عمارة ستة شارع الضباب… حيث تختفي الأرواح ولا يغادر أحد حيًا

عمارة ستة شارع الضباب… حيث تختفي الأرواح ولا يغادر أحد حيًا


لعنة عمارة ستة شارع الضباب

لم تكن عمارة “ستة شارع الضباب” مجرد مبنى قديم متآكل في أحد شوارع وسط البلد، بل كانت أشبه بكائن حي يتنفس ببطء شديد، كأن الزمن نفسه علق داخل جدرانها ورفض المغادرة. من الخارج بدت كأي عمارة عتيقة طلاءها متقشر وشرفاتها الحديدية مائلة قليلاً، لكن من يقترب أكثر كان يشعر بشيء غريب لا يمكن تفسيره بسهولة؛ رائحة بخور قديم ممزوجة برطوبة السنين، وصمت ثقيل لا يشبه هدوء الأماكن السكنية، بل يشبه انتظاراً طويلاً لشيء لم يحدث بعد. سكان العمارة أنفسهم لم يكونوا عائلة واحدة كما يحدث عادة في البيوت القديمة، بل كانوا غرباء تجمعهم الضرورة فقط، كل باب مغلق بسلسلة حديدية، وكل عين تراقب الأخرى بحذر صامت، وكأن الجميع يعرف أن الخطر الحقيقي لا يأتي من الشارع، بل من داخل المكان ذاته.

في الدور الأول عاش عم كامل، الرجل الذي بدا وكأنه خرج من زمن آخر. شعره الأبيض المرتب بعناية، نظارته السميكة، وصوت ماكينة الخياطة التي لا تتوقف تقريباً، كانت علامات ثابتة في يوم العمارة. كان ترزياً أفرنجياً قديماً، يقضي أغلب وقته بين القماش والإبر، يسبّح بصوت منخفض، ويبتسم لكل من يمر أمامه. لم يسمع أحد عنه كلمة سيئة، بل كان ملجأً لمن يحتاج نصيحة أو كوب شاي دافئ. ومع ذلك، كان هناك شيء في عينيه يجعل البعض يتجنب النظر إليه طويلاً، إحساس غامض بأن الرجل يعرف أكثر مما يجب.

على الجهة المقابلة سكن منصور، شاب في أواخر العشرينات، سريع الحركة وكثير الكلام، يعمل في توصيل الطلبات نهاراً، لكنه لم يكن بريئاً كما يبدو. كان يعرف مواعيد دخول وخروج السكان، ويلاحظ الشقق المغلقة، ويهمس بالمعلومات لمن يدفع أكثر. لم يكن لصاً بيديه، لكنه كان عيناً تراقب، وهذا أخطر أحياناً من السرقة نفسها. وجوده جعل كثيرين يشعرون بأن العمارة لا تنام أبداً، وأن هناك من يسجل كل حركة.

أما الدور الثالث فكان عالمًا مختلفًا تماماً، تسكنه الست زكية، امرأة غامضة تجاوزت الستين، لا تُرى إلا وهي تحمل مبخرة صغيرة يتصاعد منها دخان كثيف، تتمتم بكلمات غير مفهومة، وتحدق في الفراغ كأنها ترى أشخاصاً لا يراهم أحد. بعض السكان اعتبروها سيدة روحانية، وآخرون قالوا إنها فقدت عقلها منذ سنوات، لكن الأطفال تحديداً كانوا يخافون المرور أمام بابها، لأن ضحكتها المفاجئة كانت تأتي دائماً دون سبب واضح.

الحياة داخل العمارة استمرت بهذا الإيقاع الثقيل حتى جاءت سلمى، الفتاة الهادئة القادمة من الريف لتكمل دراستها الجامعية. وصلت بحقيبة واحدة وحلم بسيط أن تبدأ حياة جديدة بعيداً عن قريتها الصغيرة. استأجرت شقة في الدور الأخير، ولم تكن تعلم أنها اختارت المكان الوحيد الذي لم يستقر فيه أحد طويلاً. في ليلتها الأولى، حاولت النوم بعد يوم سفر مرهق، لكنها استيقظت على صوت خربشة خفيفة خلف الجدار، تلتها خطوات صغيرة كأن أطفالاً يركضون في الممر. فتحت الباب بسرعة، فلم تجد سوى ظلام كثيف وسكون غريب جعل قلبها ينبض بعنف.

في الصباح ذهبت إلى عم كامل تحكي له ما حدث، فابتسم مطمئناً وقال إن الأخشاب القديمة تصدر أصواتاً ليلاً، ونصحها بقراءة بعض الآيات قبل النوم. كلماته هدأتها قليلاً، لكنها لم تمحِ الإحساس بأن أحداً كان يراقبها أثناء الليل. لاحقها منصور على السلم بعد ذلك، وقال بنبرة تحمل مزاحاً ثقيلاً إن العمارة لا تحب الغرباء، وإن من يعيش فيها يحتاج إلى من يحميه. لم تفهم قصده تماماً، لكنها شعرت بعد حديثه بأن المكان يضيق حولها.

بعد أسابيع قليلة بدأ التوتر ينتشر بين السكان حين أعلن الحج فوزي، مالك العمارة، قراره ببيع الأرض لشركة استثمارية وهدم المبنى بالكامل. كان رجلاً قاسياً لا يهتم إلا بالمال، وبدأ فوراً بالضغط على السكان للخروج. انقطعت المياه فجأة، وتكررت أعطال الكهرباء، وبدأ غرباء يطرقون الأبواب ليلاً بحجج مختلفة. صار النوم رفاهية نادرة، وتحولت العمارة إلى مساحة خوف جماعي.

وفي إحدى الليالي، دوّت صرخة حادة مزقت الصمت. خرج السكان مذعورين ليتجمعوا أمام شقة الحج فوزي، وعندما كُسر الباب وجدوه ملقى أرضاً بلا حراك، جسده ملفوف بخيوط سوداء سميكة كأنه دمية قماشية، وعيناه مفتوحتان في ذعر لا يوصف. الأكثر رعباً أن الباب كان مغلقاً من الداخل بإحكام. حضرت الشرطة، وبدأ التحقيق، وتحولت الشكوك بين الجميع؛ منصور بسبب ماضيه، وعم كامل لأن الطريقة بدت احترافية بشكل مرعب.

الست زكية وحدها لم تبدُ خائفة، بل وقفت في الممر تضحك وتردد أن الماضي عاد يطالب بحقه. كلماتها زادت القلق، خاصة بعدما بدأت سلمى ترى عند الفجر ظلاً لرجل طويل يرتدي طربوشاً ويحمل مقصاً كبيراً، يتحرك ببطء بين الطوابق ثم يختفي داخل الجدران.

فضول منصور دفعه لاحقاً لدخول شقة عم كامل أثناء غيابه، بحثاً عن دليل أو ربما عن شيء يبيعه. لكنه فوجئ بأن المكان لم يكن ورشة خياطة عادية، بل غرفة ممتلئة بصور قديمة لسكان عاشوا في العمارة قبل عقود، جميعهم يظهرون بملامح جامدة، وعلى أجسادهم آثار خيوط تشبه ما وُجد على جسد الحج فوزي. قبل أن يستوعب ما يرى، انغلق الباب خلفه، وخرج عم كامل من الظلام، لكن هيئته لم تعد بشرية؛ وجه شاحب كقناع قديم وصوت أجوف قال إن العمارة بُنيت بدمه ولن يسمح لأحد بتدميرها.

اختفى منصور بعدها، وانتشرت الشائعات، بينما قررت سلمى أخيراً الرحيل. جمعت أشياءها ونزلت مسرعة، لكنها التقت بالست زكية على السلم التي أمسكت يدها بلطف غير معتاد، وأخبرتها أن عم كامل يحبها لأنها تشبه ابنته التي ماتت هنا منذ زمن بعيد. عندما نظرت سلمى في المرآة المعلقة على الحائط، تجمد الدم في عروقها؛ لم يكن لها انعكاس. تذكرت حادث الطريق الذي تعرضت له قبل وصولها بيوم، وأدركت الحقيقة القاسية: لم تغادر العالم منذ ذلك الحين، بل جاءت روحها إلى العمارة دون أن تدري.

مرت سنة كاملة بعد اختفاء السكان تدريجياً، وتم تنفيذ قرار الهدم أخيراً. أثناء إزالة الجدران، اكتشف العمال بقايا بشرية مدفونة داخل الخرسانة، جثثاً ملفوفة بخيوط سميكة تعود لأزمنة مختلفة، بينها الحج فوزي ومنصور وحتى الست زكية التي اتضح أنها ضحية قديمة أيضاً. وحده عم كامل لم يُعثر له على أثر، وكأن الأرض ابتلعته أو أنه لم يكن موجوداً أصلاً.

ورغم بناء مشروع جديد فوق الأرض لاحقاً، ظل العمال والحراس يروون أنهم يرون أحياناً عند الفجر رجلاً مسناً يقف بعيداً يراقب المكان، وخلفه فتاة شابة تنظر إلى النوافذ التي لم تعد موجودة. ومع كل محاولة لبناء شيء جديد، كانت الأعطال الغامضة تتكرر، وكأن عمارة “ستة شارع الضباب” لم تختفِ حقاً، بل غيّرت شكلها فقط، محتفظة بأسرارها داخل الأرض، تنتظر من يقترب أكثر مما ينبغي.

بعد انتهاء أعمال الهدم بأسابيع قليلة، اعتقد الجميع أن قصة عمارة “ستة شارع الضباب” انتهت أخيراً، وأن الأرض التي حملت كل ذلك التاريخ الثقيل بدأت صفحة جديدة. الشركة المالكة وضعت سوراً معدنياً ضخماً حول الموقع، وتعاقب الحراس على حمايته ليلاً ونهاراً، لكن الغريب أن أياً منهم لم يستمر طويلاً في عمله. أول حارس ترك الوظيفة بعد ثلاثة أيام فقط، مؤكداً أنه يسمع صوت ماكينة خياطة تعمل تحت الأرض مع اقتراب الفجر، رغم أن الموقع كان مجرد حفرة واسعة مليئة بالركام. الإدارة ظنت الأمر وهماً ناتجاً عن الوحدة، فجاءوا بغيره، ثم بغيره، لكن الشكوى نفسها تكررت؛ أصوات خفيفة، خطوات بطيئة، وأحياناً ضوء أصفر يظهر للحظات في منتصف الموقع ثم يختفي.

في إحدى الليالي الشتوية الباردة، كان الحارس الجديد شاباً يدعى ربيع، لم يكن يؤمن بالحكايات المنتشرة عن المكان، بل كان يسخر منها أمام العمال. جلس داخل غرفته الصغيرة قرب البوابة، يحتسي الشاي ويحاول قتل الوقت بهاتفه المحمول، حتى سمع صوت احتكاك معدني خافت قادم من عمق الأرض. في البداية تجاهله، لكن الصوت تكرر بإيقاع منتظم، أقرب إلى صوت إبرة تخترق قماشاً مشدوداً. حمل مصباحه وتقدم بحذر داخل الموقع، وكل خطوة كان يشعر معها بأن الهواء يبرد أكثر، رغم أن الليل لم يكن شديد البرودة.

عندما وصل إلى منتصف الحفرة، لاحظ شيئاً غريباً؛ جزءاً من الأرض بدا وكأنه هبط قليلاً، كأن التربة تحركت من الداخل. ركع ليتفحص المكان، فسمع بوضوح همساً خافتاً يشبه حديث شخصين، أحدهما رجل عجوز والآخر صوت فتاة شابة. لم يفهم الكلمات، لكنها بدت مألوفة بطريقة غير مريحة. تراجع بخوف، وحين رفع المصباح أمامه لمح لثانية واحدة ظلاً لرجل يقف على حافة الحفرة مرتدياً طربوشاً قديماً، وخلفه فتاة تحمل حقيبة سفر صغيرة. blink واحد فقط، ثم اختفى كل شيء، وعاد الموقع خالياً كما كان.

في الصباح التالي، رفض ربيع العودة إلى عمله وغادر دون تفسير واضح، لكنه أخبر زميلاً له قبل الرحيل بأن المكان “لم يُهدم فعلاً”، وأن ما تحت الأرض ما زال حياً. انتشرت القصة مجدداً بين العمال، وبدأ بعضهم يلاحظ تفاصيل صغيرة لم ينتبهوا لها سابقاً؛ أدوات البناء تختفي ثم تظهر في أماكن مختلفة، آثار خطوات فوق الأسمنت الطازج قبل أن يجف، وأحياناً خطوط رفيعة تشبه الخيوط السوداء تظهر على الجدران الجديدة ثم تختفي بعد ساعات.

ومع تقدم المشروع، قررت الشركة إقامة الأساسات العميقة للبناء الجديد. أثناء الحفر باستخدام المعدات الثقيلة، اصطدمت إحدى الحفارات بجسم صلب لم يكن موجوداً في المخططات. أوقف العمال العمل وبدأوا الحفر اليدوي، ليكتشفوا جداراً قديماً مدفوناً أعمق مما توقع الجميع، جزءاً من أساس العمارة القديمة لم يُهدم بالكامل. الغريب أن الجدار كان سليماً تماماً، وكأن الزمن لم يمسه، وعلى سطحه ظهرت آثار خياطة حجرية دقيقة، خطوط متقاطعة تشبه غرزة ضخمة تربط الأحجار ببعضها.

المهندس المسؤول أمر بإزالة الجدار فوراً، لكن كل محاولة لكسره كانت تنتهي بتعطل المعدات أو انقطاع الكهرباء المفاجئ. ومع كل ضربة مطرقة، كان بعض العمال يقسمون أنهم يسمعون أنيناً مكتوماً يخرج من الداخل. أحد كبار السن بينهم رفض الاستمرار وقال جملة ظلت تتردد بعد ذلك طويلاً: “في بيوت لو وقعت، روحها تفضل ماسكة في الأرض”.

في تلك الليلة تحديداً، شوهد للمرة الأخيرة ذلك الظل الواقف عند مدخل الموقع. كاميرا المراقبة سجلت لقطة مشوشة لرجل مسن يقف ثابتاً لدقائق طويلة، ثم يلتفت ببطء نحو العدسة، وكأنه يدرك وجودها، قبل أن تختفي الصورة تماماً بسبب عطل مفاجئ. وعندما عادت الكاميرا للعمل، لم يكن هناك أحد، لكن على الأرض ظهرت خيوط سوداء رفيعة ممتدة لمسافة قصيرة ثم منقطعة، كأنها سُحبت إلى باطن الأرض.

بعد أشهر، اكتمل المبنى الجديد وافتتحت الشقق الحديثة، وانتقل السكان الجدد دون معرفة بتاريخ المكان. الحياة بدت طبيعية في البداية، أطفال يلعبون، أضواء مضاءة، وأصوات حياة عادية. لكن بعض القاطنين بدأوا يشتكون من أحلام متكررة؛ عمارة قديمة، ممر طويل، وصوت ماكينة خياطة لا يتوقف. إحدى السيدات أقسمت أنها رأت في مرآة المصعد رجلاً يقف خلفها للحظة قبل أن يختفي عندما استدارت.

لم يربط أحد بين تلك الأحداث رسمياً، لكن الحارس الليلي الجديد اعتاد أن يترك كوب شاي ساخناً قرب مدخل البناية كل فجر دون أن يعرف لماذا. كان يقول لمن يسأله إنه يشعر بأن أحداً يقف هناك دائماً، يراقب في هدوء، لا يؤذي أحداً، فقط يتأكد أن المكان ما زال قائماً. ومع مرور الوقت، صار بعض السكان يلاحظون أن الأعطال الكبيرة لا تحدث أبداً، وكأن قوة خفية تحمي المبنى من الانهيار.

وهكذا، بقيت حكاية “ستة شارع الضباب” عالقة بين الماضي والحاضر؛ عمارة اختفت من فوق الأرض لكنها لم تغادرها تماماً. يقول البعض إن الأرواح التي ارتبطت بالمكان لم تكن تبحث عن الانتقام بقدر ما كانت تبحث عن البقاء، عن بيت لا يُمحى بسهولة. وفي ساعات الفجر الأولى، حين يصبح الشارع خالياً تماماً، يمكن أحياناً رؤية انعكاس خافت على زجاج المبنى الجديد… رجل عجوز يقف بجوار فتاة شابة، ينظران بصمت إلى ما كان يوماً منزلهما الأبدي.

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان