الراكب رقم 13
كانت الليلة قارسة أكثر من أي ليلة أخرى في هذا الشتاء. الهواء يتسلل من كل فجوة، يلسع الجلد، يخترق طبقات الملابس، ويجعل العظام ترتجف كما لو كانت تحذيرًا غامضًا من المجهول. على هذا الطريق الصحراوي الطويل، الممتد بلا نهاية في الأفق، كان ياسين يقود سيارته بهدوء متوتر. الساعة كانت تشير إلى الثانية بعد منتصف الليل، وضباب كثيف أحاط بالمكان كما لو كان يحاول إخفاء كل شيء خلف ستار رمادي. لم يكن يرى سوى أمتار قليلة أمامه، حتى أن الضوء الأبيض الأمامي للسيارة بدا ضعيفًا جدًا، مجرد شعاع يحاول اختراق الليل، لكنه يفشل في النهاية.
ياسين لم يكن من محبي القيادة ليلًا، لكنه اضطر لهذا بسبب مكالمة عاجلة من العمل. كان متعبًا جدًا، وأحسّ بأن كل جزء من جسده يئن من إرهاق يوم طويل، لكنه لم يكن يملك خيارًا سوى الاستمرار. قبض على المقود بيدين ثابتتين، لكن قلبه كان يخفق بسرعة غير معتادة، وعقله يحاول التركيز على الطريق رغم التعب الذي يجعله يحس بالدوار أحيانًا. الراديو كان يعمل بصوت منخفض، لكنه مليء بالتشويش، ولم يساعده على تخفيف صمت الطريق الطويل، فقرر أخيرًا إيقافه وترك الصمت يغمر السيارة.
كان الصمت ثقيلًا، حقيقيًا، له حضور محسوس. حتى صوت المحرك بدا كأنه مكتوم داخل طبقة من الضباب. وبينما كان ياسين يركز عينيه على الطريق، لمح فجأة شيئًا على جانب الطريق، خيالًا ثابتًا بين الظلال. أول الأمر ظن أنه مجرد انعكاس الضوء أو وهم بسبب إرهاقه، لكنه كلما اقترب، اتضحت ملامح رجل واقف على حافة الأسفلت. كان رجلًا عجوزًا، نحيل الجسد، يرتدي معطفًا داكنًا قديم الطراز، وقبعة بالكاد تغطي رأسه. في يده شنطة خشبية صغيرة تبدو كأنها قطعة أثرية من زمن بعيد.
تردد ياسين لوهلة. فكرة التوقف في هذا المكان الغامض في منتصف الليل كانت مخيفة، الطريق خالٍ تمامًا من أي حركة، والضباب يغطي كل شيء. لكنه شعر بشيء غريب يجذبه للتوقف؛ ربما كان فضوله، ربما شعور غامض بالمسؤولية. ضغط على المكابح تدريجيًا حتى توقفت السيارة على بعد خطوات من العجوز. صمت الليل، البارد والثقيل، ملأ المكان.
خفض زجاج النافذة ببطء، فاجتازه نسيم قارس يلسع وجهه ويجعل شعوره بالبرد أقوى. نظر إلى الرجل وسأله بنبرة حاول أن تجعلها طبيعية: “رايح فين يا حاج في البرد ده؟” رفع الرجل رأسه ببطء، وعيناه تحملان غموضًا عميقًا، لم يكن هناك خوف، ولا استعجال، فقط ثقل حضور غريب. أجاب بصوت مبحوح هادئ: “للمكان الذي يذهب إليه الجميع في النهاية.” كلمات قصيرة لكنها أثقلت قلب ياسين، شعور بالريبة والخوف امتزج بالإثارة الغامضة.
لم يكد ياسين يستوعب الجملة حتى فتح العجوز الباب الخلفي وجلس بهدوء على المقعد، واضعًا الشنطة الخشبية بجانبه. لم ينبس ببنت شفة، ولم يحرك ساكنًا. أغلق الباب برفق، وعاد الصمت ليملأ السيارة بشكل أثقل. حاول ياسين إقناع نفسه بأن الأمر طبيعي، مجرد رجل مسن يحتاج توصيلة في ليلة باردة، لكن شعوره بالغرابة لم يهدأ.
كانت الدقائق تمر ببطء رهيب. حاول ياسين فتح حديث آخر، سأل عن وجهته، عن اسمه، عن أي شيء يمكن أن يخفف من ثقل الصمت، لكن العجوز لم يجب. كان وجوده محسوسًا بقوة خلفه، حتى الهواء داخل السيارة بدا أكثر كثافة. كل محاولة للتحدث كانت تصطدم بصمت غامض يخنق الكلمات قبل أن تخرج. التفت ياسين إلى المرآة الخلفية ليطمئن نفسه بأن الرجل ما زال موجودًا، لكنه صُعق عندما رأى المقعد فارغًا تمامًا.
رمش بعينيه أكثر من مرة، ظن أن الشبورة خدعته، لكن حين التفت قليلًا، رأى بوضوح أن المقعد خالٍ. لا أثر للركاب، لا صوت فتح أو غلق باب، السيارة كانت مستمرة، الأبواب مغلقة… إلا وجود الرجل الذي بدا وكأنه اختفى فجأة. ارتجف قلب ياسين، وضغط على المكابح بقوة حتى توقفت السيارة على جانب الطريق. نزل من السيارة وهو ينظر حوله في الظلام، ينادي بصوت مرتجف، لكن لم يكن هناك أحد. الطريق ممتد، الضباب يلتهم كل شيء، والظلام يكاد يخنق المكان.
عاد ياسين إلى السيارة بخطوات مرتعشة، محاولًا أن يجد تفسيرًا منطقيًا. ربما تخيل كل شيء؟ ربما لم يركب أحد أصلًا؟ لكنه حين فتح الباب الخلفي، تجمد في مكانه. الشنطة الخشبية كانت هناك، مستقرة على المقعد، وكأن صاحبها تركها عمدًا. مد ياسين يده المرتعشة نحوها، أخذ نفسًا عميقًا، جلس على المقعد الأمامي، وفتحها بحذر شديد.
داخل الشنطة كانت ساعة جيب قديمة، متوقفة عند الثانية وخمس عشرة دقيقة، وصورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. نظر إلى الصورة، وعيناه تتسعان من الدهشة: كان هو، بنفس ملابسه، واقفًا أمام حادث سيارة مروع على نفس الطريق، ووجهه شاحب وعيناه مفتوحتان بدهشة. خلفه أضواء سيارة ضخمة تكاد تبتلعه.
ارتجف ياسين، وأمسك الساعة بين يديه. كان الوقت متطابقًا مع الوقت الحالي، الثانية وخمس عشرة دقيقة. وفجأة، سمع صوت “تكة” خافتة، ثم بدأت عقارب ساعة الجيب تتحرك ببطء، كأنها تستعيد الحياة. لم يكد يستوعب الأمر حتى اخترق صمت الليل صوت بوق شاحنة هائل، تقترب بسرعة كبيرة من الخلف. انعكست أضواءها البيضاء الحادة في المرآة، تكاد تعمي العينين، والضباب أصبح أكثر كثافة كأنه يضغط عليه ليزيد توتره.
أدرك في لحظة خاطفة أن كل شيء كان تحذيرًا، أن الرجل لم يكن مجرد راكب. دفع نفسه خارج السيارة، متدحرجًا على الأرض الباردة بعيدًا عن الطريق، قبل أن تصطدم الشاحنة بالسيارة بقوة هائلة. دوّى صوت الاصطدام، وارتفعت قطع الزجاج والمعدن في الهواء، وغطّى الدخان المكان بأكمله. بقي ياسين ملقى على الأرض، يشعر بألم خفيف في ذراعه، لكنه كان حيًا. حين هدأ الدخان، رفع رأسه ببطء، يبحث عن أي أثر للشنطة أو الساعة، لكنه لم يجد شيئًا.
وقف في منتصف الطريق، ينظر إلى السماء الداكنة وهمس: “مين الراجل ده؟” جاءه الجواب مع الريح، صوت خافت بالكاد يُسمع: “أنا أنت… بس من زمن لم تكن فيه محظوظًا بعد.” ارتجف جسده، لكنه شعر بمزيج من الخوف والارتياح. فهم أن النجاة أحيانًا تأتي في صورة غامضة، في هيئة تحذير من المستقبل، أو من الذات.
منذ تلك الليلة، لم يعد ياسين كما كان. أصبح أكثر هدوءًا، أكثر تركيزًا على التفاصيل الصغيرة، وأكثر تقديرًا لكل لحظة من حياته. لم يخبر أحدًا بالتفاصيل كاملة، لأنه يعلم أن ما حدث يتجاوز المنطق والتفسير البسيط. كل مرة يتذكر تلك الليلة، يشعر برعشة خفيفة، ليس خوفًا، بل امتنانًا لأنه نجا.
مرت الأيام، وكلما تذكر الطريق والضباب والركاب الغامضين، شعر بأن الحياة مليئة بالاحتمالات غير المرئية، وأن بعض الطرق لا نعبرها وحدنا. بعض الركاب لا يركبون ليصلوا إلى وجهة، بل ليغيروا مصيرك كله في لحظة واحدة. وبين الخوف والنجاة، وبين الصمت والصوت، تظل هناك مساحة غامضة تذكرنا أننا لسنا وحدنا أبدًا.
وهكذا تبقى حكاية الراكب رقم 13 شاهدة على أن مصائرنا أحيانًا تتوقف على ثانية واحدة، على خطوة خاطئة أو تحذير لم نلاحظه. بعض التحذيرات تأتي على هيئة وجود، على هيئة راكب لا يظهر إلا ليفتح عينيك على حقيقة الحياة، على أنك قد تكون محظوظًا بما يكفي لتجنب ما لم تتوقعه. وبين التشويق والغموض، وبين الدهشة والخوف، يبقى الطريق ممتدًا، والضباب يخبئ أسراره، والراكب رقم 13 سيظل حاضرًا في وعي ياسين دائمًا، كرمز للفرصة التي قد تأتي في اللحظة الأخيرة، والتي قد تغيّر كل شيء.