حين استيقظتُ في غيري
لم يكن الصباح مختلفًا في ظاهره عن أي صباح آخر مرّ في حياة هدى، لكن الإحساس الذي استيقظت به كان غريبًا منذ اللحظة الأولى، إحساس ثقيل يشبه أن روحها عادت إلى جسدها بعد غياب طويل، أو ربما لم تعد أصلًا إلى المكان الصحيح. فتحت عينيها ببطء، ترددت قبل أن تتحرك، كأن عقلها يخشى مواجهة شيء لا يستطيع تفسيره. تمتمت تلقائيًا تستعيذ بالله، ومدّت يدها تبحث عن الحائط الخشن المعتاد في غرفتها الصغيرة فوق السطح… لكنها لم تجد شيئًا. تحت كفها كان ملمس ناعم بارد، أشبه بالحرير.
جلست فجأة، واتسعت عيناها وهي تدور بنظرها حول المكان. السقف مرتفع، الجدران مطلية بلون هادئ، الستائر الثقيلة تتدلى بأناقة، ورائحة عطر خفيف تملأ الهواء. لم تكن هذه غرفتها الضيقة التي اعتادت أن تستيقظ فيها على صوت الجيران أو صرير باب السلم القديم. قلبها بدأ يدق بعنف، ومع كل نبضة كانت فكرة واحدة تتضخم داخلها: “أنا فين؟”
نهضت متعثرة واتجهت نحو المرآة الكبيرة المعلقة على الحائط. لم تستوعب الصدمة فورًا، احتاج عقلها ثوانٍ طويلة ليترجم ما تراه عيناها. الفتاة المنعكسة أمامها لم تكن هي. الوجه مختلف، الملامح أكثر حدة، البشرة أفتح، والشعر الطويل المنسدل على الكتفين لم يكن شعرها القصير المعتاد. حتى العينان… كان فيهما حزن عميق، حزن لا يشبه عمرها ولا حياتها.
تراجعت خطوة للخلف وهمست بصوت مرتجف: “أنا… مش كده.” حاولت لمس وجهها، ففعلت الصورة الشيء نفسه. لم يكن حلمًا، ولم تستيقظ منه. كان واقعًا يفرض نفسه بلا رحمة. وقبل أن تستوعب أكثر، دوّى طرق خفيف على الباب تبعه صوت أنثوي مهذب: “مدام هالة؟ حضرتك صحيتي؟ الاجتماع بعد ساعة.”
تجمدت الكلمات داخلها. هالة؟ من هالة؟ ولماذا يناديها أحد بهذا الاسم؟ أغلقت الباب بسرعة بعدما فتحت شقًا صغيرًا، وسندت ظهرها إليه تحاول التقاط أنفاسها. نظرت حولها بجنون حتى وقعت عيناها على حقيبة جلدية أنيقة فوق الكرسي. فتحتها بيدين مرتعشتين، وقلبها يسقط حرفيًا حين قرأت البطاقة الشخصية: هالة فؤاد الكيلاني — رئيسة مجلس إدارة شركة الكيلاني للاستثمار.
ضحكت ضحكة قصيرة مرتبكة، ضحكة من لا يملك تفسيرًا لما يحدث. بالأمس فقط كانت تحسب ثمن المواصلات لتذهب إلى مقابلة عمل متواضعة، واليوم تستيقظ داخل حياة امرأة تملك شركة كاملة. لكنها لم تشعر بالفرح… بل بالخوف. خوف ثقيل كأن هذه الحياة ليست هدية، بل فخ.
وفي اللحظة التي بدأت فيها تحاول إقناع نفسها بأن الأمر مجرد حلم طويل، جاء الصوت مجددًا… لكنه لم يكن خارجيًا هذه المرة. كان داخل رأسها، واضحًا وباردًا: “دي مش صدفة… دي فرصة.”
ارتجف جسدها كله. من يتحدث؟ ولماذا يشعرها الصوت بأنه يعرفها أكثر مما تعرف نفسها؟ قبل أن تفكر، اشتعل التلفزيون فجأة رغم أن السلك مفصول. ظهرت شاشة مشوشة، ثم بدأت الصورة تتضح تدريجيًا حتى شهقت هدى بصوت مكتوم. كانت ترى غرفتها فوق السطح… سريرها الحديدي القديم… البطانية الباهتة… وجسدها الحقيقي مستلقيًا هناك.
لكن الشيء المرعب لم يكن الجسد، بل العينان المفتوحتان بلا حركة، سوداوان تمامًا كأن الحياة انسحبت منهما وتركت شيئًا آخر يسكنه. خرج صوت متقطع من التلفزيون: “الاختيار تم.”
انطفأت الأنوار واشتعلت مجددًا، والمرآة أمامها تشققت دون أن يلمسها أحد. وفي كل شق رأت وجهها القديم يبتسم… ابتسامة جامدة لا تحمل أي إنسانية. حينها عاد الصوت، أعمق هذه المرة، كأنه قادم من زمن بعيد: “كل سبع سنوات… روح تنتقل إلى جسد أقوى. الدورة بدأت منذ قرون.”
سقطت على حافة السرير وهي تحاول استيعاب الكلمات. هل كانت هالة ضحية قبلها؟ هل استيقظت يومًا مذعورة داخل جسد آخر كما يحدث معها الآن؟ فتحت الهاتف بسرعة، لتجد آخر صورة محفوظة لهالة أمام مرآة… وخلفها ظل يتحرك وحده. الصورة تغيرت فجأة أمام عينيها لتصبح صورتها هي، بنفس المكان، وتاريخ بعد سبع سنوات.
الصدمة الحقيقية لم تأتِ إلا عندما تحولت المرآة إلى شاشة أخرى، تعكس فتاة صغيرة تبكي داخل غرفتها فوق السطح… أختها رضا. همست الطفلة المرتعبة: “إلحقيني… قبل ما يختاروني.”
في تلك اللحظة فهمت هدى أن الأمر لم يعد يتعلق بها وحدها. الساعة على الحائط بدأت عدًا تنازليًا مخيفًا، سبع ساعات فقط قبل اكتمال الدورة. اسم أحمر ظهر فوق الزجاج المتشقق: مجلس الحارسين.
بدأت الذكريات التي لا تخصها تتسلل إلى عقلها، ذكريات هالة نفسها؛ اجتماعات، صفقات، ليالٍ طويلة من القلق، وإحساس دائم بأنها مراقبة. أدركت هدى أن هالة لم تكن مجرد سيدة أعمال، بل كانت تحاول الهروب من شيء ما… نفس الشيء الذي وصل الآن إليها.
ومع كل دقيقة تمر، بدأ جسدها يشعر بثقل غريب، كأن الروحين تتصارعان داخله. كانت تسمع أحيانًا همسات أخرى، أصوات نساء مجهولات، ضحايا سابقات ربما، كلهن مررن بالدورة نفسها ثم اختفين بلا أثر. الحقيقة المرعبة ظهرت تدريجيًا: الحارسين لا يختارون الأقوى جسديًا، بل الأكثر احتمالًا للألم… لأن الأرواح المنكسرة أسهل في السيطرة.
قررت هدى ألا تنتظر النهاية. إن كانت الدورة تحتاج سبع ساعات لتكتمل، فربما يمكن كسرها قبل ذلك. بدأت تبحث في ملفات هالة حتى عثرت على تسجيلات قديمة، رسائل صوتية لهالة وهي تتحدث عن محاولاتها لفهم المجلس، وعن امرأة سبقتها حاولت المقاومة لكنها اختفت قبل أن تنجح.
عندها أدركت شيئًا مهمًا: لم ينجُ أحد لأن الجميع حاول الهرب… بينما الحل الحقيقي ربما كان المواجهة.
عادت إلى المرآة المكسورة، نظرت مباشرة داخل الشقوق، وقالت بثبات لم تعرفه في نفسها من قبل: “أنا مش هسيب أختي.” وللمرة الأولى… صمتت الأصوات.
اهتز الزجاج، وظهر انعكاس امرأة أخرى خلفها — هالة الحقيقية — تنظر إليها بعينين متعبتين وكأنها تنتظر منذ سنوات. فهمت هدى دون كلمات: هالة لم تختفِ، بل كانت محبوسة مثلها تمامًا.
وفي اللحظة الأخيرة قبل انتهاء العد التنازلي، مدّت هدى يدها نحو المرآة… واختارت ألا تعود فقط إلى جسدها، بل أن تكسر السلسلة كلها، مهما كان الثمن.
حين انطفأت الأنوار أخيرًا، لم يعرف أحد ماذا حدث داخل تلك الغرفة. لكن في صباح اليوم التالي، استيقظت فتاة فوق سطح بسيط، تفتح عينيها ببطء… وتبتسم لأول مرة دون خوف.
أما شركة الكيلاني، فقد أعلنت بعد أيام اختفاء رئيستها دون تفسير. لكن الغريب أن كل ملفات المجلس اختفت معها، وكأن سرًا قديمًا انتهى أخيرًا… أو ربما بدأ فصل جديد لم يُكتب بعد.
لم تستيقظ هدى هذه المرة مفزوعة كما حدث سابقًا، بل فتحت عينيها ببطء شديد وكأن روحها كانت تعود من رحلة طويلة عبر أماكن لا ينتمي إليها الزمن. أول إحساس وصلها كان الهواء الساخن القادم من نافذة غرفتها الصغيرة فوق السطح، وصوت بائع الخبز في الشارع البعيد. للحظة قصيرة ظنت أن كل ما حدث كان مجرد كابوس ثقيل، حلم طويل صنعه الإرهاق والخوف… لكنها حين رفعت يدها أمام عينيها، شعرت برجفة خفيفة تسري في جسدها.
هذه يدها فعلًا… لكن الإحساس لم يكن كما كان من قبل. كان هناك شيء ناقص، أو ربما شيء زائد لا تستطيع تحديده. جلست ببطء على السرير الحديدي، ونظرت حولها. نفس الحائط المتشقق، نفس السقف المنخفض، نفس البطانية القديمة التي حفظت شكل جسدها عبر السنوات. ومع ذلك، لم يعد المكان مألوفًا بالكامل. كأنها عادت، لكن جزءًا منها تُرك في مكان آخر.
تذكرت المرآة… تذكرت هالة… تذكرت العد التنازلي. قفز قلبها بعنف وهي تنهض متجهة نحو المرآة الصغيرة المعلقة بجانب الباب. نظرت إلى انعكاسها طويلًا. كانت هدى، بلا شك. نفس الملامح البسيطة، نفس الإرهاق الذي تحمله فتاة تبحث عن فرصة في مدينة لا تمنح شيئًا بسهولة. لكنها لاحظت شيئًا غريبًا؛ عيناها لم تعودا كما كانتا. داخلهما عمق جديد… معرفة لم تعشها بنفسها.
وقبل أن تستوعب الفكرة، رن هاتفها الموضوع بجانب الوسادة. رقم مجهول. ترددت للحظة، ثم أجابت. جاءها صوت هادئ مألوف بشكل مخيف: “صباح الخير يا هدى… واضح إنك نجحتي.”
تجمد الدم في عروقها. الصوت كان صوت هالة.
لم تستطع الرد فورًا، فقط أمسكت الهاتف بقوة وكأنها تخشى أن يختفي. عاد الصوت مرة أخرى، أكثر ضعفًا هذه المرة: “أنا مش جوة جسمك… بس أنا لسه موجودة. اللي عملتيه كسر جزء من الدورة… مش كلها.”
شعرت الأرض تميل تحتها. إذًا الأمر لم ينتهِ. لم يكن الانتصار كاملًا كما ظنت. سألت بصوت مرتعش: “المجلس؟ انتهى؟” جاء الرد بعد صمت طويل: “المجلس عمره ما بينتهي… هو بيتغير بس.”
في تلك اللحظة، انطفأ الهاتف وحده. حاولت تشغيله مجددًا، لكن الشاشة بقيت سوداء. إحساس بارد تسلل إلى صدرها. لو كان المجلس ما زال قائمًا، فمعنى ذلك أن الاختيار القادم لم يُلغَ… بل تأجل.
مرت الأيام التالية ببطء ثقيل. حاولت هدى العودة لحياتها الطبيعية، البحث عن عمل، مساعدة أمها، الضحك مع أختها رضا، لكنها كانت تلاحظ أشياء صغيرة لا يراها غيرها. ساعات الحائط تتوقف حين تمر بجانبها، المرايا تعكس ظلالًا متأخرة جزءًا من الثانية، وأحيانًا تسمع همسات خافتة حين يهدأ الليل.
الأمر الأكثر رعبًا حدث بعد أسبوع كامل، حين استيقظت منتصف الليل على صوت رضا تتحدث أثناء نومها. اقتربت منها لتوقظها، لكنها تجمدت مكانها حين سمعت الكلمات بوضوح: “الدور قرب… الحارسين شايفينها.”
أفاقت رضا فجأة، ونظرت لأختها ببراءة لا تحمل أي ذكرى لما قالت. لكن هدى فهمت الرسالة فورًا. المجلس لم ينسها، بل بدأ يراقب العائلة كلها.
في الليلة نفسها، حلمت حلمًا مختلفًا. لم تكن داخله وحدها. رأت قاعة واسعة بلا جدران، يقف فيها أشخاص بلا ملامح، وجوههم مغطاة بظلال رمادية. أحدهم تقدم خطوة وقال بصوت متعدد الطبقات: “كسر الدورة يخلق فراغًا… والفراغ لازم يتملى.”
استيقظت وهي تلهث، وقلبها يدق بعنف. أدركت أن ما فعلته جعلها جزءًا من اللعبة نفسها. لم تعد مجرد ضحية… بل عنصرًا غير متوقع داخل نظام قديم جدًا.
بدأت ذكريات هالة تظهر داخل عقلها تدريجيًا، كأن الرابط بينهما لم ينقطع. عرفت أماكن، أسماء، تواريخ لا تخص حياتها. اكتشفت أن المجلس لا يختار عشوائيًا، بل يراقب أشخاصًا معينين منذ طفولتهم، ينتظر اللحظة التي تصبح فيها أرواحهم قابلة للنقل.
ووسط تلك الذكريات، ظهر اسم واحد يتكرر دائمًا: “الحارس الأول”.
لم يكن شخصًا واحدًا، بل منصبًا. شخص بشري يعيش بين الناس، يبدو عاديًا تمامًا، لكنه المسؤول عن بدء كل دورة جديدة. فكرة مرعبة خطرت لها فجأة… ماذا لو كان الحارس قريبًا منها طوال الوقت؟
في اليوم التالي، أثناء عودتها من السوق، لاحظت رجلًا مسنًا يجلس أسفل العمارة المقابلة. لم تره من قبل، لكنه كان ينظر إليها مباشرة بابتسامة هادئة. حين مرت بجانبه قال دون مقدمات: “المقاومة بتتعب يا بنتي.”
توقفت قدمها رغمًا عنها. نظرت إليه، فوجدت عينيه مظلمتين بنفس السواد الذي رأته في جسدها القديم يوم التبادل. همس الرجل: “إنتي أول حد يكسر القاعدة… وده خلاكي مرشحة تبقي حارسة.”
شعرت بالاختناق. لم تهرب هذه المرة. سألت بصوت ثابت رغم خوفها: “ولو رفضت؟”
ابتسم الرجل ابتسامة صغيرة وقال: “ساعتها… حد تحبيه هيدفع التمن.”
اختفى بعدها وكأنه لم يكن موجودًا أصلًا.
عادت هدى إلى غرفتها وهي تدرك الحقيقة المرعبة: النجاة لم تكن نهاية القصة، بل بداية اختيار أصعب. إما أن تصبح جزءًا من المجلس وتحمي من تحب… أو تظل تقاوم حتى تبدأ الدورة من جديد وتأخذ شخصًا آخر.
جلست قرب النافذة تنظر إلى السماء الطويلة فوق المدينة، وتساءلت لأول مرة إن كان القدر يمنح الإنسان حرية حقيقية… أم مجرد أوهام اختيار داخل لعبة أكبر منه.
وفي انعكاس الزجاج، رأت ظلًا يقف خلفها للحظة قصيرة… ظل امرأة تشبه هالة، تبتسم بهدوء، كأنها تقول إن الطريق لم ينتهِ بعد.