الساعة 5:07.. لما اتفتح الجحيم واتفلت الحق من تحت إيديهم
كنت حامل في الشهر السادس… وفي الأيام دي بالذات، جسمك بيبقى بيتك الوحيد، وبيتك بيبقى كأنه قُماشة رقيقة بتتقطع من أقل نسمة. كنت فاكرة إن أصعب حاجة في الحمل هي الوجع والدوخة وثِقل الحركة، وإن أقصى اللي ممكن يحصل إنك تصحى متأخرة، أو تتخانقي مع نفسك عشان لقمة مش داخلة، أو تبكي من غير سبب لأن الهرمونات بتلعب في الأعصاب. ماكنتش أعرف إن فيه ساعة واحدة ممكن تقلب حياتك كلها… مش بس يومك. الساعة دي كانت 5:07 الصبح، رقم محفور جوا دماغي زي مسمار سخن، كل ما أغمض عيني أشوفه على هيئة شبح بيتقدم خطوة خطوة لحد ما يوقف قدامي ويبتسم.
الصوت اللي صحاني ماكانش منبّه ولا صوت عربية في الشارع. كان خبط جامد على باب أوضتنا… خبط يخليك تحس إن الباب نفسه اتوجع. الإطارات اللي على الحيطة اتزحزحت، وقلبي اتزحزح معاها. فتحت عيني على نور ضعيف داخل من الشباك، وكنت لسه بحاول أفهم أنا فين، لقيت كريم واقف عند الباب. وقفته كانت غريبة… مش وقفة واحد جاي يصحي مراته عشان شغل، دي وقفة واحد جاي ينفّذ حكم. عينه حمرا من السهر، ومن ريحة الخمر اللي سابقاه بخطوتين، ومن غضب قديم واضح إنه متخزن ومستني لحظة ينفجر.
الغريب إنه ماقالش اسمي. كريم طول عمره لما يكون رايق يناديني باسمي كأنه بيطبطب بالكلام، ولما يكون متعصب يناديني بألقاب سخيفة عشان يجرح. لكن المرة دي… ناداني بحاجة أقسى من الشتيمة نفسها، كأنه قرر يلغيني من الأساس. صرخ: “قومي يا غبية!” وبحركة واحدة شد اللحاف من فوقي، كأن جسمي مش جسمي وكأن أنا مش إنسانة، وكأن الحمل اللي في بطني مجرد عذر بيغطي كسل في نظرهم. “فاكرة نفسك أميرة عشان حامل؟ أهلي تحت!”
حاولت أقوم… والله حاولت. بس الحركة كانت كأنها طلوع جبل وأنا حافية. ضهري كان بيوجعني من كام يوم، والبيبي كان تقيل في بطني، وأول ما حطيت رجلي على الأرض حسيت بشد عضلي قطع النفس. طلعت مني همسة صغيرة خجلانة: “مش قادرة.” ضحك ضحكة قصيرة، ضحكة واحد شايفك لعبة. “ستات تانية بيشتغلوا لحد آخر يوم. بطلي تتصنعي.” الكلمة دي تحديدًا كانت بتقفل باب الرحمة في وشّي. “بتتصنعي”… يعني وجعي تمثيل. يعني رعشتي خِدعة. يعني خوفي ترف.
طلعت وراه للممر وأنا ماسكة جنبي بإيدي، وبحاول أتنفس بعمق عشان الدوخة ما تاكلنيش. البيت كان هادي بس هدوءه مش مريح… هدوء بيت مستني انفجار. أول ما دخلت المطبخ اتلسعت من النور. كان منوّر زيادة عن اللزوم، لمبة قوية محسّساني إنهم عاملين مسرح وانا بطلة العرض بالغصب. نجلاء… أم كريم… قاعدة على السفرة زي قاضية، قدامها فنجان قهوة والبُنّ طالع بخار كأنه نفس غضب. جنبها عماد أبوه، ساكت، ساكن، نظرة حجر. وعلى الرخامة، منى أخته، مسنّدة نفسها ورافعه موبايلها… الكاميرا شغالة… بتصوّر.
أنا ما احتجتش حد يقولي إنهم متفقين. الاتفاق كان باين في ترتيبهم، في نظراتهم، في الهدوء المتعمد اللي بيسبق العاصفة. نجلاء بصتلي من فوق لتحت بابتسامة مستفزة، وقالت وهي بتقلب ملعقة القهوة ببطء: “بصي عليها كده… بتمشي كده وعايزة شفقة. كريم، انت طيب زيادة.” الكلمة طلعت منها كأنها بتمنحه وسام على أذيتي. كريم قرب مني خطوة وقال بصوت أوامر: “البيض… السجق… العجة دلوقتي.”
فتحت التلاجة وأنا بحاول أركز في أي حاجة غير ريحة اللحمة والدهون اللي ضربت دماغي. ريحة القهوة المحروقة كانت عاملة زي دخان خنقة. الدنيا لفت بيا. بصري ضاق كأنه بيتحشر في فتحة صغيرة. حاولت أمسك الرخامة بإيدي عشان ما أقعش، بس إيدي خانتني. ركبي خبطت في الأرضية الباردة، وجسمي كله اتلوّى من الوجع. الصوت اللي طلع مني ماكانش صرخة كاملة… كان آهة مكتومة، آهة حد بيحاول يحافظ على كرامته وهو بيتكسر.
عماد ما اتحركش. ولا حتى رفع راسه. كأنه بيتفرج على حاجة في التلفزيون. نجلاء قالت بلا مبالاة: “دي دايمًا مسرحية.” ومنى؟ منى كانت ثابتة… الموبايل ثابت… بتصوّر كل ثانية… ووشها فيه ابتسامة غريبة، ابتسامة مش مفهومة: هل هي شماتة؟ ولا خوف؟ ولا حاجة تالتة أنا ماكنتش شايفاها ساعتها. كريم وقف فوق راسي وقال بأمر: “قومي!” وكأن الأرض ملكه وأنا لازم أقف بأمره حتى لو جسمي بيصرخ.
إيدي كانت بتتهز وأنا على الأرض. حطيت كفّي على بطني تلقائيًا، زي ما تكون الأمومة بتشتغل قبل ما العقل يلحق. حسيت بالبيبي بيتحرك رفرفة واحدة… حركة مرعوبة، كأن الخوف وصل له قبلي. الكلمة طلعت مني مكسورة: “أرجوك… البيبي.” الكلمة دي كان المفروض تفتح قلب، أو على الأقل تذكّرهم إن فيه روح تانية بريئة جوه جسمي. لكنها، للأسف، عملت العكس. وش كريم اتغير… اتقفل… وبصلي بنظرة واحد اتأكد إنه عايز يوجع.
مشِي بخطوات سريعة وراح ناحية جنب البرّاد، مكان كنت بشوف فيه عصاية خشب صغيرة بنستخدمها زمان… عصاية ما كنتش أتخيل إنها هتبقى سلاح. مسكها ورفعها كتحذير. للحظة، عقلي قال: “مش هيضرب… مستحيل.” بس الحقيقة كانت أسرع من تفكيري. أول ضربة نزلت على فخذي. وجع انفجر ورا عيني، لدرجة إني حسيت إن نور الدنيا اتطفى للحظة. صرخت… صرخة طلعت من أعماقي، ولفيت نفسي على نفسي وأنا حاطة إيدي على بطني كدرع.
نجلاء ضحكت… ضحكة عالية، زي ضحكة حد بيتفرج على مقلب. “اعمليه كده تاني، علميه.” قالتها وهي بتشاور بعينيها لكريم كأنها بتدي تعليمات لتربية حيوان مش لإنسانة حامل. منى كانت بتصوّر… وموبايلها مش بيرتعش… كأنها متعودة على المشهد، أو كأنها مستنية اللحظة دي من زمان. موبايلي أنا كان في جيب العباءة… وقع على الأرض قريب مني شوية، وكأنه بيستغيث معايا.
ماكانش عندي حل. ماكنش عندي قوة. بس كان عندي غريزة واحدة: النجاة. زحفت على الأرض، بطيئة… شوية شوية… وأنا بحاول أبلع دموعي عشان أعرف أتنفس. كل ما أتحرك سنتيمتر أحس بالوجع بيقطعني، بس أنا كنت شايفة الموبايل قدامي كأنه طوق نجاة في بحر أسود. في اللحظة اللي وصلت فيها له، سمعت عماد لأول مرة يرفع صوته: “امسكوها!”
كريم قرب بسرعة، لكن أصابعي لمست الشاشة. ضغطة واحدة… مش أكتر… اسم طارق أخويا ظهر قدامي. طارق اللي عمره ما ارتاح لكريم، طارق اللي كان دايمًا يقول لي: “لو يوم حسّيتي إنك لوحدك… اتصلي.” كتبت كلمتين وإيدي بترتعش: “مساعدة بسرعة.” قبل ما أقدر أبعت أكتر، كريم لمح الضوء في عيني، وفهم. اتفاجئ لحظة، وبعدين غضبه اتوحش. خطف الموبايل من إيدي زي ما واحد بيخطف الهواء من رئة حد تاني، وراح رماه في دولاب بلاستيك قريب، اتكسر، والشاشة طفت.
انحنى فوقي ومسك شعري ووشي اتسحب ناحية الأرض. همس بصوت منخفض… أخطر من الصراخ: “فاكرة حد هييجي؟ محدش هييجي عشانك.” ودني كانت بتصفر، والبيت كله بقى بعيد… كأنه اتغلف بقطن. حسيت إن الدنيا بتسود… بس وأنا بين الغيبوبة والصحوة… سمعت حاجة. في الأول افتكرتها من خيالي… ثم اتأكدت: صوت ارتطام قوي بباب الشقة الخارجي. صوت خلع… كأن الباب بيتهان وبيترد له كرامته.
كريم اتجمد مكانه. نجلاء وعماد اتنفضوا من على السفرة. نجلاء صرخت وهي بتحاول تداري موبايل منى ورا ضهرها: “مين اللي بيخبط كده؟” وفي ثانية واحدة، الباب اتفتح ودخل طارق أخويا… بس المرة دي ماكانش لوحده. كان معاه اتنين من صحابه، ومعاه رجالة من منطقتنا، ناس تعرف طارق وتعرف إنه لو دخل مكان يبقى داخل يطلع الحق مش يتفرج. طارق عينه وقعت عليّ وأنا مرمية على الأرض وماسكة بطني… ووشه قلب… مش غضب وبس… قلب دم.
طارق ما استناش يشرح. ما استناش يسأل. اندفع ناحية كريم زي الإعصار. في لحظة كان كريم تحت رجليه. “بتِمد إيدك على أختي وهي حامل يا ناقص؟” صوته كان عالي، بس فيه بكاء مخنوق. ضربه كان فيه غل السنين كلها… مش بس غل اللحظة. عماد حاول يتدخل، لكن رجالة طارق وقفوله: “خليك مكانك يا حاج… الحساب لسه ما جاش للمحروسة.” نجلاء كانت بتتراجع لورا وهي بتبلع ريقها، لأول مرة الخوف يشقّ ابتسامتها.
منى كانت بتترعش… وإيديها بتجري على شاشة الموبايل تحاول تمسح الفيديوهات. طارق لمح الحركة دي، مد إيده وخطف الموبايل منها بغضب: “الفيديوهات دي هي اللي هتوديكم ورا الشمس… تصوير وجريمة!” منى حاولت تتكلم، لكن صوتها ماطلعش. كانت زي حد ماسك سر كبير وحاسس إنه هيغرق. في اللحظة دي، أنا حسيت بألم رهيب في بطني. ألم مختلف… ألم يخوّف… صرخت صرخة هزت البيت: “طارق… البيبي!”
الدنيا سِوِدِت تاني… بس المرة دي وأنا بغيب كنت سامعة صوت طارق وهو بيشيلني بين إيديه، ووشه قريب من وشي، ودموعه بتنزل على خدي. كان بيهمس وهو بيبكي: “سامحيني… والله ما هسيب حقك… اصمدي عشان ابننا.” كلمة “ابننا” هنا ما كانتش بمعناها الحرفي… كانت كلمة أمان. كأنه بيقول: أنا ظهرك. أنا الحيطة اللي ما تتكسرش.
الطريق للمستشفى كان مشوش في دماغي. فاكرة بس لمبات الشارع بتعدي فوق وشي، وصوت أنفاس طارق متقطع، ويدي ماسكة في هدومي كأنها ماسكة الحياة. فتحت عيني على نور أبيض، ريحة مطهرات، وأصوات أجهزة. كنت في غيبوبة مؤقتة، ولما فوقت لقيت طارق قاعد جنبي، وشه باين عليه التعب والقلق اللي ما نامش. أول سؤال خرج مني من غير ما أفكر: “البيبي يا طارق؟”
ابتسم… ابتسامة موجوعة، زي واحد بيحاول يحط ضمادة على قلبه. قال: “الحمد لله… ربنا كتب له عمر جديد… بس الدكتور قال راحة تامة لحد الولادة… ومفيش رجوع للبيت ده تاني.” ساعتها فهمت إن الحياة اللي كنت عايشاها اتقفلت بابها… وإن ده مش خسارة، ده نجاة. لكن المفاجأة ما كانتش هنا. طارق طلع ورقة من جيبه… ورقة رسمية… وقال: “دي قسيمة الطلاق… اتوقعت.”
أنا بصيت له وأنا مش مصدقة. قال: “أجبرناه يوقّع في القسم قبل ما يتعرض على النيابة… بعد البلاغات… وبعد ما اتثبت الاعتداء والشروع في أذية جنين.” الكلام كان بيتقال بهدوء، بس وراه نار. وبعدين طارق كمل وهو بيضغط على كفّي: “والجيران شهدوا… كلهم… اتضح إنهم قبل كده عملوا نفس الحكاية مع غيرك… كانوا بيطفيّشوا أي زوجة ما تمشيش على مزاجهم… بس المرة دي وقعوا مع حد مش هيسيب حقه.”
وفي وسط كل ده، كان فيه تفصيلة صغيرة بتلمع زي شرارة: منى… اللي كانت بتصوّر. كنت فاكرة إنها بتصوّر عشان تذلني. عشان تبقى ليها مادة تبتزني بيها أو تضحك عليّ بيها قدام الناس. لكن الحقيقة طلعت أعقد وأغرب. طارق قالي بعدها بساعات، لما اتأكد إني بقيت أقدر أستوعب: منى كانت بتصوّر لأنها كانت بتجمع أدلة… مش عشان تحميني بدافع بطولة، لكن لأنها كانت خايفة منهم، وعايزة ورقة تنقذ نفسها قبل ما تغرق معاهم. في اللحظة اللي بدأ فيها الضرب، كانت بتبعت الفيديوهات لطريقته… لطارق… واحدة ورا التانية… زي حد بيرمي طوق نجاة وهو واقف بعيد.
المشهد كله كان مُرّ. لأن حتى “المساعدة” اللي جات من منى ما كانتش نقية بالكامل… كانت خوف على نفسها أكتر من خوف عليّ. لكن في النهاية… الأدلة دي كانت هي السكين اللي قطع الحبل من رقبتنا. كريم وأهله اتساقوا للتحقيق، واتجمعت التسجيلات والشهادات، واتفكّت كل طبقات الكذب اللي كانوا مغلفين بيها نفسهم قدام الناس. أنا ما كنتش عايزة انتقام… أنا كنت عايزة أمان. عايزة ابني يعيش من غير ما يتربى وسط ذل وعنف.
مرت الشهور بعد الحادثة تقيلة، بس كل يوم كان بيعدّي وأنا لسه بتنفس كان دليل إن ربنا بيكتب لي بداية جديدة. كنت بتنام على مخدة في بيت أخويا، وكنت أصحى على صوت أمي وهي بتقرأ قرآن، وعلى صوت طارق وهو بيطمن عليا كأنه حارس باب. وكل ما البيبي يتحرك في بطني، كنت أفتكر إنه هو اللي تمسك بالحياة رغم كل الضرب والخوف. يوم الولادة، لما سمعت صوته لأول مرة… بكيت بكاء طويل… مش بس عشان وجع الولادة… لكن عشان حسيت إن فيه روح صغيرة جاية تقول لي: “إنتِ نجوتي… وأنا نجاتك.”
سمّيته ياسين… عشان يكون “يس” في قلبي… ويكون بداية صفحة جديدة. مش معنى إن الألم راح… لا، الألم ما بيروحش بسهولة. بس معنى إن الحق ممكن ييجي، وإن السكوت مش قدر، وإن في لحظة واحدة ممكن زر طوارئ… أو مكالمة مفتوحة… أو أخ سند… ينقذك قبل ما تروح في العتمة. ومن يومها وأنا بقول لنفسي جملة واحدة، كل ما الخوف يحاول يرجع: الحرص مش عيب… وطلب النجدة مش ضعف… والبيت اللي ما فيهوش أمان ما يتسمّاش بيت.