حين دخلت الدمية القديمة البيت… بدأت الحكاية التي لم يتوقعها أحد

حين دخلت الدمية القديمة البيت… بدأت الحكاية التي لم يتوقعها أحد


متدخلش دمية قديمة بيتك قبل ما تقرأ القصة دي

لم يكن ماجد يؤمن بالخرافات. كان يؤمن بالحياة اليومية البسيطة: العمل، العودة إلى البيت، الجلوس مع ابنته سلمى لتناول العشاء، ثم النوم بهدوء. كان يرى أن العالم واضح ومباشر؛ الأشياء تحدث لأسباب معروفة، والظواهر الغريبة إن وجدت، فهي مجرد سوء فهم. لذلك عندما دخل متجر الألعاب القديم في ذلك اليوم، لم يكن يبحث عن شيء محدد. كان يرافق ابنته فقط، فهي طلبت منه أن يشتري لها لعبة جديدة. توقفت عند ركن مهمل في آخر المحل، حيث كانت تقف دمية قديمة على رف خشبي متآكل. لم تكن جميلة مقارنة بالدمى الحديثة؛ ملامحها بسيطة، عيناها زجاجيتان بلون غامق، وابتسامتها ثابتة بطريقة جعلت ماجد يشعر بشيء غامض للحظة. لم يكن خوفًا، بل شعورًا صغيرًا لا يستحق الاهتمام. ابتسم لابنته، ودفع ثمن الدمية دون تفكير كبير.

في البداية، لم يحدث شيء. وضعت سلمى الدمية القديمة بجانب سريرها، وصارت تتحدث معها كأنها صديقة. كانت الطفلة سعيدة، وهذا كل ما يهم. البيت ظل هادئًا كعادته. الليل يمضي، والصباح يأتي، والحياة تستمر. لكن بعد أسبوع، بدأت التفاصيل الصغيرة تظهر. أشياء لا يمكن تجاهلها بسهولة. في إحدى الليالي، استيقظ ماجد ليجد ضوء المطبخ مضاءً. كان متأكدًا أنه أطفأه قبل النوم. ربما نسي، لا بأس. أغلقه وعاد إلى غرفته. في الليلة التالية، سمع صوت خطوات خفيفة في الممر. لم يكن هناك أحد. ربما كان خياله. البيوت القديمة تصدر أصواتًا أحيانًا.

لكن الأمر تكرر. الضوء يظل مشتعلًا. الأبواب تُفتح قليلًا رغم أنه يغلقها بإحكام. في الصباح، يجد الدمية القديمة في مكان مختلف. مرة كانت بجانب النافذة. مرة على الكرسي. مرة قرب باب الغرفة. كان يضعها في مكان، ثم يجدها في مكان آخر. لم يكن يريد أن يصدق أن الدمية تتحرك. كان هذا مستحيلًا. الأشياء الجامدة لا تتحرك. الأطفال قد ينقلونها دون أن يلاحظ، أو ربما ينسى هو أين وضعها. لكن سلمى كانت تؤكد أنها تتركها في مكانها. قالت له مرة: “هي بتحب تغير مكانها لوحدها.” ضحكت كأنها لعبة. لكنه لم يضحك.

بدأ الشك يتسلل إلى عقله. ليس الشك في الدمية، بل في ذاكرته. هل أصبح ينسى؟ هل الإرهاق يسبب له أوهامًا؟ كان يعمل كثيرًا، ويعود متعبًا. ربما يتخيل الأشياء. لكن حين وجد الدمية القديمة جالسة على الكرسي المقابل لسرير سلمى في صباح أحد الأيام، رغم أنه وضعها بجانب الوسادة في الليلة السابقة، شعر بانقباض خفيف. لم يكن رعبًا. كان سؤالًا صغيرًا: كيف وصلت إلى هنا؟

سأل ابنته إن كانت نقلتها. هزت رأسها بالنفي. قالت إنها استيقظت ليلًا ورأتها جالسة بجانبها. نظرت إليها الدمية كأنها تبتسم. بالطبع لم تبتسم. الدمى لا تبتسم من تلقاء نفسها. لكنه شعر بذلك الإحساس الغامض مرة أخرى. إحساس بأن هناك شيئًا غير طبيعي. حاول أن يهدئ نفسه. ربما الأحلام. الأطفال يحلمون كثيرًا. لا داعي للقلق.

مرّت الأيام، واستمرت التفاصيل الصغيرة. أحيانًا يسمع همسًا خفيفًا في الممر. ليس كلامًا واضحًا، فقط صوتًا يشبه الريح. أحيانًا يشعر أن الهواء أثقل داخل البيت. كأن الغرف أضيق مما كانت عليه. نظر إلى المرآة مرة، فرأى انعكاسًا سريعًا لظل خلفه. استدار، فلم يجد شيئًا. ربما خياله. ربما الإرهاق.

لكن حين دخل غرفة سلمى ذات صباح، وجد الدمية القديمة واقفة على الأرض. ليست جالسة. واقفة. صغيرة بالطبع، لكنها منتصبة بطريقة غريبة. لم يكن قد وضعها هكذا. تراجع خطوة. شعر ببرودة خفيفة تسري في جسده. نظر إلى ابنته. كانت نائمة بسلام. كل شيء يبدو طبيعيًا. الدمية مجرد لعبة. لا شيء أكثر.

قرر أن يراقب. في الليلة التالية، وضع الدمية في غرفة ابنته، وأغلق الباب بإحكام. احتفظ بالمفتاح معه. أراد أن يثبت لنفسه أن الأمور طبيعية. نام. لكن منتصف الليل أيقظه صوت خفيف. طرقات. تك… تك… تك… قادمة من جهة الصالة. جلس في السرير، يستمع. الصوت ليس عاليًا، لكنه واضح. خرج بحذر. كانت الصالة مظلمة. لا شيء يتحرك. لكن حين أضاء المصباح، وجد الدمية القديمة على الأرض.

كيف وصلت إلى هنا؟ الباب كان مغلقًا. الغرفة مغلقة. لا أحد دخل. شعر بتوتر. التقطها ووضعها على الطاولة. قرر أنه سيتعامل مع الأمر غدًا. ربما يأخذها إلى متجر الألعاب ويعيدها. لا حاجة لتعقيد الأمور.

لكن في الصباح، وجدها على الكرسي. شعر بقلق حقيقي هذه المرة. ليس خوفًا، بل قلقًا. الأشياء لا تتحرك. يجب أن يكون هناك تفسير. ربما ابنته. ربما هي تمزح. لكنه سألها، فأقسمت أنها لم تلمسها. قالت: “هي بتحب تقعد في أماكن مختلفة.”

بدأ الإرهاق يظهر عليه. لم يعد ينام جيدًا. يستيقظ ليلًا ويتفقد البيت. الأنوار أحيانًا تكون مضاءة دون سبب. التلفاز قد يعمل وحده. أصوات خفيفة في الممر. ظلال تمر سريعًا. كان يقول لنفسه إن كل شيء طبيعي. البيوت تصدر أصواتًا. العقول تتخيل أشياء. لا داعي للذعر.

ثم جاءت الليلة التي انقطع فيها التيار الكهربائي. ظلام كامل. دقيقة واحدة فقط، لكنها بدت أطول. جلس في الصمت. لا شيء. حين عاد الضوء، رأى الدمية القديمة واقفة على الكنبة. منتصبة. ليست لعبة. مجرد دمية صغيرة، لكنها واقفة.

تجمد في مكانه. قلبه خفق بسرعة. لم يعرف ماذا يفعل. هذا مستحيل. الدمى لا تقف. ربما خياله. اقترب ببطء. حين لمسها، كانت باردة. عادية. لعبة لا حياة فيها. لكنها واقفة.

لم يخبر أحدًا في البداية. حاول أن ينسى. لكن الأمور استمرت. ابنته بدأت تقول إنها تسمع همسًا ليلًا. قالت إن الدمية تتحدث معها. بالطبع لم تتحدث. لكنها شعرت بذلك. الأطفال حساسون. ربما أحلام.

قرر أن يطلب المساعدة. رجل دين. شخص يمكنه فهم الأمور. لم يرد أن يبدو مجنونًا، لكنه احتاج إلى تفسير. جاء الشيخ إلى البيت. جلس في الصالة. نظر إلى الدمية القديمة. لم يقل شيئًا في البداية. فقط صمت. ثم طلب أن يقرأ.

بدأ يقرأ. بصوت هادئ. الجو لم يتغير فورًا. لكن بعد دقائق، شعر ماجد بشيء غريب. برودة خفيفة. الهواء أثقل. الستائر تحركت رغم أن النوافذ مغلقة. لم يكن هناك ريح. ثم سقطت الدمية على الأرض فجأة.

لم يلمسها أحد.

سقطت.

نظر الشيخ إليه وقال إن الأمور ليست كما تبدو. ليس سحرًا بالمعنى الذي يتخيله الناس. ربما تعلق. ربما طاقة. كلمات لم يفهمها تمامًا. لكنه نصحه بالتخلص منها. قال إن البيت يحتاج إلى هدوء. إلى تحصين. إلى أشياء بسيطة: ذكر، طمأنينة.

حمل الدمية القديمة ليضعها في كيس. في تلك اللحظة، سمع همسة خفيفة جدًا. لم تكن واضحة. كأن شخصًا يهمس من مكان بعيد: “متسيبنيش.”

تجمد. نظر حوله. لا أحد. ابنته نائمة. الشيخ صامت. البيت هادئ. ربما خياله. لكنه شعر بقشعريرة. أغلق الكيس. قرر أن ينهي الأمر.

دفنوها بعيدًا عن البيت.

عاد الهدوء. لا أصوات. لا خطوات. الأنوار تعمل طبيعيًا. ابنته تنام بسلام. الحياة تبدو كما كانت. لكن ماجد لم يعد كما كان. أصبح أكثر حذرًا. لا يترك الأشياء دون تفقد. لا يهمل التفاصيل الصغيرة. ليس لأنه يخاف الدمية، بل لأنه تعلم أن الخوف الحقيقي ليس في الأشياء، بل في الشك الذي ينمو حين نتجاهل ما نشعر به.

مرّت شهور. في يوم عادي، مرّ بجانب متجر ألعاب. في الواجهة، كانت هناك دمية قديمة تشبهها قليلًا. توقف. نظر إليها. لم تتحرك. لم يحدث شيء. لكنه شعر بانقباض خفيف. تذكر الليالي الماضية. تذكر الهمسات. تذكر الشعور الغريب.

هذه المرة، لم يدخل المتجر.

مضى في طريقه.

بهدوء.

الحياة لا تتوقف عند لحظة خوف. لكنها تترك أثرًا. درسًا صغيرًا: ليس كل ما لا نفهمه خطرًا، وليس كل ما نراه وهمًا. أحيانًا يكفي أن نكون أكثر انتباهًا، لا أكثر رعبًا.

انضم للمجتمع

ألاء الشافعي
ألاء الشافعي