أمتى هتيجي؟! رواية الشك والخيانة

أمتى هتيجي؟! رواية الشك والخيانة


وحشتني… بحبك…. أمتى هتيجي؟! رواية الشك والخيانة

بدأ اليوم كما اعتدنا، البرد يلف المدينة والهدوء يملأ البيت، لكن قلبي كان يرفرف بلا سبب واضح، كأن شيئًا ما يحاول الوصول إليّ من بعيد. جلست في غرفة المعيشة، ماسكة تليفون زوجي زين، أنظر إليه بين الحين والآخر وأنا أحاول كبح شعور القلق الذي بدأ يتسلل إليّ تدريجيًا. فجأة، لفت انتباهي ثلاث رسائل على الواتس آب من شخص اسمه جمال. كلمات بسيطة، لكنها مثقلة بالحنين والاشتياق: “وحشتني… بحبك… أمتى هتيجي؟!”. شعرت بقشعريرة تتسلق عمودي الفقري، وبدأت يداي ترتعشان وأنا أحاول قلب الهاتف بين يديّ، متسائلة في صمت: “مين جمال؟ ولماذا يرسل له زوجي رسائل كهذه؟!”

شعور الشك بدأ يتسلل إليّ بخفة، لكنه لم يكن مجرد شعور عابر، بل أصبح عاصفة صغيرة تكاد تلتهم قلبي. حاولت فتح الهاتف للتأكد من الأمر، لكن فوجئت بأن الباسورد قد تغير. حتى الأشياء الثابتة طوال سنوات زواجنا لم تعد كما كانت، وهذه المفاجأة الصغيرة أشعلت بداخلي شعورًا بالغموض والخوف. جلست دقيقة أطول من المعتاد، أستعيد ذكريات الأسابيع الأخيرة وأراجع تصرفاتي: هل ابتعدت عن زين بالفعل؟ هل انشغالي بالأطفال والمدرسة جعلني أقل اهتمامًا به؟

لقد كان زين منذ البداية مثالًا للرجل المثالي في حياتي، لكنه لم يغير الباسورد طوال سنوات، والآن فجأة يفعل ذلك. شعرت بأن هناك شيئًا مخفيًا، وأن عليّ اكتشافه مهما كان الثمن، مهما كانت العواقب. كانت تلك اللحظة بمثابة نقطة تحول صغيرة، شعرت فيها أن حياتي الزوجية على وشك الانقسام بين الثقة والريبة.

بعد أن نومت الأطفال وجهزت العشاء بعناية، جلست أنتظر اللحظة المناسبة للكلام. عندما جلسنا سوياً في الصالة، بدا صوته مختلفًا، وكلماته كانت محاولة لكسر حاجز الصمت الطويل بيننا. قال بلطف: “خير؟ انتي تعبانة ولا حاجة؟” نظرت إليه بدهشة، فأضاف مبتسمًا بخفة: “ليه يعني؟ حضرتلك العشا بنفسي، نومت العيال، ولابسة كويس حتى شعرك مسرح… خير، ابتديت أخاف.”

ضحكت بخجل، لكن قلبي كان مثقلاً بالقلق: “ايه يا زين؟ أنا مبدلعكش إلا لما يكون في شيء.” أومأ برأسه وقال بصراحة موجعة: “بصراحة، أيوة، منتهى. احنا آخر مرة قعدنا مع بعض لوحدنا من شهرين. غير كده، انتي مهتمة بأولادك ودروسهم والمدرسة، وأنا بالنسبالك مش موجود.” شعرت بوخز الذنب يتسلق صدري، كانت كلمات زين صادقة، وأنا أعترف لنفسي أني أهملت العلاقة بيننا لصالح الانشغال بالواجبات المنزلية والمدرسية.

مسكت يده وقلت بصوت خافت: “وأنا قررت أصلح غلطي.” ابتسم لي بابتسامة هادئة، وقال: “رغم أنك اتأخرتي، بس مش مهم. أنا فرحان برضه.” ومع ذلك، ظل الشك يطن في قلبي، يدفعني لمعرفة الحقيقة مهما كانت صعبة ومؤلمة.

بعد ساعتين، ومع نوم زين العميق، أمسكت الموبايل بحذر، شاكرة الله أن بصمته تسمح لي بالدخول دون أن يلاحظ. فتحت الواتس، وبدأت اقرأ الرسائل. دموعي لم تتوقف، كل رسالة كانت محملة بالحب والحنين، لكن خلف الكلمات كان هناك شيء غامض، سر يختبئ بين السطور. الرسائل كانت بينه وبين امرأة تُدعى ملك، تتحدث عن مفتاح الشقة وعن تفاصيل دقيقة لم أنتبه لها من قبل. تذكرت فجأة مفتاحًا غريبًا رأيته في جيبه قبل أيام، لم أعطه اهتمامًا آنذاك.

بحثت في ملابسه ووجدت المفتاح. شعرت بالخوف والتوتر يتصاعدان، لكن عزيمتي كانت أقوى. تحت البيت، هناك شخص يمكنه نسخ المفاتيح، فذهبت إليه وأخذت نسخة، وقررت أن أواجه زين غدًا لمعرفة الحقيقة، خاصة وأنه سيذهب لرؤية والدته. كنت أعرف أن هذه المواجهة ستكون حاسمة، وستكشف كل شيء دفين ومخفي منذ سنوات.

في صباح اليوم التالي، استيقظ زين متفاجئًا بهدوئي، وعندما أخبرته أنني سأقضي اليوم عند والدتي، قال: “والله يا منتهى، أنا حاسس إنك بقيتي حد تاني!” ضحكت ضحكة مكتومة في داخلي، وأنا أفكر: “اليوم سيشهد المواجهة الحقيقية، اليوم سيعرف زين الوجه الذي لم يتخيله قط.” كنت أشعر بمزيج من الخوف والحماسة والتوتر، لكن عزيمتي كانت أقوى من كل شيء.

ركبت تاكسي وتتبعت خطواته، وصلنا للعمارة التي تعرفت عليها من تفاصيل الرسائل القديمة، قلبي يخفق بقوة، ويداي ترتجف أثناء إدخالي المفتاح في القفل وأدير لفتين. الباب انفتح ببطء، والرؤية كانت ضبابية بسبب الدموع، لكن ما رأيته أمامي جعل دمي يتجمد في عروقي. الصدمة لم تكن مجرد وجود امرأة أخرى، بل الحقيقة التي أخفاها زين طوال سنوات.

داخل الشقة، كان كل شيء هادئًا، رائحة البخور تعبق المكان، وصوت التلفاز منخفض جدًا. اقتربت من الصالة، وإذا بزين جالسًا بضهره، وأمامه امرأة ترتدي طرحة، يمسك يديها ويبكي بحرقة. لحظة رؤيتي له، ارتجفت، وصرخت: “منتهى؟! إنتي إيه اللي جابك هنا؟ وإزاي معاكي مفتاح؟!” نظرت للمرأة بجانبه وسألت بصرامة ودموع: “مين دي يا زين؟ وفين ملك؟ ومين جمال اللي بيبعتلك ‘بحبك ووحشتني’ ده؟!”

صمت زين لحظة، ثم بص إلى المرأة وقال بصوت منخفض: “دي أمي يا منتهى.. وجمال ده أخويا الصغير!” شعرت بالصدمة تغمرني، الأم التي كنت أظنها ماتت منذ سنوات كانت على قيد الحياة، فقدت الذاكرة وتعرضت لشلل نصفي، وأخو جمال طفل بعقل طفل مصاب بإعاقة ذهنية. كل الرسائل الغامضة، كل الظنون التي اعتقدتها خيانة، كانت محاولات لرعاية أخيه وأمه. ملك، التي ظننت أنها امرأة أخرى، كانت ممرضة تهتم بهم فقط.

زين بدأ بالبكاء بحرقة، يشرح كل شيء: “كنت بغير الباسورد ومسح الرسائل عشان متحسش بأي نظرة شفقة منك. أنا آسف إني خبيت عليك، لكن كنت بموت كل يوم وأنا شايل كل ده لوحدي.” شعرت فجأة أن كل الشك في قلبي كان بلا سبب حقيقي، وأن الخيانة لم تكن موجودة، بل فقدان الثقة كان السبب.

جلست على كرسي، جسدي كله يرتجف، زين جلس أمامي، أمسك يدي، ولكن هذه المرة لم أكن أخاف من لمسته، كنت أشعر بالحرج من نفسي ومن ظني الخاطئ. قلت له: “ليه يا زين؟ ليه خبيت عليا كل ده؟ إحنا عشرة سنين.. معقول شايفني وحشة لدرجة إني ممكن أرفض أهلك؟” رد مخنوق: “والله ما قصدي.. بس كنت خايف تشيلي هم فوق همك.. كنت عاوزك تشوفي زين القوي بس، مش زين اللي شايل جبال على كتافه.”

نظرت إلى جمال، الطفل البريء، الذي ابتسم لي بابتسامة طفولية وهو يرسل رسالة على الموبايل: “زين.. بحبك.. جه؟”. ضحكت بدموع، شعرت بالارتياح لأول مرة منذ أيام. أدركت أن الخيانة لم تكن موجودة أبداً، بل كان الشك وحده الذي سيطر علينا.

وقفت، اقتربت من والدته، وضعت يدي عليها، وأخبرت زين بلهجة حنونة: “إنت غلطت يا زين.. غلطت لما افتكرت إن شيلتك تقيلة عليا. إحنا اتجوزنا عشان نشيل مع بعض، مش عشان نعيش في تمثيلية. من بكرة، الشقة دي هتتقفل، وأمك وأخوكي مكانهم وسطنا.” دموع زين لم تتوقف، لم أرها منذ سنوات. سأل: “بجد؟ مش هتضايقي؟ والولاد؟” أجبت: “الولاد لازم يعرفوا إن ليهم تيتة وعم.. لازم يتربوا على الحنية والرحمة.. أنا آسفة إني كنت بعيدة عنك لدرجة إنك خوفت تحكيلي.”

في ذلك اليوم، عدنا جميعًا للمنزل، نرتب حياتنا من جديد، وكل الشكوك ذابت أمام الحقيقة. تعلمت درسًا عظيماً: أحياناً الشك يكون نداءً لرؤية الحقيقة المخفية أمام أعيننا. زين لم يخونني، بل كان يحمي عائلته بطريقة خاطئة، وأنا كنت أغفل اهتمامي به. الرسائل لم تكن خيانة، بل صرخة روح محتاجة لمن يسمعها. تعلمت أن الحب الحقيقي يحتاج الثقة والتواصل أكثر من أي وقت مضى.

الشك كانت محور الرحلة، وكل لحظة مرت بي تعلمت فيها أن الثقة والحب الحقيقيان يحتاجان إلى صبر وفهم، وأن سوء الظن قد يظلل القلب حتى عن الحقيقة الأقرب إليه.

انضم للمجتمع

ألاء الشافعي
ألاء الشافعي