عزومة على حافة الهاوية

عزومة على حافة الهاوية


عزومة على حافة الهاوية

اسمي ندى… ودي مش مجرد حكاية جواز اتكسر، دي ليلة واحدة كانت كفاية تهد اللي بنيته في تلتاشر سنة، وتكشف وشوش كانت بتضحك قدامي وهي شايلة جواها أسرار تقيلة. أنا وكريم اتجوزنا من 13 سنة، ومع الوقت بقينا قدّام الناس “الأسرة النموذجية”: بيت هادي، طفلين، ضحك في الصور، ومناسبات بنطلع منها وإحنا ماسكين إيد بعض كأن الدنيا متفصلة على مقاسنا. كريم كان في عيني “الراجل اللي يتسند عليه”… أب حنين، زوج شاطر في الكلام الحلو، ووقت ما كان بيغلط كان بيعرف يرقّعها بابتسامة ويقول: “حقك عليا”. وكنت أصدق… لأني كنت عايزة أصدق.

لكن من حوالي سنة، الدنيا اتلخبطت من غير ما أفهم. التغيير ماجاش فجأة زي السكين… جه زي المية اللي بتنقّط على الحجر، نقطة ورا نقطة لحد ما تلاقي الحجر اتشقق. كريم بدأ يرجع متأخر، مرة يقول “اجتماع”، مرة يقول “شغل طارئ”، مرة يقول “المدير ضغط علينا”، وكل مرة بيحط على كلامه غطا من الهدوء المصنوع. بقى بيرد على مكالماته بعيد عني، يطلع البلكونة أو يقفل على نفسه في أوضة النوم، وصوته يبقى واطي كأنه بيهمس لحد مش عايزني أسمعه. كنت بسأله بحذر، مش عايزة أبان شكاكة ولا أفتح باب خناق: “مالك يا كريم؟ حاسة إنك بعيد… فيه حاجة؟” فيبتسم ابتسامة باهتة، مش ابتسامته القديمة اللي كانت بتدفي، ويقول: “ضغط شغل يا ندى… بس كل حاجة تمام”. وأنا… كنت ببلع الجملة دي زي الدوا المر، وأقول لنفسي: طبيعي… أي جواز بيعدي بفترات فتور، ويمكن أنا اللي مكبرة الموضوع.

حاولت أرجع الدفا بكل الطرق اللي أعرفها. رتبت خروجات بسيطة، عملت مفاجآت، رجعت أطبخ الأكلات اللي كان بيحبها في أول الجواز، واهتميت بالبيت كأني برمّم فيه حتة حتة. حتى وأنا تعبانة، كنت ألبس وش “أنا تمام” عشان الطفلين مايحسوش إن فيه حاجة غلط. كنت عايزة بيتنا يفضل واقف… لأن البيت بالنسبة ليا مش شقة وخلاص، البيت كان “حكاية عمر”، وكنت خايفة الحكاية تخلص في نص الصفحة.

وفي يوم، كريم قاللي فجأة وهو بيشرب قهوته: “ندى… أنا عايزك تعملي عزومة كبيرة. كل العيلة… أمي وأبويا وإخواتي وأولادهم… الكل لازم ييجي.” نبرة صوته كانت جادة بطريقة مش مألوفة، وفي عينيه لمعة غريبة. سألته: “خير؟ مناسبة إيه؟” رد بسرعة: “الليلة دي مهمة… ومحتاج الكل يكون موجود.” قلبي اتعلق بالأمل مرة واحدة. قلت يمكن أخيرًا هيعمل مصالحة كبيرة، يمكن هيفتح صفحة جديدة، يمكن العيلة دي هتبقى سبب يرجّعنا لبعض… ويمكن الشغل اللي واخده منه روحه هيسيبنا نعيش شوية.

قضيت اليوم كله على رجلي. طبخ، وترتيب، وتنضيف، وسفرة تتفرد كأنها بتستقبل عيد. كنت بحرك في المطبخ وأنا بحس إن قلبي بيتحرك معايا: “يا رب تكون ليلة خير.” الطفلين كانوا فرحانين إن فيه عزومة، لأن العيال بتحب اللمة، وكنت بشوف في ضحكتهم حاجة بتقول لي: “لو أنتِ قوية… إحنا أقوى.” وكنت متماسكة عشانهم.

مع المغرب بدأت العيلة تيجي واحدة واحدة. حماتي دخلت وهي بتبص في أركان البيت كعادتها، حمايا الحاج محمود دخل هادي ووشه مريح، إخوات كريم وأولادهم زحمة وضحك، وكلام بيتقاطع، وأسئلة عن المدارس والشغل والأسعار… والجو في الأول كان طبيعي جدًا، لدرجة إن جزء مني صدّق إن كل خوفي كان أوهام. كريم كان قاعد، شكله مرتب، ومبتسم… بس ابتسامة باردة، كأنها متحطوطة فوق وشه مش طالعة من قلبه.

اتعشينا… أو بالأصح إحنا حاولنا نتعشى. لأن في اللحظة اللي حسيت فيها إن الأكل بدأ يهدّي الكلام، كريم قام فجأة. وقف عند رأس السفرة، مسح على دقنه ببطء، وبص للكل كأنه بيعد وجوههم واحد واحد. صوت الملاعق سكت، وكل نفس في الأوضة اتشد. قال بنبرة محسوبة: “أنا مجمعتكمش النهارده من غير سبب… في حاجة لازم أقولها.” قلبي ضرب… مش من الفرح، من إحساس غريب بيقول: “خدي بالك.” كمل وهو بيحاول يبقى ثابت: “وحابب أعرفكم على حد.”

قام ومشي ناحية باب الشقة. خطواته كانت تقيلة في ودني، كأنها مطرقة بتدق على صبر سنين. فتح الباب… وفي اللحظة دي، حسيت قلبي وقع. دخلت ست في أوائل التلاتينات، شكلها مرتب زيادة عن اللزوم، وابتسامتها مترددة كأنها داخلة امتحان. بطنها كان باين بشكل واضح… حامل. أنا اتجمدت. مش عشان الحمل نفسه… عشان المشهد كله كان مستحيل يتحط في بيتنا. كريم قرب منها، حط إيده على كتفها، ودخلها قدام الكل، وبابتسامة باردة قال الجملة اللي حسيت إنها شقتني نصين: “دي ياسمين… إحنا مع بعض بقالنا سنة تقريبًا… وهي حامل مني. مش عايز أعيش في كدب أكتر من كده.”

الصمت نزل على الصالة كأنه سقف وقع. وشوش العيلة اتبدلت في ثانية: ذهول، صدمة، نظرات بتجري بيني وبينه وبينها. حماتي فتحت بوقها وماطلعش صوت. حد من إخواته همس “يا نهار أبيض” وسكت. أنا… كنت شايفة كل ده كأنني بتفرج على فيلم مش بتاعي. سنة؟ سنة كاملة؟ يعني كل مرة رجع متأخر… كان بيرجع من عندها. كل مكالمة واطية… كانت ليها. كل “ضغط شغل” كنت بحط فوقه عذر… كان ستار لخيانة كاملة وأنا عايشة تحتها من غير ما أعرف. الدم غلى في عروقي. حسيت وشّي يسخن وركبي تضعف. جوايا صراخ عايز يطلع، بس الصوت اتحبس، كأن الحنجرة قفلت.

كنت عايزة أقف، أفضحه، أقول أسماء الأيام اللي كنت مستنياه فيها وهو بيضحك في وشها. كنت عايزة أقول قدام الكل: “إنت كسرتني… بس إنت اللي خسرت.” لكن قبل ما أتحرك، حصل اللي عمره ما كان في حسابي. الحاج محمود، حمايا… الراجل الهادئ اللي عمره ما رفع صوته، قام من مكانه وخبط على الكوباية بإيده. الصوت رن في الصالة زي جرس محكمة. قال بجملة قصيرة قوية: “لو سمحتوا… الكل يسمعني.”

في ثانية، الهدوء رجع، بس مش هدوء طبيعي… هدوء انتظار الحكم. كريم كان واقف ماسك كتف ياسمين، مبتسم كأنه كسب معركة فعلاً، كأنه جابها “بالنظافة” وقدام العيلة عشان محدش يقدر يلومه. لكن الحاج محمود بصله نظرة عمري ما شفتها قبل كده… نظرة بتجرّد بني آدم من كل مبرراته. وقال بصوت ثابت: “يا كريم… أنا كمان عندي كلام لازم يتقال. واللي هقوله دلوقتي… لازم الكل يسمعه كويس.”

اللحظة دي كانت غريبة… كأن الزمن وقف. أنا مش قادرة أفهم: هو هيدافع عنه؟ هيقول “قدر ونصيب”؟ هيطلب مني أقبل؟ لكن ملامح الحاج محمود كانت بتقول العكس تمامًا. قرب خطوة من كريم وقال: “إنت مجمّعنا النهارده عشان تعلن قرارك… وأنا هعلن قرار أكبر.” كريم حاول يبتسم ابتسامة فيها تحدي: “اتفضل يا بابا.”

الحاج محمود سكت ثانية كأنه بيختار الكلمات اللي هتوجع في مكانها الصح. وبعدين قال: “أنا مش هجادل في الذنب… لأن الخيانة مش محتاجة شرح. بس أنا هسألك سؤال واحد: إنت فاكر إن الرجولة إنك تجيب الغلط لبيتك وتخلّيه أمر واقع؟ إنت فاكر إنك لما تحط زوجتك قدّام العيلة في موقف زي ده تبقى قوي؟” كريم اتوتر، وملامحه اتشدت. ياسمين بصت حوالين نفسها بتوتر، وإيديها اتحركت لا إراديًا ناحية بطنها كأنها بتحتمي بيه.

الحاج محمود كمل بصوت أعلى شوية: “ندى دي مش غريبة… دي أم ولادك، ووشها كان وشنا قدّام الناس. وإنت جاي تكسّرها على سفرتها؟” وبعدين لفّ ببطء ناحية العيلة وقال: “الليلة دي مش ليلة إذلال ندى… الليلة دي ليلة حساب.” كلمة “حساب” وقعت على الأرض تقيلة، لدرجة إن حتى الطفلين اللي كانوا في أوضتهم حسّوا بحاجة وجم يبصّوا من باب الصالة بعينين خايفتين. قلبي اتقطع لما شفتهم… وأنا مش قادرة أضمهم في اللحظة دي.

الحاج محمود أشار لحد من إخوات كريم: “خدوا الولاد جوه.” وفعلاً اتسحبوا بهدوء، وأنا عيني عليهم ودماغي بتقول: “يا رب مايتحفرش المشهد ده في ذاكرتهم.” كريم حاول يتكلم: “بابا… الموضوع بيني وبين ندى.” الحاج محمود رد بسرعة: “لا… الموضوع بينك وبين شرفك قبل أي حد. وبينك وبين بيتك اللي انت هدمته بإيدك.”

أنا كنت قاعدة، جسمي متيبس، بس جوايا نار. كنت حاسة إنني لو اتكلمت هطلع كل وجع السنة اللي فاتت في جملة واحدة، لكن الحاج محمود سبقني، وكأنه شايف كل اللي ماعرفتش أقوله. قال لكريم: “إنت بتحكي عن الكدب… طيب احكي لنا عن كل مرة قلت فيها شغل… وكل مرة سبت بيتك تحت مسمى الاجتماعات. احكي عن ضحكتك المصنوعة وأنت بتقول لندى: كل حاجة تمام.” كريم وشه احمر، وبصلي نظرة سريعة… نظرة فيها حاجة زي التحدي وحاجة زي الهروب. وأنا لأول مرة شفت كريم اللي معرفوش.

ياسمين حاولت تلاقي لنفسها مساحة وسط الصمت، وقالت بصوت واطي: “أنا… أنا ماكنتش عايزة مشاكل… هو اللي قالي…” كريم قاطعها بعصبية: “اسكتي.” الحاج محمود بص لها وقال ببرود محترم: “إنتِ ضيفة على بيت مش بيتك… ومحدش جابرك تيجي تفتحي بيوت الناس. بس الليلة دي أنا هحط النقاط فوق الحروف.” وبعدين رجع بكلامه لكريم: “إنت فاكر إنك لما تعلن الخيانة قدّامنا تبقى ‘صريح’؟ الصراحة مش إنك تجرح… الصراحة إنك تتحمل نتيجة فعلك.”

في اللحظة دي، حسيت لأول مرة إن في حد واقف في ضهري. مش معنى كده إن الوجع راح… بالعكس، الوجع كان أكبر، بس بقى فيه سند يمنعني من السقوط. أنا أخدت نفس طويل، وقمت ببطء… قمت مش عشان أزعق، لكن عشان أثبت لنفسي إني مش هبقى متفرجة على انهياري. بصيت لكريم، وقلت بصوت طالع من قاع قلبي: “سنة كاملة يا كريم… سنة وأنا بحاول أفهم ليه بتبعد. كنت بلمّ البيت بإيدي… وإنت كنت بتهده في السر.” الكلمات كانت بتطلع متقطعة، بس واضحة. “إنت مش بس خنتني… إنت استغبيتني.”

كريم حاول يدافع عن نفسه قدّام العيلة: “ندى… ده نصيب… وأنا… وأنا ماكنتش عايز أجرحك.” ضحكت ضحكة قصيرة وجعتني وأنا بضحكها: “ماكنتش عايز تجرحني؟ طيب ليه اخترت تجرحني قدّام أهلك؟ ليه عزومة؟ ليه سفرة؟ ليه لحظة كنت فاكرة إنها هترجعنا لبعض؟” سكت… لأن مفيش إجابة محترمة تقدر تتقال.

الحاج محمود حسمها بكلمة واضحة: “يا كريم… البيت ده بيت ندى وولادها. إنت اللي خرجت منه بإرادتك يوم ما اخترت الخيانة.” حماتي أخيرًا اتحركت، وبدل ما تهاجمني زي ما كنت متوقعة في أسوأ كوابيسي، لقيتها بتقول بصوت مخنوق: “إنت عملت إيه يا كريم؟!” ودي كانت أول مرة أشوفها بتتكسّر. إخواته كانوا تايهين بين صدمة وبين إحراج. والليلة اللي كانت المفروض “مهمة جدًا” بقت أهم ليلة فعلاً… بس مش زي ما كريم كان متخيل.

كريم شد كتف ياسمين كأنه عايز يثبت نفسه، وقال بعناد: “أنا مش هسيبها… دي حامل.” الحاج محمود رد من غير ما يعلّي صوته، لكن صوته كان قاطع: “إنت حر في اختياراتك… بس مش حر تدخل اختياراتك في بيوت الناس وتطلب منهم يبلعوها. أنا مش هبارك على غلط.” وبعدين قال جملة اتقالت كأنها قفل باب كبير: “اللي بيكسر بيته… ما يزعلش لما يلاقيه وقع.”

أنا حسيت دموعي بتطلع أخيرًا… دموع مش ضعف، دموع قهر متراكم. لكني مسحتها بسرعة. كنت عايزة أبان قدام نفسي قبل الناس إني مش هنهار. قلت بصوت ثابت قد ما أقدر: “أنا مش هعمل فضيحة… ولا هقل أدبي… بس أنا كمان مش هعيش في كدب تاني. الليلة دي نهاية.” وسكت… لأن النهاية أحيانًا ما تحتاجش خطب طويلة، تحتاج قرار.

الحاج محمود التفت للعيلة: “العزومة خلصت.” جملة بسيطة، لكنها كانت إعلان إن المسرحية اتقفلت ستارتها. الناس قامت واحدة واحدة، في اللي حاول يطبطب، وفي اللي مش قادر يبص في وشي من الإحراج، وفي اللي عينيه بتقول “أنا آسف” من غير كلام. ياسمين وقفت مترددة، كأنها مستنية حد يديها مكان في البيت، لكن البيت كله كان بيقول لها: “ده مش مكانك.” خرجت مع كريم، وخطواتهم في الممر كانت بتخبط في قلبي، مش لأنني عايزاهم يرجعوا… لكن لأنني كنت بودّع نسخة مني كانت بتصدق وتستحمل وتسكت.

بعد ما الباب اتقفل، فضلت واقفة في الصالة، نفس السفرة اللي كنت فرحانة وأنا برتبها، بقت سفرة محكمة… وبقايا أكل وذكريات مكسورة. الحاج محمود قرب مني بهدوء وقال: “حقك عليا يا بنتي… لو كنت شاكك من بدري كنت حميتِك.” أنا بصيت له، وقلت بصوت واطي: “مش ذنبك… الذنب ذنبه.” حماتي وقفت جنبي، وملامحها متعبة، وقالت: “أنا… أنا آسفة.” وأنا لأول مرة حسيت إن الألم ممكن يطلع منه شيء تاني غير الدمار… ممكن يطلع منه وضوح.

في الليلة دي، ماكانش فيه انتصار بالمعنى اللي الناس بتحبه. ماكانش فيه “نهاية سعيدة” جاهزة. كان فيه واقع لازم أواجهه، وقرارات لازم تتاخد، وطفلين لازم أحميهم من جرح أكبر. لكن وسط كل ده، كان فيه لحظة واحدة فهمت فيها إنني مش لوحدي… وإن اللي يتكسّر جواه ممكن يتصلّح، بس بشرط واحد: مايرجعش يكدّب على نفسه. الليلة دي بدأت بخيانة اتقالت بصوت عالي… وانتهت بصوت أهدى، لكنه أقوى: صوتي وأنا بقول لنفسي إن كرامتي مش على السفرة، كرامتي جوايا.

تنويه: هذا النص سرد درامي اجتماعي مُعاد كتابته بأسلوب قصصي للتشويق، ولا يتضمن اتهامات لأشخاص حقيقيين بأسمائهم.

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان