حين انكسرت البلاطة… وانكشف السر خلف الجدار

حين انكسرت البلاطة… وانكشف السر خلف الجدار


حين انكسرت البلاطة

لم تكن تلك الليلة مختلفة عن غيرها. وهذا تحديدًا ما يجعلها أكثر الليالي رعبًا في ذاكرتي الآن. الأشياء المخيفة لا تبدأ دائمًا بصوت عالٍ أو بإنذار واضح؛ أحيانًا تبدأ في صمت كامل، في بيت دافئ، في لحظة اطمئنان خادعة، حين تظن أن حياتك مستقرة بما يكفي لتغفل عن احتمالات السقوط.

كنت واقفة في المطبخ، أتابع حركة الماء فوق الصحون، أرتب الأكواب في أماكنها المعتادة، أستمع إلى صوت غسالة الأطباق وهو يدور بإيقاع ثابت يشبه نبضًا منزليًا مألوفًا. الضوء المتسلل من الشباك كان يميل إلى الذهبي، ينساب على الأرضية كأنه طبقة رقيقة من دفء خفيف. ابني في الغرفة المجاورة يضحك، يكرر جملة من الكرتون الذي يحبه، يضحك لنفس النكتة للمرة العاشرة، وكأن العالم كله لا يتجاوز تلك اللحظة الصغيرة من السعادة.

زوجي خرج قبل ساعة تقريبًا. قال إنه مشوار بسيط، لن يتأخر عن العشاء. قبّل جبيني عند الباب، وابتسم تلك الابتسامة الهادئة التي اعتدت عليها. لم أكن أشك في شيء. لم يكن لدي سبب لأشك. الحياة بيننا لم تكن مثالية، لكنها كانت مستقرة، وهذا يكفي أحيانًا ليطمئن الإنسان.

كنت أظن أنني أعرف هذا الرجل. أعرف صمته كما أعرف صوته، وأميز خطواته في السلم قبل أن يصل إلى باب الشقة. كنت أعتقد أن السنوات تكشف كل شيء، وأن العيش المشترك يمحو الغموض. لم أكن أعرف أن بعض الأشخاص يمكن أن يعيشوا بجوارك أعوامًا، دون أن تلمح سوى السطح فقط.

وأنا أقف أمام الحوض، شعرت فجأة بإحساس غريب. ليس صوتًا واضحًا، ولا حركة ملموسة. مجرد شعور ثقيل بأن هناك من يقف خلفي. إحساس بوجود غير مرئي. التفتُّ بسرعة، فوجدته واقفًا عند مدخل المطبخ.

حماي.

كان واقفًا بصمت، يحدق نحوي بنظرة لم أعتدها منه. رجل قليل الكلام بطبعه، يميل إلى العزلة، لكن حضوره كان دائمًا مستقرًا، ثابتًا، بلا ارتباك. أما تلك الليلة، فكان وجهه شاحبًا بطريقة واضحة، وعيناه تتحركان بقلق كأنهما تتأكدان من أن الجدران لا تملك آذانًا.

قال بصوت منخفض: “محتاج أكلمك.”

جففت يدي بسرعة وسألته: “خير يا بابا؟”

اقترب خطوة، ثم توقف، ونظر حوله قبل أن يتقدم أكثر. شعرت بأن شيئًا غير طبيعي يحدث. أمسك بذراعي برفق في البداية، ثم شد قليلًا، كأنه يخشى أن أتراجع. قال بصوت أقرب إلى الهمس:

“طول ما هو بره… خدي مطرقة واكسري البلاطة اللي ورا المرحاض. ومحدش يعرف. حتى هو.”

لم أفهم الجملة في اللحظة الأولى. حدقت فيه محاولة استيعاب المعنى. كسري البلاطة؟ لماذا؟ وماذا يمكن أن يكون خلفها؟ ظننت للحظة أنه يمزح، أو ربما يريد إصلاح شيء ما. قلت له محاولة تخفيف التوتر:

“نكسر البلاط؟ إحنا لسه مجددين الحمام.”

لكنه لم يبتسم. شد على ذراعي بقوة غير متوقعة، ونظر في عيني مباشرة وقال ببطء:

“جوزك مش زي ما إنتِ فاكرة. الحقيقة هناك… جوه الحيطة.”

ثم تركني، وغادر المطبخ بخطوات سريعة، تاركًا خلفه فراغًا أثقل من أي كلام.

بقيت واقفة في مكاني لدقائق لا أعرف عددها. كنت أسمع صوت غسالة الأطباق، وضحكة ابني، وكل شيء كما هو، لكن شيئًا ما انكسر داخلي. حاولت أن أقنع نفسي أنه يبالغ. أن العمر قد أثقل أفكاره. أن الخيال قد يختلط بالذكريات أحيانًا. لكن شيئًا في عينيه لم يكن هذيانًا.

مرّ الوقت ببطء. ابني ذهب إلى الجيران ليلعب قليلًا. البيت صار أكثر هدوءًا. كنت أتحرك من غرفة إلى أخرى بلا هدف، كأنني أهرب من فكرة محددة تلاحقني. كلما اقتربت من الحمام، شعرت بانقباض في صدري. وكلما ابتعدت، عاد صوت كلماته يتردد في رأسي.

لا أعرف متى قررت. ربما لم أقرر فعلًا. ربما فقط تعبت من الدوران.

ذهبت إلى غرفة الأدوات وأحضرت المطرقة. شعرت بثقلها في يدي، كأنها ليست أداة عادية، بل مفتاح لشيء أكبر مما أتخيل. دخلت الحمام وأغلقت الباب خلفي. نظرت حولي. كل شيء مألوف: البلاط الأبيض، الحوض، المرآة، رائحة المنظفات.

وقفت أمام البلاطة التي أشار إليها. ركزت نظري عليها طويلًا، كأنني أحاول أن أرى ما وراءها دون أن ألمسها. قلبي كان يدق بسرعة غير مريحة. رفعت المطرقة وضربت ضربة خفيفة. لم يحدث شيء واضح. ضربة ثانية أقوى قليلًا. ظهر شرخ رفيع. ضربة ثالثة… انكسر جزء من السيراميك.

ظهر خلفه فراغ.

تجمدت في مكاني. لم يكن من المفترض أن يكون هناك فراغ. كان يجب أن أرى طبقة الأسمنت أو المواسير. لكن ما ظهر كان تجويفًا متعمدًا.

انحنيت قليلًا وأضأت كشاف الهاتف. رأيت كيسًا قديمًا ملفوفًا بإحكام، موضوعًا في الداخل بعناية واضحة. مددت يدي ببطء وسحبته. كان أثقل مما توقعت.

جلست على الأرض، والكيس أمامي. شعرت بأن اللحظة تتسع وتطول، كأن الزمن يتباطأ عن قصد. فكرت للحظة في إعادته مكانه، في التظاهر بأنني لم أر شيئًا. لكن الفضول، أو ربما الخوف، كان أقوى.

فتحت الكيس.

احتاج عقلي ثواني ليفهم ما يراه. كانت أسنانًا بشرية. كثيرة. متراكمة فوق بعضها. بأشكال وأحجام مختلفة. بعضها يحمل حشوات معدنية، بعضها مكسور، وبعضها كامل، نظيف بشكل مخيف.

شعرت بأن الأرض تميد تحت قدمي. لم أصرخ. لم أبكِ. فقط شعرت ببرودة تسري في أطرافي. نظرت إلى الكيس، ثم إلى الفراغ في الحائط، ثم إلى يدي التي كانت ترتجف.

حاولت أن أجد تفسيرًا منطقيًا. ربما جمعها من مكان ما؟ ربما لها علاقة بعمل قديم؟ لكن أي عمل يمكن أن يبرر هذا؟ ولماذا تُخفى داخل الجدار؟

أعدت الكيس إلى داخل الحائط مؤقتًا، وذهبت إلى غرفة حماي. كان جالسًا على طرف السرير، كأنه لم يتحرك منذ تركني. عندما رآني، فهم.

لم أسأله فورًا. لم أجد الكلمات. هو من تكلم أولًا.

“أنا حاولت أوقفه زمان.”

صوته كان مكسورًا، متعبًا. لم يخبرني بكل التفاصيل، لكنه قال ما يكفي لأفهم أن الأمر ليس جديدًا. أشار إلى أخطاء قديمة، إلى صمت اختاره خوفًا أو عجزًا. قال إنه ظن أن كل شيء انتهى، لكنه لم يتأكد أبدًا.

كنت أستمع وأنا أشعر أنني أعيش خارج جسدي. كأنني أشاهد فيلمًا لا علاقة لي به. كيف يمكن أن يكون الرجل الذي أعيش معه…؟

لم أستطع إكمال الفكرة.

عدت إلى الحمام وأعدت الكيس إلى مكانه. حاولت أن أعيد القطع المكسورة بحيث لا يلاحظ أحد شيئًا فورًا. سمعت بعدها صوت باب الشقة يفتح. عاد ابني من عند الجيران، يركض نحوي بحماس.

احتضنته بقوة لم أعتدها. ربما أكثر مما ينبغي. سألني إن كنت حزينة. ابتسمت له وقلت إنني فقط متعبة.

في المساء، عاد زوجي. دخل كعادته، وضع مفاتيحه على الطاولة، سألني عن يومي. كان طبيعيًا تمامًا. ابتسامته نفسها. صوته نفسه. حتى طريقته في خلع حذائه.

جلست أمامه على مائدة العشاء، أراقبه وهو يتحدث عن أمور عادية. عن زحام الطريق، عن فكرة لنزهة قصيرة في نهاية الأسبوع. كان يتكلم بهدوء، وأنا أحاول أن أرى خلف ملامحه أي ظل مختلف.

قال فجأة: “مالك؟ شكلك مش طبيعي.”

قلت له إنني متعبة فقط. ربما صدقني. ربما لم يفعل.

في تلك الليلة، لم أنم. كان مستلقيًا بجواري، يتنفس بانتظام، وكأن العالم كله مستقر. أما أنا فكنت أحدق في السقف، أراجع كل ذكرى بيننا، أحاول أن أجد إشارة، موقفًا غريبًا، شيئًا تجاهلته.

الأيام التالية كانت ثقيلة. شعرت بأنه يراقبني أحيانًا. يسألني أكثر من المعتاد. يقترب فجأة ليقرأ وجهي. كنت أخاف أن يعرف أنني عرفت. وكنت أخاف أكثر من أن أكون مخطئة.

لم أستطع الذهاب للشرطة فورًا. الفكرة كانت تدور في رأسي، لكنني كنت ممزقة. ماذا لو كان هناك تفسير؟ ماذا لو كنت أسيء الفهم؟ وماذا عن ابني؟ ماذا سيحدث له؟

كل خيار كان يبدو مخيفًا.

في النهاية، اخترت الخيار الذي بدا أقل خطورة في اللحظة: الرحيل.

بدأت أرتب الأمور بهدوء. جمعت أوراقنا المهمة، بعض الملابس، أشياء بسيطة تكفي لبداية جديدة. لم أواجهه. لم أسأله. فقط انتظرت فرصة مناسبة.

قبل أن أغادر، دخلت إلى حماي. كان صامتًا كعادته. قلت له إنني سأبتعد قليلًا. لم أسأله إن كان سيخبره. لم أطلب منه شيئًا. فقط نظر إليّ وقال:

“الأهم إنكوا تبقوا بأمان.”

غادرت الشقة في وقت كان فيه زوجي خارج المنزل. لم أترك رسالة طويلة. فقط كلمات قليلة، عامة، لا تكشف شيئًا. لم أذكر ما رأيت.

انتقلت إلى مدينة أخرى. بيت أصغر. حياة أكثر بساطة. بدأت أبحث عن عمل جديد، عن مدرسة لابني، عن روتين يعيد إلينا الإحساس بالاستقرار.

لم يكن الأمر سهلًا. كنت أستيقظ أحيانًا في الليل، أتخيل أنه سيظهر فجأة. كنت أرتب الأفكار في رأسي عشرات المرات. هل كان عليّ أن أتصرف بشكل مختلف؟ هل كان يجب أن أواجهه؟

لكن في كل مرة أنظر إلى ابني وهو نائم بسلام، أعرف أن القرار، مهما كان ناقصًا، كان ضروريًا.

لم أعد أنظر إلى الجدران بالطريقة نفسها. صرت أؤمن أن الأشياء الصلبة قد تخفي فراغًا خلفها، وأن الاستقرار قد يكون طبقة رقيقة تغطي شيئًا أعمق وأخطر.

الحياة لم تعد كما كانت. لكنها استمرت. تعلمت أن أعيش بحذر أكبر، أن ألاحظ التفاصيل، أن أستمع لذلك الصوت الداخلي الذي تجاهلته مرة.

لم تنتهِ القصة في داخلي. ربما لن تنتهي أبدًا. لكنني أعرف شيئًا واحدًا: ضربة مطرقة واحدة كانت كافية لتكشف لي أن الحقيقة، مهما اختبأت، لا تختفي. قد تصمت سنوات، وقد تختبئ خلف جدار، لكنها في لحظة ما تجد طريقها إلى الضوء.

ومنذ تلك الليلة، لم أعد المرأة التي كانت تطمئن بسهولة. صرت أعرف أن الهدوء ليس دائمًا دليل أمان، وأن بعض الأسرار تنام قريبًا جدًا منا… أقرب مما نتصور.

انضم للمجتمع

ألاء الشافعي
ألاء الشافعي