.
إنها نقطة عبور.
مكان يُستبدل فيه شيء بشيء.
الظل مقابل الجسد.
الهواء مقابل الوجود.
وهي…
لم تعد مجرد شاهدة.
أحيانًا، عندما تمر بجانب جدار مضاء، تتعمد ألا تنظر إلى الأسفل.
لأنها تخاف أن تكتشف الحقيقة كاملة.
أن الظل الذي يسير معها الآن…
ليس ظلها.
وأن الغرفة رقم 7
لم تغلق بابها بعد.