الحكاية المفقودة
كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل بقليل حين توقفت الحافلة عند مدخل القرية النائية، لا بصوت ارتطام مفاجئ، بل بزفرة طويلة أشبه بتنهد كائن عجوز أنهكه الطريق. لم يكن هناك رصيف حقيقي، ولا محطة واضحة، فقط مساحة ترابية تتخللها حجارة غير منتظمة، ولافتة خشبية مائلة بالكاد يمكن قراءة اسم القرية عليها تحت ضوء مصباح أصفر يتأرجح في الريح.
نزلت سلمى بخطوة مترددة، وكأنها لا تضع قدمها على أرض، بل على فكرة لم تختبرها بعد. كانت تحمل حقيبة جلدية داكنة اللون، تضم دفاتر ملاحظاتها، ومسجلاً صغيرًا، وبعض الكتب التي اعتادت أن ترافقها في رحلاتها الميدانية. لم تكن هذه زيارتها الأولى إلى قرية بعيدة أو مكان لا يظهر إلا في هوامش الخرائط، لكنها شعرت منذ اللحظة الأولى أن الأمر مختلف هذه المرة، وأن شيئًا في الهواء يضغط على صدرها بخفة غير مريحة، كأن المكان يتنفس ببطء شديد، وينتظر.
رائحة الأرض المبللة بالمطر كانت ثقيلة، تختلط بدخان حطب بعيد، وربما برائحة طين قديم ظل محتفظًا ببرودة الليل. لم تسمع صوت بشر، لا ضحكات، لا همسات، لا خطوات. فقط صفير الريح وهي تمر بين البيوت الطينية المتلاصقة، فتُحدث صوتًا خافتًا يشبه احتكاك قماش خشن.
سارت في الشارع الوحيد الذي يمتد كخيط باهت في قلب القرية. كانت الحجارة تحت قدميها غير متساوية، وكأنها لم تُرص يومًا بقصد النظام، بل تراكمت عبر سنوات طويلة من السير والانتظار. البيوت كانت متقاربة إلى درجة توحي بأنها تتساند، لا بدافع المودة، بل بدافع الحذر. نوافذها مغلقة بإحكام، وستائرها داكنة، وكأن الضوء نفسه ليس مرحبًا به في هذا الوقت.
لم ترَ أحدًا، لكنها شعرت بوضوح أنها ليست وحدها. كان هناك ذلك الإحساس الغامض بأن عيونًا تراقبها من خلف الشقوق، عيون لا تحمل عداءً صريحًا، لكنها لا تحمل ترحيبًا أيضًا. عيون تقيس حضورها، وتزن خطواتها، وتنتظر أن تفعل شيئًا بعينه.
كانت قد جاءت إلى هنا من أجل ما سُمّي في إحدى المخطوطات القديمة بـ “الحكاية المفقودة”. أسطورة محلية تتحدث عن صندوق مخفي، يضم رسائل لم تُقرأ قط، ورسائل كُتبت بمداد لا يجف، وصاحبها لم يمت كما يُفترض، بل ظل عالقًا بين الحياة والمحو. لم تكن سلمى تؤمن بالخرافات، لكنها كانت تؤمن بالحكايات، تؤمن بأن كل أسطورة تحمل في قلبها حقيقة بشرية ما، وإن لبست ثوب الغموض.
المنزل الذي استأجرته كان في أطراف القرية، على حافة منحدر صخري سحيق. حين وقفت أمام بابه، شعرت لوهلة أنها تقف أمام شيء يراقبها هي أيضًا. أخرجت المفتاح من جيبها، وأدخلته في القفل الصدئ. ما إن أدارتَه حتى تسربت إلى يدها برودة غريبة، برودة لم تكن مجرد أثر معدن بارد، بل إحساس عميق، كأنها تلمس شيئًا لم يُفتح منذ زمن طويل.
دفعت الباب ودخلت. الهواء في الداخل كان ساكنًا، محمّلًا برائحة غبار قديم وخشب معتّق. الأثاث مغطى بأقمشة بيضاء، لا تحميه من الغبار بقدر ما تُخفيه، كأن المكان لا يريد أن يُظهر ملامحه كاملة. وضعت حقيبتها على الطاولة، وأزاحت الغطاء عن أحد الكراسي، وجلست. كان الصمت في الداخل مختلفًا عن صمت الخارج، أكثر كثافة، وأكثر قربًا من أذنها.
في تلك الليلة، لم تنم سلمى نومًا حقيقيًا. كانت تغفو لدقائق، ثم تستيقظ على إحساس خافت بأن هناك حركة ما في الغرفة. لا صوت واضح، لا ظل محدد، فقط شعور بأن الهواء يتبدل، وأن ترتيب الأشياء يختلف قليلاً كل مرة تفتح فيها عينيها. حاولت أن تقنع نفسها أن هذا مجرد أثر التعب والسفر، وأن ذهنها المتشبع بالحكايات هو من يصنع هذه التفاصيل، لكنها لم تستطع تجاهل ذلك الثقل الذي يجثم على صدرها كلما أغلقت عينيها.
مع أول خيط للفجر، نهضت. الضوء الصباحي بدا باهتًا، كأنه يتردد قبل أن يدخل النوافذ. خرجت إلى السوق الصغير في وسط القرية. كان هناك بضعة رجال يفتحون دكاكينهم، وامرأتان تفرشان الخضار على طاولة خشبية، وطفل يحمل دلواً من الماء. الحياة موجودة، لكنها صامتة بشكل غير طبيعي.
حين سألت أول رجل صادفته عن “الحكاية المفقودة”، نظر إليها لحظة أطول مما ينبغي، ثم هز رأسه ببطء وانشغل بترتيب أكياس القمح. سألت امرأة أخرى، فارتبكت وأشاحت بوجهها. تكرر الأمر أكثر من مرة، حتى بدأت تشعر بأن الاسم نفسه يُحدث اضطرابًا خفيًا في المكان.
وحدها عجوز كانت تجلس قرب بئر القرية، على حجر منخفض، تحدق في الماء كما لو كانت تقرأ فيه. اقتربت منها سلمى، وجلست إلى جوارها. سألتها بهدوء عن الصندوق، وعن الحكاية. رفعت العجوز رأسها ببطء، وعيناها تحملان تعب سنوات طويلة. لم تبدُ خائفة، بل بدت كمن ينتظر هذا السؤال منذ زمن.
“بعض الحكايات لا تضيع يا ابنتي، لكنها تختار أن تختبئ.”
ثم أشارت بيد مرتجفة نحو التلة التي تعلو القرية، حيث كانت كنيسة مهجورة تقف كهيكل حجري متآكل. لم تضف شيئًا، لكن نظرتها كانت كافية.
صعدت سلمى التلة في وقت لاحق من ذلك اليوم. الطريق كان وعرًا، والأعشاب اليابسة تحت قدميها تُصدر صوتًا خفيفًا مع كل خطوة. حين وصلت، وقفت أمام الكنيسة للحظات. لم تكن مجرد بناء قديم، بل بدت كأنها تحمل ثقلًا في جدرانها، ثقل كلمات لم تُقل، واعترافات لم تُسمع.
دفعت الباب، فانفتح ببطء، مطلقًا صريرًا طويلًا. الداخل كان مظلمًا نسبيًا، والغبار يطفو في خيوط ضوء تتسلل من نوافذ مكسورة. المقاعد الخشبية متآكلة، وبعضها مقلوب، كأن المكان شهد ارتباكًا مفاجئًا ثم تُرك كما هو.
تقدمت نحو المذبح، لا لأنها رأت شيئًا محددًا، بل لأن إحساسًا داخليًا كان يقودها هناك. تحت سجادة مهترئة، لاحظت انتفاخًا طفيفًا في الأرضية. أزاحت السجادة، فظهر باب حديدي صغير. احتاجت إلى جهد لتفتحه، وحين انفتح، بدا كأن صوت الصرير ارتطم بالجدران وعاد إليها مضاعفًا.
في فجوة ضيقة تحت الأرض، كان هناك صندوق خشبي صغير، مزخرف بنقوش غريبة، متشابكة، تشبه حروفًا لا تنتمي إلى لغة معروفة. لم يكن مقفلًا، بل مربوطًا بخيط حريري أحمر، بدا جديدًا بشكل غير منطقي، كأن الزمن لم يمسه.
حملت الصندوق معها إلى المنزل. جلست أمام الطاولة، وأشعلت شمعة. الضوء الخافت ارتعش على الجدران، وكأن الظلال نفسها تقترب لتراقب. فكت الخيط ببطء. لم يكن مشدودًا بقوة، لكنه منحها إحساسًا بأن شيئًا ما ينفصل حين أزاحته.
رفعت الغطاء.
لم تجد رسائل كما توقعت.
وجدت مرآة صغيرة دائرية، وقارورة زجاجية تحتوي على سائل أسود كثيف، وورقة مطوية بعناية.
ترددت لحظة قبل أن تفتح الورقة. حين فعلت، شعرت ببرودة تسري في ظهرها. كان مكتوبًا عليها تاريخ اليوم، والساعة نفسها تقريبًا، وبخط يدها هي. نفس انحناءات الحروف، نفس المسافات، نفس العفوية المتعمدة.
تحت التاريخ، جملة واحدة:
“العهد لا يُقطع إلا بمن كتبه.”
تجمدت.
قبل أن تتمكن من التفكير، سمعت صوت نفس بطيء خلف أذنها مباشرة. لم يكن عاليًا، لكنه قريب، قريب جدًا. التفتت نحو المرآة.
لم ترَ وجهها.
رأت الغرفة خالية خلفها، بينما شعرت بوضوح بوجود شيء يقف عند كتفها. يد شاحبة، طويلة الأصابع، امتدت ببطء نحو القارورة السوداء. في اللحظة نفسها، انطفأت الشمعة، وغرقت الغرفة في ظلام كثيف.
حاولت أن تتحرك، لكن جسدها لم يستجب. لم يكن شللًا تامًا، بل مقاومة خفية، كأن الهواء صار أثقل من المعتاد. شعرت بالأصابع تلامس شعرها، تمر ببطء، ببرودة غير إنسانية.
ثم، فجأة، اشتعلت الشمعة من جديد. لكن لهبها كان أزرق باهتًا.
نظرت إلى المرآة مرة أخرى، فرأت نفسها جالسة، لكن بملابس قديمة، تعود لعقود مضت. ملامحها في الانعكاس كانت هادئة بشكل مقلق، وعيناها خاليتان من أي دهشة.
في المرآة، فتحت النسخة الأخرى القارورة، وسكبت نقطة واحدة من السائل الأسود على الورقة. بدأت الكلمات تتحرك. الحروف زحفت ببطء، أعادت ترتيب نفسها، وظهرت الجملة أوضح، أعمق:
“العهد لا يُقطع إلا بمن كتبه… ويكمله.”
شعرت بوخزة حادة في معصمها. نظرت إليه، فرأت جرحًا صغيرًا، ينساب منه سائل أسود، لا يشبه الدم، بل يشبه الحبر.
في تلك اللحظة، فهمت.
الحكاية لم تكن عن صندوق.
لم تكن عن رسائل.
كانت عن شخص يبحث عنها.
القرية لم تكن تخفي سرًا.
كانت تحرسه.
سمعت طرقًا على الباب. ثلاث طرقات متتالية.
انفتح الباب من تلقاء نفسه. لم يكن ليلًا كما قبل، بل نهارًا ساطعًا. أهل القرية يقفون أمام المنزل، في صفوف صامتة. في أيديهم أوراق بيضاء وأقلام.
ينظرون نحوها.
لا بعداء.
بل بانتظار.
نزلت الدرج ببطء. شعرت بأن خطواتها أثقل، لكن ذهنها أوضح. عند العتبة، وقفت العجوز نفسها، ناولتها خيطًا أحمر جديدًا.
“الآن، أنتِ من يقرر من سيأتي بعدك.”
نظرت سلمى إلى يديها. كانت أطول قليلًا، أكثر شحوبًا. نظرت خلفها، فلم تجد المنزل، ولا المنحدر.
فقط فراغًا.
بدأت ملامحها تتلاشى ببطء، كما تتلاشى الكتابة حين يُعاد تمرير الحبر فوقها مرة بعد مرة.
وقبل أن تختفي تمامًا، أدركت شيئًا أخيرًا:
بعض الحكايات لا تبحث عمن يرويها، بل عمن يحلّ محلها.
ومنذ ذلك اليوم، حين تصل حافلة متأخرة إلى مدخل القرية، وينزل منها شخص يحمل حقيبة مليئة بالأسئلة، تكون العيون خلف النوافذ قد استعدت.
لأن الحكاية المفقودة لا تضيع.
هي فقط تنتظر.
دائمًا تنتظر.