تراتيل الطين والدموع: رحلة في جوف المعاناة

تراتيل الطين والدموع: رحلة في جوف المعاناة


تراتيل الطين والدموع: رحلة في جوف المعاناة

لم يكن منصور يعرف أن الإنسان يمكن أن يُعاد تشكيله كما يُعاد تشكيل الطين، وأن اليد التي تعتقد أنها تملك السيطرة قد تستيقظ يومًا لتجد نفسها عاجزة، لا تقوى حتى على الإمساك بقطعة خبز. عاش سنواته الأولى في هدوء بسيط، بين ورشة صغيرة ورثها عن أبيه، وبيت متواضع في أطراف المدينة، وزوجة كانت تضحك كثيرًا، ثم رحلت باكرًا تاركة خلفها طفلين وقلبًا مثقلاً بمسؤوليات لم يخترها لكنه تقبّلها.

كان الطين عالمه الكامل. يعرف ملمسه حين يكون رطبًا أكثر مما ينبغي، ويعرف رائحته حين يكون جاهزًا للدوران على العجلة. كان يقول إن الطين لا يكذب؛ إن ضغطت عليه أكثر مما يحتمل انهار، وإن عاملته برفق زائد ترهل وفقد شكله. بين الشدة واللين يولد الجمال، وكان يؤمن أن هذه القاعدة لا تخص الخزف وحده، بل الحياة أيضًا.

يداه كانتا رأسماله الوحيد. اليمنى تحديدًا كانت أدق وأسرع، تتحرك بثقة كأنها تحفظ سر التوازن. لم يكن ثريًا، لكنه كان مكتفيًا. الناس يطلبون جراره وأطباقه المزخرفة، وبعضهم يحتفظ بقطعه كتحف صغيرة في بيوتهم. لم يكن يرى نفسه فنانًا، بل عاملًا يعرف مهنته، لكن داخله كان يشعر بفخر خفي كلما رأى قطعة خرجت من بين أصابعه مستقيمة، متزنة، ناعمة الملمس.

كانت الورشة قديمة، سقفها الخشبي يحمل آثار رطوبة سنوات طويلة. في كل شتاء يسمع أنين الخشب فوق رأسه، لكنه كان يؤجل الإصلاح دائمًا. كان يظن أن الغد متسع، وأن الخطر لن يختار هذه الليلة تحديدًا. لكن الحياة لا تعلن مواعيدها.

في تلك الليلة، كان المطر غزيرًا، والريح تعصف بالأبواب. بقي منصور حتى ساعة متأخرة يُنهي طلبية لتاجر وعده بدفع مبلغ جيد. كان يفكر في شراء معطف جديد لزياد، وربما لعبة صغيرة لسارة. كان ذهنه مشغولًا بأشياء عادية جدًا حين سمع صوت تشقق حاد، لم يمنحه وقتًا للتفكير. انهار السقف فجأة، وسقط كل شيء في لحظة واحدة، خشب وحجارة وغبار وصمت ثقيل.

استيقظ في المستشفى على ضوء أبيض حاد، ووجوه لا يعرفها. حاول أن يرفع يده اليمنى، فشعر كأنها ليست جزءًا منه. حاول مرة ثانية، لكن الحركة لم تأتِ. أخبره الطبيب بهدوء أن العصب الرئيسي تضرر بشدة، وأن الشفاء الكامل غير مضمون. لم يفهم المصطلحات، لكنه فهم أن شيئًا أساسيًا في حياته قد انكسر.

عاد إلى البيت بيد لا تطيعه، وبصمت ثقيل يسكن صدره. حاول أن يخفي قلقه عن أطفاله، لكنه لم يستطع إخفاء نظرة الحيرة في عينيه كلما نظر إلى أدواته. جلس أمام عجلة الخزف بعد أيام قليلة، كأنما يختبر الحقيقة بنفسه. وضع الطين على العجلة، حاول تشكيله بيده اليسرى، لكن القطعة اختلت منذ اللحظة الأولى. لم يغضب، لم يصرخ، فقط أوقف العجلة وحدق في الطين طويلًا، كأن بينهما حديثًا لم يكتمل.

بدأت النقود تقل تدريجيًا. باع بعض القطع القديمة التي كان يحتفظ بها لذكرياته الخاصة. كل قطعة كانت تحمل ذكرى يوم معين، أو زبون مميز، أو لحظة فخر. كان يسلّمها بصمت، وكأنه يسلّم جزءًا من نفسه. زياد بدأ يشعر بالتغير، صار أكثر صمتًا، أكثر مراقبة. أما سارة، فكانت تحاول بطريقتها الطفولية أن تخفف الجو، ترسم له أشكالًا غير متقنة وتقول إنها ستصبح خزافة مثله.

في المدرسة، طُلب من زياد أدوات رسم جديدة. عاد ذلك اليوم حاملاً حقيبته الثقيلة، وجلس دون أن يخلع حذاءه. لم يقل شيئًا، لكن عينيه كانتا تتحدثان. حين سأله منصور، قال إنه أخبر المعلمة أنه سينتظر حتى يقبض والده ثمن جرة كبيرة. ابتسم منصور، لكنه شعر بطعنة داخلية؛ لم يعد قادرًا حتى على حماية وهم صغير صنعه ابنه ليحافظ على كرامته.

صاحب البيت لم يكن قاسيًا بطبعه، لكنه لم يكن صبورًا أيضًا. كان يطرق الباب بعصاه بين الحين والآخر، يذكره بالإيجار المتأخر. لم يكن يصرخ، بل يتحدث ببرود عملي. هذا البرود كان أشد قسوة من الغضب.

حاول منصور أن يعمل أعمالًا بسيطة بيده اليسرى، إصلاحات صغيرة، مساعدة في تحميل البضائع، لكنه كان يعود كل مساء مرهقًا بأجر ضئيل. كان يشعر أن الحياة تضعه في زاوية ضيقة، تجبره على مواجهة عجزه كل يوم.

جاءت الليلة التي مرضت فيها سارة كقشة أخيرة فوق صدره. ارتفعت حرارتها فجأة، وبدأ جسدها الصغير يرتجف. حاول تبريدها بقطعة قماش مبللة، لكن الحرارة لم تنخفض. حين بدأت تنادي أمها، شعر أن الأرض تميد تحته. لم يكن يملك ثمن الطبيب، ولا يملك ترف الانتظار.

حملها بين ذراعيه وخرج تحت المطر. لم يكن يعرف إلى أين يتجه، فقط كان يمشي بسرعة، كأن الحركة نفسها قد تصنع حلًا. الشوارع كانت شبه خالية، والأضواء تنعكس على الماء المتجمع في الطرقات. تعثر وسقط، وانزلقت قدمه في الوحل، لكنه لم يترك سارة. في تلك اللحظة، لم يشعر بالخجل ولا بالكبرياء، فقط بعجز كامل جعله يهمس: “يا رب.”

توقفت سيارة فجأة أمامه. نزل رجل في منتصف العمر، ملامحه جادة، صوته هادئ لكنه حاسم. فحص الطفلة سريعًا، وأمر بنقلها فورًا إلى المستشفى الذي يديره. لم يكن المشهد بطوليًا، بل عمليًا. لم يسأل منصور عن قدرته على الدفع، ولم يلقِ خطبة عن الإنسانية، فقط فعل ما يقتضيه الموقف.

في المستشفى، جلس منصور على كرسي معدني، وملابسه مبللة بالطين. شعر أنه عاد إلى عالم لا ينتمي إليه. حين سقطت قطعة خزف صغيرة من جيبه، التقطها الرجل وتأملها باهتمام. سأل عن صانعها، فحكى منصور قصته باختصار، دون دراما، دون استعطاف.

استقرت حالة سارة بعد ساعات طويلة. خرج الطبيب ليطمئنه، وقال إن الخطر زال. ثم عاد إلى موضوع اليد، وسأله إن كان مستعدًا لمحاولة جراحية قد تعيد جزءًا من حركتها. لم يعده بمعجزة، بل باحتمال. هذا الاحتمال كان كافيًا ليشعل في داخله شيئًا كاد ينطفئ.

العملية كانت بداية رحلة أخرى. الألم لم ينتهِ، بل تغيّر شكله. جلسات التأهيل كانت مرهقة، والنتائج بطيئة. أحيانًا كان يعود إلى البيت محبطًا، يشعر أن التقدم ضئيل. لكن كل حركة بسيطة في إصبع كانت إنجازًا صغيرًا، دليلًا على أن الطريق لم يُغلق تمامًا.

عاد إلى الطين بحذر، كمن يعود إلى صديق قديم بعد خصام طويل. هذه المرة لم يكن يطمح إلى الكمال. كان يريد فقط أن يرى الطين يستجيب ولو قليلًا. ومع الوقت، بدأت القطع تخرج أقل زخرفة، أكثر بساطة، لكن فيها عمق لم يكن موجودًا من قبل. الألم ترك بصمته، لكنه لم يسرق الجمال.

اقترح الطبيب لاحقًا فكرة إنشاء ورشة تدريب لذوي الاحتياجات الخاصة. تردد منصور، خشي أن يكون غير مؤهل ليكون قدوة لأحد. لكنه حين رأى شابًا فقد ذراعه في حادث عمل، يحاول تشكيل الطين بإصرار، أدرك أن قصته لم تعد تخصه وحده. صار يعلمهم كيف يثبتون القطعة، كيف يعوضون نقصًا بحركة أخرى، كيف يصبرون على التشوه حتى يتحول إلى شكل مقبول.

تحسن وضعه المادي تدريجيًا. لم يتحول إلى ثري، لكنه استعاد الاستقرار. سدد ديونه، وأعاد ترميم ورشته، وبدأت طلبات جديدة تأتي، لا بسبب الشفقة، بل بسبب جودة مختلفة ظهرت في أعماله. كان الناس يقولون إن في قطعه روحًا لم تكن موجودة سابقًا.

بعد سنوات، اشترى البيت الذي كان يسكنه. لم يكن ذلك انتقامًا من صاحب البيت، بل رغبة في إنهاء فصل قديم. لم يشعر بنشوة الانتصار، بل براحة هادئة، كأن دائرة أُغلقت أخيرًا.

كبر زياد، وتعلم أن الكرامة لا تعني الغنى، بل الاستمرار رغم الانكسار. أما سارة، فكانت أول من جلس على عجلة الخزف بعد أبيها، لا لتصبح نسخة منه، بل لتكمل الحكاية بطريقتها.

وهكذا اكتملت فصول تراتيل الطين والدموع: رحلة في جوف المعاناة لا كقصة عن معجزة مفاجئة، بل عن إنسان أُعيد تشكيله كما يُعاد تشكيل الطين. تعلم أن اليد قد تخونه، لكن الإرادة يمكن أن تجد طريقًا آخر. تعلم أن الدموع ليست ضعفًا، بل ماءً يعجن التجربة حتى تصبح أكثر ليونة.

كان يجلس أحيانًا أمام الورشة في المساء، يتأمل أصابعه وهي تتحرك ببطء لكنها بثبات، ويتذكر تلك الليلة الممطرة. لم يعد يتمنى لو لم تحدث، لأنه أدرك أن الألم، مهما كان قاسيًا، يمكن أن يكون معلمًا صامتًا. وبين الطين والدموع، ولد صوت داخلي جديد، أكثر هدوءًا، أكثر نضجًا، يردد أن الحياة، مثل الخزف، لا تكتمل إلا بعد أن تمر بالنار.

انضم للمجتمع

ألاء الشافعي
ألاء الشافعي