الرمادي المركونة.. اللي مابتمشيش بس بتراقب!

الرمادي المركونة.. اللي مابتمشيش بس بتراقب!


الرمادي المركونة.. اللي مابتمشيش بس بتراقب!

تنويه: هذه رواية خيالية من وحي الرعب النفسي والغموض، وأي تشابه مع أشخاص أو أماكن أو وقائع حقيقية هو محض صدفة.

الحكاية دي بدأت من حوالي سنة، ويمكن لو كنت حكيتها لحد ساعتها كان هيضحك ويقول لي: “دي أفلام… إنتِ متأثرة”، بس أنا عارفة كويس الفرق بين خيال واحد مرهق وبين حاجة بتقرب منك لدرجة إنك تحس بنفسها على رقبتك. أنا اسمي “سارة”، وده مش اسم مستعار عشان أتجمل… ده الاسم اللي اتقال لي في آخر لحظة قبل ما الدنيا كلها تتقلب، وقبل ما أفهم إن فيه حاجات مش بتطلع في النور، مش لأنها مش موجودة، لكن لأنها بتستنى وقتها.

أنا واحدة عادية جدًا، شغل وروحة وجية، ومش من بتوع السهر ولا المغامرات. ساكنة في عمارة قديمة في شارع جانبي هادي ورا البيت، شارع لو دخلته في نص الليل تحس إنك دخلت منطقة خارج الزمن؛ نفس العمود اللي بينور ويطفي، نفس البلاط المكسور، نفس الشجرة الكبيرة اللي بتاكل نص الرصيف… شجرة فيكس ضخمة، جذعها عريض ومتشعب كأنه ماسك الأرض بإيدين. تحتها دايمًا كان فيه مساحة كده الناس بتستغلها في الركن لو المكان زحمة، بس الحقيقة إن الركن هناك كان شبه مستحيل: الشارع ضيق، ودايمًا فيه عربية نقل بتقف في آخره، ومع ذلك… أنا كنت شايفة عربية هناك.

عربية “فيات 132” موديل قديم، لونها رمادي مطفي، كأن حد حاطط عليها طبقة رماد من سنين. لا بتلمع ولا بتعكس نور. مركونة تحت الشجرة كأنها متربطة فيها. متبهدلة، التراب مغطيها لدرجة إنك متقدرش تميّز ملامحها. والكوتش نايم… مش مجرد ناقص هوا، ده كأن العجل نفسه اتفك من مكانه واستسلم للأرض. أي واحد يشوفها يقول: دي مش هتمشي تاني طول عمرها، ويمكن صاحبها مات وناسيها، أو هرب وسابها.

أنا كنت بعدي من جنبها كتير، وبصراحة… وجودها كان بيضايقني. مش عشان هي “عربية خردة” وخلاص، لا، عشان كان فيه إحساس غريب بيطلع منها. زي إحساس إن حد جوه، حتى وهي مقفولة ومطفيّة ومتهالكة. زي ما تكون واقفة مش عشان تستريح… واقفة عشان تراقب.

الليلة اللي كل حاجة اتغيرت فيها كانت واحدة بليل. كنت راجعة من الشغل متأخر، ومشيت لوحدي في الشارع الهادي ده. الدنيا كانت “هس هس” زي ما بنقول، ولا صوت ولا حركة. حتى الكلاب اللي في المنطقة كانت ساكتة. وأنا ماشية جنب العربية الرمادي، حصلت لحظة غريبة… لحظة بسيطة قوي، لكنها خلت جسمي كله يشد مرة واحدة.

شفت خيال اتحرك جوه العربية.

وقفت مكاني. ضحكت ضحكة قصيرة كده من الخوف، وقلت لنفسي: “أكيد قطة… أو خيال الشجرة على الإزاز”، بس الحقيقة إن الحركة كانت جوه… مش على الإزاز. حاجة اتزحلقت من الكرسي الخلفي لحد جنب الشباك.

قربت خطوة، وبعدين خطوة. وكنت حاسة بدقات قلبي في وداني. عيني كانت ماسكة الإزاز اللي عليه تراب تقيل، ورغم كده… شفتها. إيد… من جوه… بتتحرك على الإزاز.

إيد بشوية صوابع رفيعة جدًا وطويلة بشكل غير طبيعي، بتخدش التراب من الداخل وتعمل “فتحة” صغيرة، فتحة قد كف إيد طفل، عشان اللي جوه يبص منها. اللحظة دي كانت قصيرة، بس كانت كفاية. أنا ما شوفتش وش… ما شوفتش جسم… بس شوفت “قصد”. الإيد دي كانت بتعمل فتحة عشان تتأكد إني أنا اللي ماشية… أنا تحديدًا.

اتجمدت، وبعدين جريت. جريت وأنا مش شايفة قدامي، لحد ما دخلت العمارة وقفلت الباب ورايا، وطلعت السلم كأني بطلع من جهنم. لما دخلت شقتي قفلت بالمفتاح والترباس، وقعدت على الأرض وانا بخنق نفسي عشان ما أصرخش.

تاني يوم الصبح نزلت مخصوص. قلت لازم أشوف. لازم أفهم أنا شفت إيه. نزلت بدري، والشمس طالعة، والمكان كله طبيعي. روحت ناحيتها… العربية موجودة. نفس الوضع. نفس التراب. نفس الكوتش النايم.

بس الإزاز… كان عليه الفتحة الصغيرة. نفس المكان اللي انمسح من جوه. التراب حوالينها كثيف، وكأن حد اتعمد يسيب علامة.

سألت عم صالح البواب، وأنا متوقعة إنه هيقولي: “دي بتاعة فلان”. سألته: “يا عم صالح… العربية الرمادي دي بتاعة مين؟”

بصلي باستغراب حقيقي وقال: “عربية إيه يا بنتي؟ الشجرة دي مفيش تحتها عربيات مركونة من سنين… المنطقة دي ممنوع الركن فيها أصلًا عشان ضيقة!”

ضحكت عصبيًا، وقلت: “إزاي يعني؟ دي قدامنا أهي.” وبمجرد ما لفيت وشي ناحية الشجرة… قلبي وقع.

العربية مكنتش موجودة.

الرصيف فاضي تمامًا. ولا أثر. لا بقعة زيت، لا طين متكسر، لا حتى علامة كاوتش. كأن المكان عمره ما شال حاجة. وقفت كده وبصيت لعم صالح… لقيته بيبص لي بنظرة “إنتِ كويسة؟” وانا حسيت إن الأرض بتتحرك تحت رجلي. طلعت تاني على شقتي وأنا بتساءل: هل أنا كنت بحلم؟ هل أنا اتجننت؟ طيب الفتحة اللي كنت شايفاها؟

فضلت أيام بحاول أهرب من الموضوع. اشتغلت أكتر. بقيت أرجع قبل المغرب. بقيت ماعديش من الشارع ده. لكن الغريب إن كل ما أهرب… العربية هي اللي تقرب.

بعد أسبوع، كنت في منطقة تانية خالص، بعيدة عن بيتي بتلات شوارع. كان مطر خفيف نازل… مطر بيخلي الأسفلت يلمع ويبان كأنه مراية. وأنا ماشية شفتها، من غير مقدمات. نفس العربية الرمادي، مركونة تحت عمود نور بيعلق… بيطفي وينور.

المرة دي وقفت. مشيت ناحية العربية ببطء، كأني داخلة على اختبار. كنت عايزة أفهم. عايزة أثبت لنفسي إن اللي شوفته حقيقة. قربت… والنور طفى.

ولما نور تاني… شفت وش.

وش أبيض باهت جدًا ملزوق على الإزاز الخلفي. عيون واسعة بشكل غير طبيعي، ومفيش فيها “ني ني”… كانت كلها سواد لامع كأنه حبر. ملامح الوش مش واضحة، بس الإحساس واضح: الوش ده مش بيبص كده وخلاص… ده بيبص جوا دماغك.

طلعت تليفوني بسرعة. قلت لازم أصور. لازم يبقى فيه دليل. صورت صورة… وبعدها فتحت فيديو، وإيدي بتترعش. أول ما الفلاش ضرب… العربية اختفت.

مش اتحركت… مش مشت… اختفت. في ثانية واحدة، كأن حد طفاها من الوجود. وقفت مكانها فاضي. المطر بينزل على الهوا. والعمود اللي كان بينور ويطفي فضل لوحده.

طلعت شقتي وأنا بترعش. قعدت على الكنبة وفتحت الموبايل عشان أشوف اللي صورته. وأنا مستنية أشوف العربية والوش، أو حتى خيالهم… لكن اللي شفته كان أسوأ من أي شيء تخيلته.

الصورة مكنش فيها عربية رمادي. ولا كان فيها الوش المرعب. الصورة كانت فيها أنا… واقفة لوحدي في نص الشارع، ووشي متجمد، كأني اتصورت وأنا في لحظة انهيار.

والأبشع… إن كان فيه إيد “خفية” رمادية ساندِة على كتفي.

مش مجرد ظل… إيد واضحة. أصابع طويلة رفيعة… نفس اللي شوفتها بتعمل فتحة على الإزاز. الإيد كانت ماسكاني كأنها بتثبتني في مكاني.

ورايا مباشرة… خيال لوحة نمرة عربية قديمة جدًا. مكتوب عليها رقم… وتحت الرقم تاريخ.

تاريخ وفاتي.

الأسبوع الجاي.

للحظة، دماغي رفضت. قلت يمكن تطبيق بيلعب، يمكن فلتر، يمكن عطل. لكن لا… ما فيش أي فلتر يكتب تاريخ موتك. ما فيش عطل يرسم إيد على كتفك. وانا مش من النوع اللي يصدق الخرافات بسهولة، بس لما تقفي قدام صورة لنفسك وفيها تاريخ موتك، مش هتقدري تتصرفي بعقلانية.

قفلت على نفسي باب الشقة بالترباس. قعدت في الصالة أنفاسي سريعة، كل دقيقة بص على الساعة، وكل صوت من بره يحسسني إن العربية وقفت تحت الشباك. فضولي كان قاتل، بس خوفي كان أعلى. وفي نفس الليلة بدأت أدور. فتحت لابتوب قديم عندي، ودورت في أرشيف الحوادث، وكتبت: “فيات 132 رمادي حادثة قديمة… شارع…” وكل كلمة كنت بكتبها كان قلبي بيقرص.

لقيت خبر قديم… سنة 1985.

العنوان كان بسيط، لكن جملته دخلت في عيني زي سكينة: “العثور على جثة شاب داخل سيارته الرمادي في شارع … بعد اختفائه لأسابيع، والتحريات تؤكد أنه مات من الرعب بعد رؤية شيء مجهول في مرآة السيارة.”

الصدمة الأولى كانت إن الشارع المذكور هو نفس الشارع اللي شفت فيه العربية أول مرة. الصدمة التانية، والأقسى… صورة الشاب.

كان شبهى.

مش شبه من بعيد… شبه ملامح، نفس العين، نفس شكل الأنف، نفس تعبير الفم لما يكون ساكت لكن شايل سؤال كبير. كأنه نسخة مني… بس راجل. قعدت أحدق في الصورة وأحاول أضحك عشان أهرب من الرعب… بس الضحكة ماتطلعش.

من هنا بدأت سلسلة أيام كأنها محكومة بقانون واحد: كل ما أقرب للحقيقة… الحقيقة تقرب مني.

بدأت أشوف العربية في أماكن مختلفة: مرة جنب محطة مترو، مرة عند سوبر ماركت صغير، مرة في شارع جنب شغلي. في كل مرة كانت واقفة بنفس الطريقة، كأنها متبنية نفس وضعية “الترصد”. وفي كل مرة كنت أحس إنها بتراقبني أنا. مش بتراقب المكان… ولا المارة… بتراقبني.

الغريب إن أي حد أسأله عنها يرد نفس الرد: “فين عربية؟” كأن عين الناس بتعمل لها “تجاهل تلقائي”. مرة قلت لصاحبتي: “شوفتِ العربية الرمادي دي؟” بصت للمكان وقالت: “إنتِ بتهزري؟ مفيش حاجة.” وأنا كنت شايفاها… واضحة… بنفس التراب… بنفس الصمت.

وبعدين جه اليوم الموعود.

اليوم اللي مكتوب في الصورة. التاريخ اللي اتكتب في لوحة النمرة الخيالية.

كنت طول اليوم كأني ماشية وأنا حاطة سماعات على وداني بس من غير موسيقى، سماعات عزلتني عن الدنيا. حاولت أتصرف طبيعي. رحت الشغل. رجعت. كلمت أمي. ضحكت ضحكة مصطنعة. وفي داخلي كانت الساعة بتعد… وكل دقيقة بتقرب من 11:55.

الساعة 11:55 بالليل… النور قطع في الشقة كلها فجأة.

مش بس لمبة… لا… الكهرباء كلها. التكييف سكت. التلاجة سكتت. حتى صوت الشارع بره خفت كأن المدينة نفسها خدت نفس عميق وسكتت.

قمت وولعت كشاف الموبايل. دخلت الممر، وبصيت من العين السحرية… مفيش حد. رجعت للصالة وأنا حاسة إن في حاجة واقفة ورايا. قربت من البلكونة وبصيت لتحت… وكانت هناك.

العربية الرمادي مركونة تحت بيتي بالظبط، كأنها متعودة على العنوان. والموتور بتاعها داير… صوت “بيخنوق” زي واحد بيحاول يتنفس من تحت التراب. وبابها الخلفي اتفتح لوحده… بهدوء… كأن حد بيفتحلي ويقول: “اتفضلي.”

هنا المفروض أكون قفلت البلكونة ورجعت، صح؟ المفروض أكون اتصلت بالشرطة، أو صرخت، أو استخبيت. لكن اللي حصل إن رجلي اتحركت لوحدها. كأن فيه حبل مربوط من تحت لساقي، بيشدني ناحية باب العمارة.

نزلت… مش عارفة إيه اللي بيجرجرني، بس كنت عايزة أنهي الكابوس. كنت عايزة أعرف هي عايزة إيه مني. وأنا نازلة السلم كنت حاسة إن كل خطوة بتاخد مني سنة من عمري.

وقفت قدام العربية. الإزاز نزل ببطء شديد… صوت احتكاك قديم، وكأنه بيتنفس بعد سنين. الغريب إن مكنش فيه وشوش مرعبة المرة دي. مفيش عيون سودة. مفيش خيال.

كان فيه “مراية”.

مراية محطوطة على الكرسي اللي ورا، وموجهة ناحيتي، كأنها مستنياني أبص. وفي اللحظة اللي عيني لمست فيها سطح المراية… شفت نفسي.

بس مش نفسي بتاعة دلوقتي.

شفت نفسي وأنا عجوزة جدًا… تجاعيد واضحة، عينين تعبانين، وشعر أبيض ظاهر من تحت إيشارب قديم، وفي إيدي مفتاح العربية دي. واقفة جنبها بثقة غريبة، كأن العربية ملكي… أو كأنها أنا.

حسيت بدوخة، وبعدين جه الصوت.

همس جاي من جوه العربية، همس ناعم لكنه حاد: “إحنا مابنموتش يا سارة… إحنا بنتبادل الأماكن.”

اتجمدت. وقلت بصوت خارج مني بصعوبة: “أنا… اسمي مش…”

بس الكلمة ماكملتش. فجأة لقيت نفسي “جوه” العربية.

مش عارفة إزاي. كنت بره… وفي لحظة بقيت جوه. حاولت أفتح الباب… مش بيفتح. زقيت… ضربت… صرخت. ولا حاجة. الإزاز من بره بدأ يتغطى بالتراب بسرعة رهيبة، كأن عاصفة تراب بتبني جدار.

وبصيت لإيدي… كانت بتتغير.

الإيدين بقوا رماديين… والأصابع بقت رفيعة وطويلة… نفس الإيد اللي شفتها قبل كده. قلبي انفجر من الرعب، وبدأت أتنفس بصعوبة، كأني بتختنق ببطء.

بصيت بره من خلال جزء لسه واضح من الإزاز… وشفت “بنت تانية” واقفة مكاني بره العربية.

البنت دي كانت شبهي بالظبط.

نفس الملامح. نفس الطول. نفس الخوف في العين. كانت ماسكة موبايل وبتصور… وبتترعش. وبصت ناحية الإزاز… وشافتني.

في اللحظة دي فهمت… فهمت إن الحكاية مش بتخلص… الحكاية بتتكرر. مش واحد يموت وخلاص… واحد يروح جوه، وحد يطلع بره. تبادل أماكن. تبادل أعمار. تبادل مصير.

العربية اتحركت بيا وسط ضباب مش طبيعي، ضباب كثيف كأنه طالع من جوف الأرض، والشارع اختفى، والعمارة اختفت، والدنيا اختفت. آخر حاجة شفتها كانت النسخة التانية مني… لسه واقفة… لسه بتصور… ولسه مش مصدقة.

وبينما التراب بيقفل الإزاز بالكامل، لقيت نفسي من غير قصد بحرك صوابعي على الزجاج من جوه…
وببدأ أمسح فتحة صغيرة…
عشان أبص منها…
وأشوف مين اللي هيعدّي المرة الجاية.

 

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان