ماردُ البحرِ وصيادُ البَرّ
حكاية من ألف ليلة وليلة
فكرة وكتابة/ محاسن عبده
قالت شهرزاد: بلغني أيها الملك السعيد، ذو الرأي الرشيد، أنه كان في قديم الزمان، وفي مدينةٍ يطوّقها بحرٌ واسعٌ كأنه صفحةٌ زرقاء لا تنتهي، رجلٌ صيادٌ يُدعى أحمد، فقيرُ المال، غنيُّ القلب، قليلُ الحيلة في ظاهر الأمر، عظيمُ الحيلة في باطن الصبر. كان يعيش في بيتٍ صغيرٍ عند أطراف المدينة، بيتٌ من طينٍ وسعف، لكنه عامرٌ بالدفء، تسكنه زوجةٌ صابرة، وثلاثة أطفالٍ صغار، ينامون على أملٍ بسيط: أن يعود أبوهم كل مساءٍ ومعه ما يسدّ الرمق ويكفي الغد.
لم يكن أحمد يشكو ضيق الحال، وإن كان يعرفه معرفة القريب من القريب. كان يعرف طعم الانتظار، وطول النظر إلى الأفق، وثقل الخطوات حين يعود صفر اليدين، لكنه كان يعرف أيضاً طعم الرضا حين يضع رأسه على وسادته آخر الليل ويقول: “الحمد لله على ما كان وما سيكون.” لم يكن في قلبه حقدٌ على البحر إن بخل، ولا كِبرٌ عليه إن أعطى، بل كان يتعامل معه كما يتعامل المؤمن مع أيامه: صبراً في الضيق، وشكراً في السعة.
كان يستيقظ قبل أن يلوح أول خيطٍ من نور، يجلس في عتمة البيت لحظاتٍ يتأمل وجوه أطفاله النائمين، ويشعر بثقل الأمانة فوق صدره، أمانةٍ لا تُرى لكنها أثقل من الجبال. كانت زوجته تستيقظ أحياناً، تنظر إليه في صمت، وتدعو له في قلبها دون أن تنطق بكلمة. لم يكن بينهما عتابٌ كثير، فقد اتفقا منذ البداية أن الفقر ليس عيباً إن لم يُفسد القلوب، وأن الغنى ليس فضلاً إن لم يزد النفس تواضعاً.
يحمل أحمد شبكته القديمة، التي رقّعها بيديه مراتٍ لا تُحصى، ويخرج إلى البحر. كان البحر في نظره أكثر من مورد رزق؛ كان امتحاناً يومياً، مرآةً يرى فيها حال نفسه. فإن دخله مهموماً، شعر أن الموج يعلو فوقه، وإن دخله مطمئناً، بدا له الموج كأنه يمهّد له الطريق. كان يجلس على صخرةٍ اعتادها، يلقي شبكته في الماء، وينتظر. ساعاتٌ تمرّ بطيئة، والشمس تصعد في السماء، ثم تميل، وهو لا يملّ من الانتظار، كأنما علّمته الأيام أن الرزق لا يأتي بالصراخ، بل بالثبات.
كثيراً ما عاد بخفيّ حنين، لكن أطفاله كانوا يستقبلونه بابتسامةٍ تكفي لتخفف عنه تعب النهار. كانوا يسألونه ببراءة: “هل البحر اليوم بخيل يا أبي؟” فيضحك ويقول: “البحر لا يبخل، لكنه يختبرنا.” وكان يؤمن في أعماقه أن الرزق لا يُقاس بالكثرة، بل بالبركة، وأن القليل إن باركه الله، صار كثيراً يكفي ويزيد.
وفي صباحٍ بدا كسائر الصباحات، رمى أحمد شبكته في الماء، وجلس ينتظر. غير أن الحبل ارتجف فجأةً بين يديه، واشتدّ شدّه حتى كاد يفلت. نهض واقفاً، وشعر أن شيئاً مختلفاً يحدث. خفق قلبه بقوة، وتسلل إليه أملٌ لم يعرفه منذ زمن. شدّ الحبل بكل ما أوتي من عزم، حتى ظهرت الشبكة على السطح، لكنها لم تكن ممتلئةً بالسمك، بل حملت قمقماً نحاسياً قديماً، مغطىً بطبقةٍ من الصدأ، مختوماً بخاتمٍ من رصاص.
تأمله أحمد طويلاً. كان يمكنه أن يرميه ويعود، لكنه شعر أن وراء هذا القمقم حكايةً لم تكتمل. جلس على الرمل، وأخذ يحاول فتحه، حتى كسر الختم أخيراً. وما إن انفتح الغطاء، حتى اندفع منه دخانٌ أزرق كثيف، ارتفع في الهواء، واتسع حتى ملأ الفضاء، ثم أخذ يتشكل شيئاً فشيئاً حتى صار هيئة ماردٍ عظيم، قدماه في الأرض ورأسه يكاد يلامس السماء، وعيناه تلمعان كشررٍ في ليلٍ حالك.
ارتجف قلب أحمد، لكنه لم يهرب. نظر إلى المارد بثبات، وكأنما استمد شجاعته من إيمانه. قال المارد بصوتٍ كالرعد: “يا من أطلقتني من سجني بعد مائة عام، لك عليّ وعدٌ أن أحقق لك ما تشاء. اطلب تُعطَ، وتمنَّ تُجب.”
في تلك اللحظة، مرّت في ذهن أحمد صورٌ كثيرة. رأى بيتاً واسعاً، وملابس جديدة لأطفاله، ورأى نفسه غنياً لا يحتاج إلى عناء البحر، ورأى زوجته تبتسم بلا قلق. شعر أن نفسه تميل إلى طلب المزيد، وأن الطمع يهمس له همساً خافتاً. لكنه تذكّر أيضاً ليالي الجوع التي صبر فيها، وتذكّر أن الرضا الذي كان يملأ قلبه في تلك الليالي لم يكن أقل قيمةً من أي كنز.
وقف لحظةً بين رغبته وضعفه، بين حلم الثراء وطمأنينة القناعة، ثم قال بصوتٍ هادئ: “أيها المارد، لا أريد قصوراً ولا كنوزاً. أريد رزقاً حلالاً يكفيني ويكفي أهلي، وبركةً لا تنقطع. أريد أن أعمل بيدي، وأن أجني ثمرة جهدي دون أن أمدّ يدي لأحد.”
ساد الصمت، وكأن البحر نفسه توقف عن الحركة. ثم قال المارد: “قليلٌ من يطلب القليل وهو قادرٌ على الكثير. لك ما طلبت.” واختفى كما ظهر، وعاد الدخان إلى العدم، وبقي أحمد وحده على الشاطئ، يتساءل أكان ما حدث حقيقةً أم حلماً.
عاد إلى صيده، وألقى الشبكة مرةً أخرى، فخرجت ممتلئةً بسمكٍ وفير. لم يكن صيداً خارقاً، لكنه كان أكثر مما اعتاد، وأقرب إلى الكفاية التي تمناها. عاد إلى بيته، ففرحت زوجته، وضحك أطفاله، وشعر في قلبه بسكينةٍ عميقة، كأنما نال ما هو أعظم من المال: نال الطمأنينة.
ومنذ ذلك اليوم، صار رزقه يأتيه بقدر تعبه، لا يزيد حتى يطغى، ولا ينقص حتى يُضنيه. كان كلما رمى شبكته، خرجت بقدر ما يحتاج. لم يصبح غنياً تُضرب به الأمثال، لكنه صار مكتفياً لا يخشى الغد. وانتشرت في المدينة حكاية ماردُ البحرِ وصيادُ البَرّ، وتناقل الناس الخبر، واختلفوا في تفسيره، فمنهم من قال إنه وجد كنزاً، ومنهم من قال إن البحر صار يطيعه.
وكان في المدينة تاجرٌ يُدعى مرجان، يملك من المال ما يكفيه ويزيد، لكنه لا يملك من السكينة شيئاً. سمع بالحكاية، فاشتعل الحسد في قلبه، وقال في نفسه: “لا بد أن لهذا الرجل سراً.” راقب أحمد أياماً، ورأى انتظام رزقه، فقرر أن يقلده. ذهب إلى البحر في الموضع نفسه، وألقى شباكه، لكنه لم يجنِ إلا التعب. كرر المحاولة مراراً، وفي كل مرةٍ يعود خائباً، حتى امتلأ صدره غضباً.
وفي يومٍ عصيب، اندفع إلى الماء بعصبية، فانزلقت قدمه، وكاد أن يغرق. رآه أحمد، فترك صيده، وقفز إليه، وأنقذه دون تردد. خرج مرجان من الماء مذعوراً، ونظر إلى أحمد بعينين ممتلئتين بالدهشة. قال: “أنقذتني وأنا كنت أحسدك!” فأجابه أحمد: “البحر لا يفرق بين غني وفقير إذا ابتلع، وأنا لا أفرق بين من حسدني ومن أحبني.”
كانت تلك الكلمات أشد وقعاً على مرجان من أي خسارةٍ في تجارته. شعر أن شيئاً في داخله ينكسر، وأن غروره الذي بناه سنين بدأ يتصدع. جلس على الرمل طويلاً، يفكر في حياته، في ماله الذي لم يجلب له راحة، وفي الصياد الفقير الذي يملك سكينةً يحسدها عليه.
عاد مرجان إلى بيته تلك الليلة، ولم ينم. أخذ يقلب في دفاتره، لا ليراجع حساباته، بل ليراجع نفسه. وفي الصباح، ذهب إلى السوق، وبدأ يردّ بعض الحقوق التي كان قد ضيّق فيها على الناس، وبدأ يخفف عن الفقراء، ويعطي قبل أن يُطلب منه. شيئاً فشيئاً، شعر أن صدره يتسع، وأن النوم يعود إلى عينيه.
أما أحمد، فظل على حاله، لا يفتخر بما حدث، ولا يتحدث عن المارد لأحد. كان يعلم في قرارة نفسه أن المارد لم يكن سوى اختبار، وأن العطية الحقيقية لم تكن في زيادة الصيد، بل في قدرته على اختيار القناعة حين أُتيحت له الفرصة ليطلب ما يشاء.
ومرت الأعوام، وكبر أطفاله، وصاروا يعاونونه في الصيد، وصار البيت الصغير أكثر امتلاءً بالحياة. وفي ليلةٍ هادئة، بينما كان أحمد يرمي شبكته في البحر، لمح في الأفق لمعةً زرقاء خفيفة، كأنها ذكرى بعيدة. ابتسم، ولم يتوقف عن عمله. فقد أدرك أن أعظم المعجزات ليست تلك التي تخرج من القمقم، بل تلك التي تولد في القلب حين يختار الإنسان القناعة على الطمع، والرضا على الجشع.
وهكذا بقيت حكاية ماردُ البحرِ وصيادُ البَرّ تُروى بين الناس، لا كحكاية كنزٍ أو سحر، بل كحكاية نفسٍ انتصرت على نفسها، وعرفت أن البركة سرّ لا يُشترى، وأن البحر، مهما اتسع، لا يمنح خيره إلا لمن دخل إليه بقلبٍ مطمئن.
وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح.