الستر في الرداء.. والجدعنة في الدم
في ليالي القاهرة الممطرة يصبح للمدينة وجه مختلف. الشوارع التي تعج بالحركة في النهار تبدو كأنها تهدأ فجأة، والمباني القديمة تقف صامتة كأنها تراقب المارة من بعيد. في تلك الليلة تحديدًا كان المطر يهطل بلا توقف، خيوط طويلة من الماء تنزل من السماء وتضرب الإسفلت في صوت متواصل يشبه الهمس الثقيل. الساعة كانت تقترب من منتصف الليل، والبرد الخفيف الذي صاحب المطر جعل الشوارع شبه خالية، بينما انعكست أضواء السيارات القليلة على الأرض المبتلة فأعطت المدينة مظهرًا هادئًا لكنه مليء بشيء من الغموض.
داخل مستشفى “النيل الشفا” كان الوضع مختلفًا قليلًا. المستشفى في الليل لا تنام أبدًا، لكنها تدخل في حالة هدوء غريب، هدوء يشبه الوقوف بين لحظتين. رائحة المعقمات تملأ المكان، وأضواء الممرات البيضاء تنعكس على الأرضيات النظيفة، بينما يتحرك عدد قليل من الممرضين بخطوات سريعة لكن منخفضة الصوت. هناك دائمًا إحساس خفي بأن أي لحظة قد تحمل حالة طارئة تقلب كل شيء.
في أحد تلك الممرات الطويلة كان إبراهيم وردان يسير ببطء وهو يتفقد المكان كعادته في نوبة الحراسة الليلية. كان يرتدي بدلته الكحلية البسيطة التي تشير إلى وظيفته كفرد أمن في المستشفى. ملامحه هادئة، ووجهه يحمل آثار سنوات من العمل والتعب، لكن في عينيه شيء مختلف؛ يقظة مستمرة لا تختفي حتى في اللحظات الهادئة.
بالنسبة لمعظم العاملين في المستشفى، كان إبراهيم مجرد رجل بسيط يعمل في الأمن. شخص يعتمد عليه في فتح الأبواب، مساعدة المرضى، أو إرشاد الزائرين التائهين في الممرات. لكنه في الحقيقة كان يحمل تاريخًا مختلفًا تمامًا. قبل سنوات طويلة لم يكن إبراهيم يعمل في المستشفى أصلاً، بل كان مسعف عمليات ميدانيًا في إحدى الوحدات الخاصة، رجلًا تدرب على التعامل مع أسوأ الظروف الممكنة، وعلى اتخاذ قرارات سريعة حين تصبح الحياة معلقة بخيط رفيع.
مرت عليه أيام رأى فيها أشياء لا تُنسى بسهولة. حوادث، إصابات، لحظات كان الفرق فيها بين الحياة والموت لا يتجاوز ثواني قليلة. ومع مرور الوقت اكتسب خبرة جعلته يتصرف بهدوء حتى في أكثر المواقف صعوبة. لكنه رغم كل ذلك لم يكن يتخيل أن حياته ستتغير بسبب حادث واحد فقط.
منذ خمس سنوات تقريبًا فقد زوجته في حادث مفاجئ. لم يكن الحادث معقدًا ولا بطوليًا كما في القصص؛ مجرد لحظة عادية تحولت إلى مأساة. تلك اللحظة كانت كفيلة بأن تجعل إبراهيم يعيد التفكير في كل شيء. ترك عمله القديم، وقرر أن يبتعد عن عالم الطوارئ المليء بالضغط والخطر، واختار حياة أبسط بكثير.
كل ما كان يريده بعد ذلك هو أن يعيش حياة هادئة مع ابنته الصغيرة حبيبة. كانت حبيبة بالنسبة له أكثر من مجرد ابنة؛ كانت السبب الذي يجعله يستيقظ كل صباح ويواصل الحياة رغم كل شيء. لذلك قبل وظيفة الحراسة في هذا المستشفى، وظيفة قد تبدو عادية لكنها كانت تمنحه شيئًا مهمًا: الاستقرار.
في الطابق الأرضي من المستشفى كانت الكافتيريا الصغيرة مضاءة بنور خافت. هناك جلست حبيبة على إحدى الطاولات تمسك بأقلامها الملونة وترسم بهدوء. كانت تحب الرسم كثيرًا، وغالبًا ما كانت ترسم شخصيات خيالية تشبه الأبطال الخارقين. الغريب أن معظم تلك الشخصيات كانت تشبه أباها بطريقة ما؛ رجل قوي يقف دائمًا في الوقت المناسب لينقذ الآخرين.
كان إبراهيم يمر عليها كل فترة وهو يقوم بجولته المعتادة. يبتسم لها، يربت على رأسها، ويسألها إن كانت تحتاج شيئًا. ثم يعود إلى عمله في الممرات الهادئة.
في تلك الليلة لم يكن هناك ما يوحي بأن شيئًا غير عادي سيحدث. كل شيء كان يسير ببطء كما يحدث عادة في ساعات الليل المتأخرة. لكن في عالم المستشفيات، الهدوء غالبًا لا يدوم طويلًا.
فجأة قطع صوت اللاسلكي الصمت. جاء الصوت متوترًا وسريعًا يخبر العاملين أن حادثًا كبيرًا وقع على الطريق الدائري، وأن سيارات الإسعاف في طريقها إلى المستشفى ومعها حالات خطرة.
تغيرت أجواء المكان في لحظة واحدة. تحرك الممرضون بسرعة، وبدأت غرفة الطوارئ تستعد لاستقبال المصابين. أما إبراهيم فقد توجه مباشرة إلى مدخل الطوارئ، حيث بدأ يسمع صوت سيارات الإسعاف يقترب شيئًا فشيئًا.
توقفت أول سيارة إسعاف أمام الباب، ونزل منها المسعفون بسرعة يدفعون عربة تحمل امرأة فاقدة الوعي. ملابسها الأنيقة كانت ممزقة قليلًا، ووجهها شاحب بشكل واضح. أحد المسعفين قال بصوت مرتفع إن الحالة تعاني نزيفًا داخليًا وأن ضغط الدم ينخفض بسرعة.
في تلك اللحظة لم يكن الطبيب المسؤول قد وصل بعد بسبب ازدحام الطرق الناتج عن المطر. بدا التوتر واضحًا على وجوه الجميع. الوقت يمر، والحالة تزداد خطورة.
عندما اقترب إبراهيم أكثر لينظر إلى وجه المرأة، شعر بدهشة خفيفة. لم يكن بحاجة إلى التفكير طويلًا ليعرفها. كانت ليلى الحديدي، سيدة الأعمال المعروفة التي تظهر صورها كثيرًا في الصحف والبرامج الاقتصادية. امرأة اشتهرت بالصلابة والذكاء، حتى أن البعض كان يصفها بالمرأة الحديدية.
لكن في تلك اللحظة لم تكن سيدة أعمال ولا شخصية مشهورة. كانت مجرد إنسانة ضعيفة تصارع الألم.
وقفت الممرضة جيني مترددة وهي تحاول السيطرة على الموقف. كان واضحًا أن الانتظار قد يكون خطرًا. عندها خلع إبراهيم سترته الأمنية بهدوء، واقترب خطوة إلى الأمام.
لم يكن في تصرفه أي تردد. شيء قديم في داخله عاد فجأة. خبرة سنوات طويلة ظهرت في حركاته الهادئة. طلب بعض الأدوات البسيطة، وبدأ يضغط على موضع النزيف بطريقة دقيقة.
في البداية نظرت إليه الممرضة بدهشة، لكنها لاحظت بسرعة أنه يعرف ما يفعل. تحركت لمساعدته دون اعتراض.
مرت دقائق ثقيلة كأنها أطول من المعتاد. إبراهيم يعمل بهدوء، يثبت النزيف ويحافظ على استقرار الحالة قدر الإمكان. وعندما فتحت ليلى عينيها للحظة قصيرة، رأت أمامها رجلًا يطمئنها بصوت هادئ ويطلب منها أن تبقى واعية حتى يصل الطبيب.
وأخيرًا وصل الطبيب بعد وقت بدا طويلًا. عندما فحص الحالة فوجئ بأن النزيف أصبح تحت السيطرة بشكل مؤقت، وهو ما أعطى الفريق الطبي فرصة للتدخل بسرعة.
بعد ساعات انتهى التدخل الطبي الأولي بنجاح، وتم نقل ليلى إلى جناح خاص لاستكمال العلاج.
بالنسبة لإبراهيم، عاد كل شيء كما كان. ارتدى سترته مرة أخرى، وعاد إلى جولته في الممرات وكأن ما حدث مجرد جزء عادي من ليلة عمل.
في صباح اليوم التالي، عندما استعادت ليلى وعيها بالكامل، كان أول سؤال سألته هو عن الرجل الذي كان بجانبها في غرفة الطوارئ. الرجل الذي تحدث معها بهدوء في اللحظة التي ظنت فيها أن حياتها توشك على الانتهاء.
وعندما أخبرتها الممرضة أنه مجرد فرد أمن في المستشفى، بدت الدهشة واضحة على وجهها.
مرت الأيام التالية ببطء، لكن تلك الليلة لم تغب عن ذهنها. كلمات إبراهيم البسيطة ظلت تتردد في داخلها. شيئًا فشيئًا بدأت تشعر أن ما حدث لم يكن مجرد حادث نجت منه، بل تجربة جعلتها تعيد التفكير في كثير من الأمور في حياتها.
وبعد أسابيع قليلة قررت القيام بشيء لم تكن تخطط له من قبل. قدمت تبرعًا كبيرًا للمستشفى لإنشاء جناح جديد للطوارئ، لكنها طلبت شرطًا بسيطًا: أن يحمل الجناح اسم حبيبة إبراهيم وردان.
عندما عرف إبراهيم بالأمر وقف مذهولًا للحظة. لم يكن يتوقع شيئًا من هذا النوع. بالنسبة له ما فعله في تلك الليلة كان مجرد واجب إنساني.
دخلت ليلى إلى الكافتيريا حيث كان يجلس مع ابنته. هذه المرة لم يكن معها حراس ولا مظاهر رسمية. كانت تبدو مختلفة، أكثر هدوءًا وبساطة.
اقتربت من حبيبة وانحنت قليلًا لتتحدث معها، ثم أخبرتها أنها احتفظت بالرسمة التي رسمتها لأبيها. قالت إن تلك الرسمة جعلتها تدرك شيئًا مهمًا: أن الأبطال الحقيقيين ليسوا دائمًا من يظهرون في الأخبار أو يملكون المال والنفوذ.
ثم نظرت إلى إبراهيم وقالت بابتسامة هادئة إن تلك الليلة علمتها درسًا لن تنساه أبدًا. الستر في الرداء والجدعنة في الدم ليست مجرد كلمات جميلة، بل حقيقة تظهر عندما يحتاجها الناس فعلًا.
في تلك اللحظة شعر إبراهيم بشيء من الطمأنينة. لم يكن يبحث عن التقدير أو المكافآت، لكنه أدرك أن الخير البسيط قد يغير حياة أشخاص أكثر مما يتخيل الإنسان.
أما حبيبة فكانت تنظر إلى أبيها بفخر واضح، مقتنعة أكثر من أي وقت مضى أن بطلها الخارق الحقيقي لا يحتاج إلى عباءة أو قناع.
يكفي فقط أن يكون إنسانًا يعرف معنى الستر في الرداء والجدعنة في الدم.