البيت الأصفر في السيدة زينب

البيت الأصفر في السيدة زينب


البيت الأصفر في السيدة زينب

الحكاية لم تبدأ بصراخ، ولا بظهور أشباح كما تحب الأفلام أن تقنعنا، بل بدأت بهدوء ثقيل داخل بيت قديم في أحد أزقة السيدة زينب، بيت أصفر اللون، لكن صفاره لم يكن مبهجًا، بل باهتًا كأن الجدران امتصت سنوات طويلة من التعب والحزن حتى فقدت قدرتها على التنفس. كان البيت واقفًا وسط الحارة كعجوز صامت يراقب المارة دون أن يتدخل، شبابيكه العالية مغلقة أغلب الوقت، وبابه الخشبي يحمل آثار طرقات لا يعرف أحد متى بدأت.

حين انتقلت عائلة محمود للسكن هناك، ظن الجميع أنهم وجدوا فرصة نادرة؛ بيت واسع بإيجار معقول في منطقة لا يتركها أهلها بسهولة. الجدة أم نعيمة كانت أول من دخل البيت، توقفت عند العتبة لحظة أطول من اللازم، نظرت حولها بنظرة لم يفهمها أحد، ثم تمتمت بكلمات خافتة قبل أن تخطو للداخل. محمود لم يلاحظ، كان منشغلًا بحمل الأثاث، بينما زوجته سحر كانت تتحرك بعصبية غير معتادة، تراقب الزوايا كأنها تبحث عن شيء تعرفه مسبقًا.

أما الصغيرة ليلى، فقد أحبت المكان فورًا بطريقة أربكت الجميع. كانت تدور في الغرف وتضحك وحدها، تتحدث مع الفراغ كأن أحدًا يجيبها فعلًا. في البداية اعتبروا الأمر خيال طفلة، لكن أم نعيمة لم تضحك مثلهم. كانت تراقب حفيدتها بصمت، وعيناها تحملان خوفًا قديمًا عاد للحياة فجأة.

الأمور بدأت صغيرة جدًا، لدرجة أن العقل يستطيع تجاهلها بسهولة. نور الصالة ينطفئ ويعود وحده، صوت خطوات خفيفة ليلًا، باب المطبخ يتحرك رغم عدم وجود هواء. محمود كان يفسر كل شيء بالمنطق؛ ماس كهربائي، خشب قديم، مواسير تتحرك. سحر كانت تحاول تصديق ذلك، لكنها كل ليلة كانت تستيقظ قبل الفجر بدقائق دون سبب واضح، كأن أحدًا يناديها من حلم لا تتذكره.

ليلى وحدها لم تكن خائفة. كانت تقول بثقة طفولية إن “خالو سامي” لا يحب الشبابيك المغلقة. المشكلة أن لا أحد في العائلة يحمل هذا الاسم. حين سألوها من هو، قالت ببساطة إنه يعيش فوق، ويغضب حين يعلو الصوت.

بدأ الجيران يلاحظون أن البيت يظل مغلقًا حتى في أشد أيام الصيف حرارة، وأن صوت خبط منتظم يخرج منه بعد الفجر، كأن شخصًا يطرق صندوقًا خشبيًا من الداخل. ومع تكرار الحديث، ظهر اسم رجل غامض في الحارة: شوقي بائع الخردة، الرجل الذي لا يعرف أحد مكان بيته، والذي كان يقف أحيانًا أمام المنزل يحدق فيه طويلًا ثم يرحل دون كلمة.

في ليلة ممطرة، استيقظت سحر على همس واضح بجوار أذنها. صوت رجل يقول بهدوء شديد: “رجعي الحاجة مكانها.” قفزت من السرير مذعورة، لتجد ليلى واقفة عند الباب، شاحبة الوجه، تردد: “هو زعلان.” حاول محمود تهدئة الموقف، لكنه أثناء سيره في الطرقة شعر ببرودة تمر قرب ساقه كأن شخصًا مر بجانبه.

في الصباح، طلبت أم نعيمة فجأة تفتيش العشة أعلى السطح. لم تشرح السبب، فقط قالت إن ما هناك ليس ملكهم. صعد محمود مترددًا، ليجد صندوقًا خشبيًا قديمًا مغلقًا بسلسلة صدئة. ما إن لمسه حتى سقطت السلسلة وحدها. داخل الصندوق كانت دمية قديمة بعين زجاجية مكسورة وأخرى لامعة بشكل غير مريح.

ضحك محمود محاولًا طرد القلق، لكن أثناء إغلاق الصندوق سمع خبطًا خافتًا من داخله.

ومنذ تلك اللحظة تغيّر كل شيء.

ليلى بدأت تتحدث عن الدمية وكأنها شخص حي، تقول إن اسمها مريم، وإنها لا تحب سحر. الأثاث تحرك أحيانًا، الأطباق سقطت، وصورة زفاف محمود وسحر تحطمت دون سبب. سحر نفسها بدأت تتغير، عصبية، شاردة، تنظر لطفلتها أحيانًا بنظرة لا تشبه نظرات الأمهات.

ظهر شوقي مرة أخرى وقال لمحمود إن ما في الصندوق روح محبوسة، وإن من حبسها ما زال حيًا. قبل أن يغادر أضاف جملة جعلت الدم يتجمد في عروق محمود: “اللي مات… لسه مستني حقه.”

وفي ليلة صامتة اختفت ليلى.

صعد محمود إلى السطح على صوت ضحك طفولي، ليجد باب العشة مفتوحًا، والدمية جالسة على الصندوق، وخلفها ابنته تبتسم ابتسامة واسعة غريبة. قالت بهدوء: “مريم خرجت.”

عندها انهارت الحقيقة. اعترفت سحر بأن سامي، شقيق محمود، لم يمت بحادث كما قيل، بل سقط أثناء شجار بينها وبينه قبل سنوات. خوفًا من الفضيحة، أخفت أم نعيمة الحقيقة، بينما لجأت سحر لشخص ادعى قدرته على حبس الروح داخل الدمية.

لكن الأرواح لا تُحبس للأبد.

سقطت ليلى مغشيًا عليها، واشتعلت الدمية بنار خرجت من داخلها، وصوت صراخ رجل ملأ السطح قبل أن يسود صمت كامل. بعدها عاد كل شيء هادئًا… ظاهريًا.

مرت أيام، بدت الحياة طبيعية، حتى وجد محمود صندوقًا صغيرًا تحت سرير ليلى يحتوي على متعلقات سامي. حين سأل ابنته، قالت بهدوء مرعب إن مريم لم تكن تساعد سامي، بل كانت تحميها منه.

وفي تلك الليلة، عاد صوت الخبط.

ركض محمود إلى غرفة ليلى… فوجد السرير فارغًا، والنافذة مفتوحة، وعلى الوسادة الدمية سليمة تمامًا، بعينين كاملتين وابتسامة صغيرة.

ومن أسفل السرير خرج همس هادئ:

“رجعنا الحاجة مكانها.”

من الليلة اللي لقى فيها محمود الدمية سليمة على المخدة، بعينين اتنين كأن الكسر عمره ما حصل، ومسمعش غير الهمس اللي طلع من تحت السرير وقال “رجعنا الحاجة مكانها”، وهو ما بقاش عارف يصدق عينه ولا يصدق ودانه، لأنه كان متأكد إنه شاف النار وهي طالعة من جوه الدمية كأنها بتاكل سرّ اتدفن سنين، ومتأكد إنه سمع صرخة رجاليّة على السطح مش ممكن تكون من خياله، لكن اللي كان قدامه دلوقتي أكبر من أي تفسير: سحر نايمة جنب الحيطة، هادية زيادة عن اللزوم، ووشها مريح كأنها خرجت من حرب ورجعت من غير ولا خدش، وليلى مش في أوضتها، والبيت كله بارد ببرودة مش بتاعة شتا القاهرة، برودة كأن حيطانه اتشربت من الرطوبة حاجة تانية غير الميه. محمود فضل واقف في نص الأوضة لحظة طويلة، لا قادر يتحرك ولا قادر ينده، وكل اللي في دماغه سؤال واحد بيخبط زي نفس الخبط اللي كان يسمعه بعد الفجر: “مين رجّعها؟” لأن هو ما رجعش حاجة… هو بالعكس كان فاكر إنه خلّص، وإن اللي حصل على السطح كان نهاية، لكن النهايات في البيوت القديمة نادرًا ما بتكون نهايات، غالبًا بتبقى مجرد تغيير فصل.

طلع يجري على الصالة وهو ماسك الدمية في إيده كأنه ماسك دليل اتهام، وهو في نفس الوقت خايف يمسكها أكتر من كده، كأن لمستها بتدخل في جلده زي الشوك. فتح نور الصالة، النور اشتغل عادي، لكن صوت اللمبة كان بيطلع طنين خفيف مزعج، الطنين اللي كان بيحصل قبل ما النور يطفي ويولع لوحده. نادى على ليلى بصوت واطي في الأول، ثم أعلى شوية، ثم أعلى شوية لحد ما صوته بقى متقطع من الخوف ومن استغراب نفسه: “ليلى… ليلى يا بنتي!” مفيش رد. مشي ناحية المطبخ، لقى الكراسي في مكانها، المواعين كلها ثابتة، ولا كأن البيت اللي كان بيتقلب من أيام قرر فجأة يمثل عليه البراءة. رجع بص للطرقة، عيناه وقعت على فتحة السلم اللي بتطلع للسطح وتنزل للدور الأرضي في نفس الوقت، سلمة قديمة رخامها ملس من كتر الأقدام اللي طلعت ونزلت عليها، وتحت السلم كان في مخزن صغير عمره ما اهتم بيه، باب خشب قصير مقفول بقفل صدّي، كانوا بيحطوا فيه حاجات مالهاش قيمة: كراكيب، صناديق فاضية، كرسي مكسور، وحاجات من زمن أم نعيمة. محمود حِسّ فجأة إن عينه مشدودة للباب ده… كأن الباب بيناديه من غير صوت، وكأن الهمسة اللي طلعت من تحت السرير كانت بتسحبه ناحية المكان اللي ما حدش بيبص له عادة.

فتح الباب تحت السلم ببطء، وريحته ضربت وشه: رائحة خشب قديم وتراب، ومعاهم ريحة غريبة شبه البخور الخفيف، ريحة بتحسسك إن في حد كان واقف هنا قريب. الضوء اللي داخل من الصالة كان ضعيف، فاضطر يولّع كشاف موبايله، ولما النور وقع على جوه المخزن حسّ قلبه شد… لأنه شاف جنب الحيطة صندوق صغير ما كانش موجود قبل كده، صندوق خشب مش شبه صندوق السطح الكبير، ده أصغر، أنضف، وعليه شريط أحمر ملفوف كأنه اتربط بسرعة. محمود قرب منه، وركبته كانت بتترعش، وداخل دماغه صوت تاني بيقول له “اقفل… ارجع… ما تفتحش”، لكن إيده اتحركت لوحدها كأنها إيد حد تاني. فتح الصندوق… لقى جواه ورقة مطوية بعناية، ومعاها مفتاح قديم صغير، نفس لون مفاتيح البوابات العتيقة اللي بتعمل رنّة حادة لما تتحرك. الورقة مكتوب عليها بخط رفيع مش خط سحر ولا خط محمود، وخط ما يقدرش يحدده: “لو الدمية رجعت… يبقى الدور على اللي تحت السلم.”

طلع محمود من المخزن كأنه بيهرب، قفل الباب وراه، لكن وهو بيقفل سمع “طَقّة” خفيفة من الداخل… كأن حد جوه المخزن رد عليه. وقتها فهم إن القصة مش قصة دمية وبس، وإنه لو فضل يهرب ويقنع نفسه إنها هتعدي، البيت هياكلهم واحدة واحدة. دخل على سحر وهو بيحاول يبان ثابت، هزّها من كتفها: “اصحي يا سحر… ليلى مش موجودة.” سحر فتحت عينيها ببطء، ملامحها ما فيهاش فزع، بالعكس كانت هادية بشكل مخيف، قالت بصوت عادي جدًا: “يمكن عند أم نعيمة.” محمود حسّ بغصة، كأنه اتلسع، لأن أم نعيمة ماتت من أسبوعين، وسحر كانت موجودة في الجنازة، وكانت بتبكي… فإزاي لسانها يقول الجملة كده بمنتهى البساطة؟ محمود بص لها بحدة: “أم نعيمة ماتت يا سحر… انتي نسيتي؟” سحر رمشت مرتين، وبعدين ابتسمت ابتسامة صغيرة كأنها فهمت اللغز، وقالت: “أصل البيت ده… بيخلّي الواحد ينسى اللي يوجعه.” الجملة دي ما كانتش مطمّنة، كانت زي باب بيتفتح على هواء أبرد.

قرر محمود يطلب مساعدة. نزل للحارة يدور على شوقي. كان عارف إنه مش هيلاقيه بسهولة، لأن شوقي يظهر فجأة ويختفي فجأة، لكن الليلة دي كان لازم يطلع أي تفسير، أي خيط. لفّ في الشارع، سأل بتاع القهوة، سأل البقال، سأل البواب اللي تحت، وكلهم قالوا نفس الكلام: “شوقي؟ ده ما حدش يعرفله بيت… ده ييجي في وقت ويغيب في وقت.” لكن البواب، وهو راجل عجوز بعينين حادين، قال كلمة غريبة قبل ما يسكت: “شوقي بيبات ساعات… تحت السلم.” محمود اتجمد في مكانه، حسّ كلمة “تحت السلم” رجعت تلسعه من جديد. البواب كمل بصوت واطي: “مش عندك… عندنا هنا، تحت سلم العمارة، في ركن محدش بيدخله. بيقعد لوحده ويتكلم كأنه بيكلم حد.”

رجع محمود البيت وهو شايل الكلمة على كتفه كأنها حمل، طلع السلم بسرعة، فتح الباب ودخل وهو بينادي على ليلى، لكن البيت كان أهدى من أي مرة، هدوء مش مريح، هدوء كأن البيت بيتفرج عليه وهو بيخبط على أبوابه. سحر كانت قاعدة في الصالة، وشعرها مسدول، بتقلب في ألبوم صور قديم، صور محمود وسامي وهم صغيرين، صور كانت محطوطة في درج واتخبا بعد الحكاية، ومحمود ما كانش فاهم مين اللي طلعها. سألها: “الألبوم ده طلع منين؟” سحر رفعت وشها وقالت: “هو رجّعه… كان لازم تشوف.” محمود حسّ إن صدره ضاق: “هو مين؟” سحر ما ردتش، بس عينها راحت ناحية فتحة المخزن تحت السلم، كأن عينها بتشير من غير كلام.

محمود فتح باب المخزن تاني، والكشاف في إيده، لكنه المرة دي ما لقيش الصندوق الصغير بس… لقى حاجة تانية: خربشات على الحيطة، خطوط متقاطعة كأن حد قاعد يرسم بعصبية، وفي النص كلمة واحدة مكتوبة على التراب: “سامي”. محمود قرب وركّز، الكلمة مش مكتوبة بإيده ولا بإيد سحر، لأن الخط مختلف، وفي نفس اللحظة سمع صوت حفيف خفيف… زي صوت نفس بيتسحب. حطّ ودنه ناحية جوه المخزن، ما سمعش خبط، سمع همس بعيد جدًا كأنه من جوه الحيطان: “مش أنا… مش أنا.” محمود اتراجع خطوة، والدمية اللي كان حاططها على الترابيزة في الصالة وقعت فجأة لوحدها… وقعت من غير ما حد يلمسها، ووشها اتجه ناحية المخزن كأنها بتبص عليه.

في اللحظة دي رنّ تليفون محمود. رقم غريب. ردّ وهو بيحاول يثبت إيده. الصوت اللي على الخط كان صوت شوقي، كأنه متوقع إن محمود هيلاقي طريقه: “قلتلك يا أستاذ… اللي في الصندوق مش لعبة، واللي تحت السلم مش مخزن.” محمود صرخ: “أنت فين؟! بنتي راحت فين؟!” شوقي رد بهدوء مرعب: “البنت مش راحت… البنت اتشالت من قدام عينك. اسمعني كويس… البيت ده كان بيت سامي… والبيت ده شاف اللي ما ينفعش يتشاف. انزل حالًا قدام الباب… ومتطلعش السطح تاني، ومتفتحش الشباك، وخلي مراتك بعيد عن الدمية.”

محمود نزل يركض، وشوقي كان واقف قدام البيت كعادته، كأنه ما بيتحركش من مكانه أصلاً. وجهه شاحب، ولحيته مبعثرة، وعينيه فيها يقين الناس اللي شافت كتير. محمود مسكه من هدومه: “ليلى فين؟” شوقي ما اهتزّش، قال: “الليلة دي هترجع… بس مش لوحدها. انت فاكر إن مريم هي سامي… بس انت لسه مصدق القصة اللي اتقالتلك زمان، ومصدق إن كل اللي حصل على السطح كان نهاية. الحقيقة إن في روح تانية كانت ماشية جنب سامي طول عمره، روح كانت بتتغذى على خوفه، ولما مات… ما ماتتش معاه. اتحبست شوية في الدمية… ولما اتحرقت، اتفكت… ورجعت تدور على مكانها الأصلي: تحت السلم، الركن اللي اتدفنت فيه أول مرة.”

محمود حسّ إن الكلام أكبر من طاقته، لكنه كان مجبر يسمع، لأن ليلى هي المفتاح. شوقي كمل: “أم نعيمة ما سكتتش بس عشان الفضيحة… هي سكتت لأنها كانت عارفة إن في حاجة أقدم من سحر ومن سامي. البيت ده كان ملك ناس زمان… واتفكّ فيه سحر وحبس، واتسابت الحاجة تحت السلم عشان ما تطلعش. يوم ما نقلتوا… رجعت تفتّش عن مكانها، ولما سحر لمست الدمية واتكلمت عن سامي… الحاجة افتكرت إنها لقت الباب. هي مش عايزة سامي… هي عايزة اللي يعرف الحقيقة كلها.”

رجعوا فوق سوا. البيت كان مظلم فجأة رغم إن النور شغال، كأن الإضاءة ضعفت. سحر كانت واقفة قدام أوضة ليلى، بتضحك ضحكة قصيرة مكتومة، نفس الضحكة اللي محمود بدأ يخاف منها. شوقي قرب منها وقال باسمها: “سحر… سيبي الطفلة.” سحر التفتت وبصت له بعينين مش عينيها، وقالت بصوت هادي: “أنا سايباها… هي اللي جت.” ثم فتحت باب أوضة ليلى. السرير كان فاضي، لكن تحت السرير كان في فراغ أسود عميق، فراغ مش منطقي، كأنه حفرة مفتوحة في الأرض، ومن جوه الفراغ طلع نفس الهمس: “رجعنا الحاجة مكانها.”

محمود وقع على ركبه وهو بيبص، لأنه لمح في العمق حاجة بتلمع… خصلة شعر صفرا مربوطة بشريط أحمر، ونظارة شمس رجالي قديمة، ومتعلقات كانت تحت السرير قبل كده… لكن دلوقتي كانت بتتحرك كأن حد بيقدمها قرابين. شوقي قال بسرعة لمحمود: “ما تبصش كتير… بص فوق.” محمود رفع عينه، لقى ليلى واقفة على باب الأوضة، رجعت فجأة كأنها كانت موجودة طول الوقت، ووشها طبيعي، بس عينيها كانت واسعة زيادة، وقالت بصوت طفولي هادي: “بابا… انت كنت فاكر إن مريم كانت سامي؟” محمود حاول يتكلم، لكن صوته ما طلعش. ليلى كملت: “مريم كانت بتحميني منه… مش بتساعده.”

شوقي اتجمد، وسحر ابتسامتها اختفت للحظة، ثم رجعت أكبر. محمود أخيرًا قدر يقول: “منه؟” ليلى بصت ناحيته وبعدين ناحية المخزن تحت السلم، كأنها بتدلّهم على المصدر، وقالت: “اللي تحت السلم… هو اللي بيخبط… هو اللي بيقول رجعي الحاجة مكانها.” في اللحظة دي… باب المخزن تحت السلم اتفتح لوحده. مش فتح بس… اتفتح على آخره كأن حد دفعه بقوة، والهواء البارد خرج منه زي زفرة طويلة، ومعاه صوت خطوات خفيفة جاية… خطوات حد مش تقيل، حد يمشي كأنه ما بيلمسش الأرض.

شوقي رفع إيده بسرعة ورمى قدام باب المخزن حاجة صغيرة من جيبه… حبة ملح ملفوفة في قماش، وقال: “اقفلوا الباب… اقفلوا كل حاجة… وخدوا ليلى بعيد.” محمود أخد ليلى في حضنه، لأول مرة يحس إنها دافية فعلاً، وإنها بنت حقيقية مش مجرد صورة في كابوس. سحر وقفت مكانها ما اتحركتش، كأنها مستنية تقابل اللي جاي. ومن جوه المخزن طلع صوت رجالي هادي جدًا، لا فيه صراخ ولا تهديد، صوت زي همس بطيء: “أخيرًا… رجعتوا الحاجة مكانها… فاضل بس… يرجع اللي اتاخد.”

اللمبة في الصالة طفت مرة واحدة، وبقت الدنيا ظلام، لكن قبل ما الظلام يبلعهم، محمود لمح حاجة واحدة واضحة: ظل طويل واقف عند باب المخزن، مش واضح له ملامح، لكن عينه… كانت لامعة… نفس اللمعة اللي كانت في عين الدمية، كأن اللمعة دي مش بتاعة لعبة ولا بتاعة روح واحدة… دي بتاعة شيء أقدم… شيء اتعود يسكن الأماكن الضيقة ويستنى الناس تنسى. وبعد ثانية واحدة، النور رجع، المخزن اتقفل لوحده بقوة، ليلى شهقت وبكت لأول مرة من بداية المصيبة، وشوقي قال لمحمود بصوت مكسور: “الليلة دي نجوتوا… بس البيت… لسه ما خلصش كلامه.”

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان