شقة رقم 17: الطالبة التي سكنت وحدها واختفت بعد تسجيل مرعب الساعة الثالثة فجرًا

شقة رقم 17: الطالبة التي سكنت وحدها واختفت بعد تسجيل مرعب الساعة الثالثة فجرًا


شقة رقم 17

نور كانت في التاسعة عشرة من عمرها فقط حين قررت لأول مرة أن تخرج من حدود حياتها القديمة. لم يكن القرار سهلًا كما بدا أمام أهلها وهي تبتسم بثقة مصطنعة وتؤكد لهم أنها أصبحت كبيرة بما يكفي لتعيش وحدها، لكن في داخلها كان هناك مزيج غريب من الحماس والخوف. الجامعة التي قُبلت فيها كانت بعيدة عن بلدتها الصغيرة، بعيدة عن صوت أمها وهي تناديها صباحًا، وعن رائحة الطعام الذي كانت تعود إليه كل مساء، وعن الأمان الذي لم تدرك قيمته إلا حين بدأت توضّب حقيبتها استعدادًا للرحيل. كانت ترى الانتقال بداية جديدة؛ استقلال، حرية، فرصة لأن تكتشف نفسها بعيدًا عن رقابة الجميع. كانت تتخيل ليالي المذاكرة الهادئة، قهوتها الساخنة بجانب النافذة، وأيامًا تشبه الأفلام التي كانت تشاهدها عن حياة الطلبة في المدن الكبيرة.

حين وصلت إلى المدينة، شعرت في البداية بالضياع. الشوارع أوسع مما اعتادت، والوجوه تمر بسرعة دون أن تلتفت، والضوضاء لا تتوقف. قضت يومين تبحث عن مكان مناسب للسكن، وكل شقة كانت إما باهظة الثمن أو مزدحمة أو بعيدة عن الجامعة. حتى ظهر السمسار فجأة كحل سحري، رجل نحيف بملامح متعبة وعينين لا تستقران طويلًا على شيء. قال لها إنه يعرف شقة مناسبة تمامًا لطالبة مثلها، رخيصة وهادئة وقريبة من المواصلات. لم تفكر كثيرًا، تبعته في شارع جانبي ضيق، الأشجار فيه قديمة والعمارات تبدو كأنها تنتمي لزمن آخر.

العمارة نفسها كانت صامتة بشكل غير مريح. مدخل ضيق، أرضية رخام متآكلة، ورائحة رطوبة خفيفة لا تختفي رغم فتح النوافذ. المصعد كان قديمًا لدرجة أنها فضلت استخدام السلم، وكل خطوة كانت تُصدر صدى طويلًا كأن المبنى يسمعها. توقف السمسار أمام باب كتب عليه رقم معدني باهت: 17. فتح الباب بسرعة، وكأنه يريد إنهاء الأمر قبل أن تغيّر رأيها. الشقة من الداخل كانت مقبولة؛ غرفة نوم صغيرة، صالة متوسطة، مطبخ بسيط، وباب جانبي مغلق بالمفتاح.

صاحب العمارة حضر للحظة قصيرة فقط. رجل مسن، صامت أغلب الوقت، يراقبها بنظرة لم تفهمها، ليست عدائية لكنها ثقيلة، كأنها تحمل معرفة لا يريد مشاركتها. وقّعت نور العقد بسرعة، فرحة بأنها وجدت مكانًا أخيرًا، وقبل أن تغادر التفت الرجل إليها وقال بنبرة بطيئة: “أهم حاجة… لو سمعتي صوت خبط الساعة تلاتة الفجر… ما تفتحيش الباب.” ضحكت نور تلقائيًا، ظنتها مزحة سخيفة لتخويف المستأجرين الجدد، لكنها لاحظت أن الرجل لم يبتسم، ولم يبدُ كمن يمزح أصلًا.

في الليلة الأولى، حاولت أن تجعل المكان يبدو مألوفًا. رتبت ملابسها، وضعت صور عائلتها بجانب السرير، وشغّلت موسيقى خفيفة لتكسر الصمت. لكن العمارة كانت هادئة بشكل غير طبيعي. لا صوت تلفزيون من الشقق المجاورة، لا خطوات في الممر، حتى المصعد لم تسمع حركته مرة واحدة. حاولت إقناع نفسها أن السكان ببساطة ينامون مبكرًا، وأنها تبالغ بسبب المكان الجديد.

نامت قرب منتصف الليل، لكن نومها لم يكن عميقًا. استيقظت فجأة دون سبب واضح، كأن أحدًا ناداها من حلم لم تتذكره. فتحت عينيها ببطء، ومدّت يدها نحو الهاتف. الشاشة أضاءت: 3:00 صباحًا. وفي اللحظة نفسها تمامًا… جاء الصوت.

خبط خفيف. منتظم. ثلاث طرقات متتالية على باب الشقة. شعرت ببرودة تسري في أطرافها. همست لنفسها إن أحد الجيران ربما أخطأ الطابق. صمت الصوت لثوانٍ، ثم عاد أقوى. قلبها بدأ يدق بعنف، لكنها أجبرت نفسها على الاقتراب من الباب. نظرت عبر العين السحرية… الممر كان فارغًا تمامًا، لكن الضوء في الطرقة كان يطفئ ويضيء وحده، كأن الكهرباء تتنفس.

تراجعت خطوة للخلف، وقبل أن تستوعب ما يحدث جاء الخبط مرة ثالثة… لكن هذه المرة لم يكن من الخارج. كان من داخل الشقة. من خلفها مباشرة.

استدارت ببطء، والصوت واضح الآن… صادر من الباب الصغير المغلق بالمفتاح، الباب الذي قيل لها إنه مجرد مخزن قديم. ثلاث طرقات… صمت… ثلاث طرقات أخرى. اقتربت دون وعي، وضعت أذنها على الباب، وسمعت شيئًا جعل الدم يتجمد في عروقها: بكاء امرأة، مكتوم، ضعيف، كأن شخصًا يحاول البكاء دون أن يُسمع. فجأة توقف البكاء، وتحول إلى همسة قريبة جدًا: “افتحيلي…”

اندفعت نور نحو باب الشقة الرئيسي محاولة الهرب، لكنها اكتشفت أن المقبض لا يتحرك. الباب مغلق من الخارج. كيف؟ هي متأكدة أنها أغلقته من الداخل بنفسها. عاد الخبط خلفها، أقوى وأسرع، والباب الصغير يهتز بعنف، والمقبض يتحرك وحده. صرخت، لكن صوتها بدا ضعيفًا داخل الصمت الثقيل.

لا تتذكر متى فقدت الوعي. كل ما تعرفه أنها استيقظت صباحًا على صوت هاتفها والشمس تغمر الغرفة. كل شيء بدا طبيعيًا. باب الشقة مفتوح، ولا أثر لأي شيء. أقنعت نفسها أنه كابوس سببه التوتر.

نزلت إلى البواب وسألته بتردد. الرجل صمت طويلًا قبل أن يسألها: “انتي قعدتي في 17؟” وحين أومأت، تنهد وقال: “كل اللي قبلك مشيوا بعد أسبوع… واحدة بس ما مشيتش.” ابتلعت ريقها وسألته: “يعني إيه؟” رد بصوت منخفض: “اختفت.”

بدل أن ترحل، قررت نور البقاء. الفضول كان أقوى من الخوف. وضعت هاتفها في الصالة موجّهًا نحو باب الغرفة المغلقة لتسجيل الليل كاملًا. انتظرت الساعة الثالثة، لكن لم يحدث شيء. عند الثالثة وخمس دقائق ضحكت بسخرية ونامت.

في الصباح، فتحت التسجيل. كل شيء طبيعي حتى 2:59… ثم بدأت الصورة تتشوش. عند الثالثة تمامًا أظلمت الشاشة لثانية واحدة. وعندما عادت الصورة… كان باب الغرفة مفتوحًا.

في زاوية الكاميرا وقفت فتاة، شعرها يغطي وجهها، ترتدي نفس ملابس نور. رفعت رأسها ببطء… وكان الوجه وجه نور نفسها، لكن بعينين سوداوتين بلا بياض. فجأة سقط الهاتف، وآخر ما سُجل كان صوت خبط… ثلاث طرقات… وصوت نور يأتي من داخل الغرفة يهمس: “افتحيلي…”

منذ ذلك اليوم، يقول الجيران إن شقة رقم 17 أصبحت فارغة مرة أخرى. لكن أحيانًا، عند الثالثة فجرًا، يسمعون ثلاث خبطات هادئة خلف الباب. وإذا اقترب أحد أكثر من اللازم… يسمع صوت فتاة تناديه باسمه، لا تطلب النجدة… بل تبحث عن شخص جديد يأخذ مكانها داخل الغرفة التي لا تُفتح أبدًا.

مرّت ثلاثة أيام بعد اختفاء نور، والعمارة عادت إلى صمتها المعتاد كأن شيئًا لم يحدث أصلًا. الشرطة جاءت مرة واحدة فقط بعد بلاغ من الجامعة عن غياب طالبة لم تحضر المحاضرات، طرقوا باب الشقة رقم 17، دخلوا، تفقدوا المكان سريعًا، ثم خرجوا بنفس الحيرة التي دخلوا بها. لم يكن هناك كسر في الأبواب، لا آثار عنف، ولا حتى حقيبة سفر مفقودة توحي بأنها غادرت بإرادتها. كل شيء كان مرتبًا أكثر مما ينبغي، السرير مشدود، الكتب فوق المكتب، والهاتف المحمول موضوع على الطاولة وكأنه ينتظر صاحبه يعود بعد دقائق.

لكن الشيء الوحيد الذي لم يلاحظه أحد وقتها… كان الهاتف الاحتياطي الذي تركته نور موصولًا بالشاحن خلف التلفاز. الهاتف الذي استخدمته للتسجيل في الليلة الأخيرة. ظل الجهاز هناك، صامتًا، يسجل دون أن ينتبه له أحد، لأن التطبيق الذي شغلته كان مضبوطًا على التسجيل التلقائي كل ليلة في نفس التوقيت.

في مساء اليوم الرابع، صعد عامل صيانة الكهرباء إلى الطابق الثالث بعد شكوى من وميض متكرر في الإضاءة. كان رجلاً بسيطًا اعتاد دخول العمارات القديمة دون اهتمام بما يُقال عنها. فتح باب الشقة باستخدام المفتاح الاحتياطي الذي يحتفظ به صاحب العمارة، ودخل وهو يتمتم بضجر عن الأسلاك القديمة. المكان بدا باردًا رغم حرارة الجو، وكأن الهواء نفسه راكد منذ أيام. أثناء تفقده المقبس خلف التلفاز، لاحظ ضوءًا صغيرًا يومض من الهاتف الموضوع على الأرض.

التقط الجهاز ليفصله، لكنه لاحظ أن الشاشة تعرض إشعارًا: “تم حفظ تسجيل جديد — الساعة 3:00 صباحًا.” تردد للحظة، ثم ضغط بدافع الفضول. بدأ الفيديو عاديًا، غرفة مظلمة، باب الغرفة الصغيرة مغلق، لا حركة. مرت الدقائق ببطء حتى ظهرت الساعة أعلى الشاشة: 2:59. فجأة بدأ التشويش نفسه الذي ظهر في تسجيل نور، خطوط رمادية تتحرك كأن الكاميرا تفقد الاتصال بشيء غير مرئي.

وعند الثالثة تمامًا… انفتح الباب.

لكن هذه المرة لم تكن الفتاة وحدها.

ظهر الممر الداخلي مظلمًا، ومن داخله خرجت نور ببطء شديد، خطواتها ثقيلة كأنها تتعلم المشي من جديد. وجهها شاحب، عيناها ثابتتان نحو الكاميرا، لكن خلفها… كانت هناك ظلال أخرى تتحرك. أشكال غير واضحة، كأن أشخاصًا يقفون داخل الغرفة ينتظرون دورهم للخروج. توقفت نور أمام العدسة تمامًا، اقتربت حتى امتلأت الشاشة بملامحها، ثم ابتسمت ابتسامة بطيئة لم تشبهها أبدًا.

مدّت يدها نحو الكاميرا، وقبل أن تلمسها انطفأت الصورة فجأة. العامل شعر بقشعريرة تسري في جسده، حاول إقناع نفسه أن ما شاهده مجرد خلل تقني، لكن الصوت الذي سمعه بعدها جعله يسقط الهاتف من يده. خبط خفيف… ثلاث طرقات… قادم من الغرفة الصغيرة خلفه.

تجمّد مكانه. التفت ببطء، والباب الذي كان مفتوحًا في التسجيل أصبح الآن مغلقًا بإحكام. عاد الصوت مرة أخرى، أقرب هذه المرة، ثم جاءت همسة واضحة جدًا، قريبة من أذنه رغم أن لا أحد يقف خلفه: “افتح… دورك جه.”

لم ينتظر ثانية واحدة. خرج يركض من الشقة تاركًا أدواته وكل شيء خلفه، ونزل السلالم دون أن يلتفت. في اليوم التالي، رفض العودة لإكمال العمل، وصاحب العمارة أغلق الشقة مرة أخرى، وأضاف قفلًا جديدًا على الباب، ثم قفلًا ثانيًا… وثالثًا.

لكن الأقفال لم تغيّر شيئًا.

لأن سكان الطابق يقولون إن الضوء ما زال يومض كل ليلة عند الثالثة فجرًا، وأن صوت خطوات خفيفة يُسمع داخل الشقة رغم أنها مغلقة منذ شهور. وأحيانًا… حين يسود الصمت تمامًا، يسمعون صوت هاتف يهتز على الأرض، يتبعه خبط منتظم… ثلاث طرقات… ثم همسة فتاة شابة تنادي باسم شخص جديد، كأنها تحفظ أسماء القادمين مسبقًا.

ومنذ ذلك الحين، لم يعد أحد يقبل السكن في الشقة رقم 17، لكن الغريب أن إعلان الإيجار يظهر كل فترة على الإنترنت بسعر مغرٍ جدًا… وصور لشقة هادئة مضاءة بنور دافئ، وكأنها تنتظر ساكنًا آخر لا يعرف أن بعض الأبواب، حين تُفتح مرة، لا تُغلق أبدًا.

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان