الدقيقة التي كسرت الصمت
— مش فارق معايا إنها أمك يا إيهاب! الست دي أهانت أبويا وأمي، وده معناه إنها هتتريّق على نفسها وهتاخد اللي تستحقه! ولو اضطريت أمد إيدي عليها، هعملها!.. فاهم ولا لأ؟
الصوت خرج من كريمة منخفض لكنه كان مشحوناً بطاقة كفيلة أن تقلب البيت رأساً على عقب. كانت تقف في آخر الطرقة الضيقة التي تفصل بين الصالة والمطبخ، والضوء الأصفر الخافت المنبعث من الأباجورة الصغيرة جعل ظلها يطول على الحائط خلفها وكأنه شخص آخر يقف معها في المعركة. إيهاب كان أمامها مباشرة، ممسكاً بذراعها بقوة غير معتادة، وكأن قبضته هي الشيء الوحيد الذي يمنع المشهد من الانفجار الكامل. لم يرفع صوته، بل همس وهو يضغط على أسنانه:
— إنتي بتقولي إيه؟ إنتي اتجننتي يا ست هانم؟
لكن همسه لم يكن ضعيفاً كما ظن. كان فيه ارتباك، وفيه خوف واضح. كان يعرف جيداً أن كريمة عندما تصل إلى هذه الدرجة من الغضب، فالأمور لا تنتهي بكلمتين اعتذار ولا بنظرة تهدئة. هي ليست من النوع الذي يبتلع الإهانة ويكمل السهرة كأن شيئاً لم يحدث. شدها من ذراعها بعيداً عن الصالة حيث الضحكات العالية ورنين الكاسات وصوت الملاعق وهي تخبط في الأطباق، وسحبها إلى الطرقة الضيقة التي تختلط فيها رائحة الكوتشيات القديمة الموضوعة تحت الشماعة مع رائحة الطعام المتبقي في المطبخ.
كريمة سحبت ذراعها منه بعنف. أثر أصابعه الأربع ظهر على جلدها الأبيض واضحاً كختم أحمر. نظرت إلى العلامة لحظة واحدة فقط، ثم رفعت رأسها ببطء. لم تمسحها، لم تشتكِ، بل وقفت بشموخ غريب جعل إيهاب يشعر أنه يقف أمام شخص آخر غير المرأة التي تزوجها قبل عامين. عيناها في الضوء الخافت كانتا تلمعان بحدة جعلت صدره يضيق.
— أنا؟ بتسألني أنا بعمل إيه؟ — قالتها بنبرة باردة.
ثم أكملت ببطء، وكأنها تضع كل كلمة في مكانها مثل حجر في جدار:
— إنت بجد بتسألني يا إيهاب؟ إنت كنت واقف زي الخيال، وأمك المصون طنط إنصاف كانت بتدق في سمعة أبويا وأمي طول السهرة، وبتقول الكلام قدام الناس كأنه هزار… وهي عارفة كويس إنه مش هزار.
تراجع إيهاب خطوة إلى الخلف دون أن يشعر، حتى اصطدم بكتفه في شماعة الملابس الحديدية. شماعة رخيصة لكنها كانت تصدر صوت صرير خافت كلما تحركت. كان العرق قد بدأ يظهر على جبينه رغم برودة الجو. حاول أن يجمع الكلمات في رأسه، أن يجد جملة واحدة تعيد الأمور إلى مسارها الطبيعي، لكنه لم يجد.
— قالت إن أهلي فلاحين وميصلحوش… — قالت كريمة ببطء شديد، وكأنها تستعيد المشهد لحظة بلحظة.
— وقالت إني اتربيت من غير ذوق عشان لبست فستان على قد حالي… وقعدت تسأل قدام الضيوف إذا كان أبويا باع أرضه عشان يجهزني…
ثم اقتربت منه خطوة أخرى، حتى صار محصوراً بينها وبين الحائط.
— وإنت يا إيهاب؟ كنت بتعمل إيه؟
لم يجب. كان يعرف الإجابة. كان جالساً على طرف السفرة، يضع رأسه في طبقه، يحاول أن يتجاهل الكلام وكأن تجاهله سيجعله يختفي. كان يسكب الشاي لأمه، يبتسم للضيوف، ويضحك بخفة كلما أطلقت إنصاف هانم تعليقاً لاذعاً جديداً.
— كنت بتاكل… — أكملت كريمة.
— وبتبص في طبقك… وكأن اللي بيتقال مش عن أهلي.
ثم همست بنبرة قاسية:
— سكوتك ده كان موافقة يا إيهاب. إنت طلعت جبان.
كلمة “جبان” وقعت عليه مثل صفعة. لم يرفع يده، لكنه شعر كأن شيئاً ضربه في صدره بقوة. حاول أن يتكلم أخيراً.
— كريمة… اهدي… دي أمي… لازم تقدري…
لكنها قاطعته فوراً:
— مش مقدرة ولا عايزة أفهم. استحملت ساعتين… ساعتين وأنا قاعدة أسمع إهانة لأهلي… ومستنية راجل يقول كلمة واحدة بس… كلمة توقفها عند حدها.
صمتت لحظة، ثم قالت:
— بس إنت ماعملتش… ففهمت إن لازم آخد حقي بإيدي.
في تلك اللحظة، عاد المشهد كله إلى ذهن إيهاب. اللحظة التي اقتربت فيها كريمة من إنصاف هانم في الصالة، وكأنها تمر بجانبها بشكل عادي. كتفها اصطدم بوجه حماتها… اصطدام سريع… لكن محسوب. سمع صوت الطقة الخفيفة، ثم رأى إنصاف تمسك بأنفها، والدم يتسلل بين أصابعها.
— إنتي ضربتيها؟ — همس وهو ينظر إليها كأنه يراها لأول مرة.
ابتسمت كريمة ابتسامة صغيرة، لكنها كانت باردة.
— رديت الحق… بس لسه ما خلصتش.
ارتجف إيهاب. العالم الذي تربى فيه لا يعرف هذه القواعد. في بيته، كانت المشاكل تُدفن تحت السجاد. تُحل بكلمتين مجاملات، أو بصلح شكلي ينتهي بابتسامة أمام الناس. أما ما تقوله كريمة الآن… فهو إعلان حرب.
— قدامك فرصة واحدة تصلح الغلط — قالت وهي تنظر مباشرة في عينيه.
— تدخل دلوقتي الصالة… وتقول لأمك تسكت… وتعتذر.
ضحك إيهاب ضحكة قصيرة مرتبكة.
— تعتذر؟ أمي؟ قدام الناس؟
— آه — قالت بهدوء.
— قدام الناس اللي سمعت كل كلمة قالتها.
هز رأسه ببطء.
— مستحيل.
تنفست كريمة ببطء، وكأنها توقعت الإجابة.
— يبقى القرار اتاخد.
ثم فتحت باب الطرقة بعنف وخرجت إلى الصالة.
الضحكات توقفت فوراً. إنصاف هانم كانت جالسة في منتصف الصالون، تمسك منديلًا على أنفها بينما تتلقى التعاطف من الضيوف. عندما رأت كريمة تدخل، ارتفع صوتها أكثر.
— شوفتوا يا جماعة؟ الجيل اللي مترباش بيعمل إيه؟
لكن كريمة لم تتوقف. وقفت أمامها مباشرة، ثم قالت بهدوء:
— خلصتي نمرة المظلومية يا طنط؟
سكتت الصالة كلها.
ثم التفتت كريمة إلى الضيوف وقالت:
— طنط إنصاف زعلانة عشان اتخبطت بالغلط… بس نسيت تقولكم إنها طول السهرة كانت بتخبط في شرف أهلي بالقصد.
ثم نظرت إلى إيهاب، الذي كان يقف في الخلف مثل تمثال.
— قولتلك تختار… والظاهر إنك اخترت السكوت.
نزعت دبلة الزواج من إصبعها، ونظرت إليها لحظة، ثم وضعتها بهدوء في يد إيهاب.
— خليك جنب ماما يا إيهاب… أصلها محتاجة حد يمسحلها الدم…
أما أنا… فمحتاجة راجل.
ثم استدارت، وخرجت من الشقة دون أن تنظر خلفها، تاركة خلفها صالة مليئة بالصمت الثقيل… وأم مذهولة… ورجلاً أدرك متأخراً أنه خسر كل شيء في اللحظة التي قرر فيها ألا يفعل شيئاً.
الفصل الجديد: ما بعد الباب المغلق
الباب اتقفل ورا كريمة بصوت مكتوم، لكنه كان كافي يدوّي جوه الشقة كلها كأنه طلق نار. لحظة الصمت اللي حصلت بعدها كانت تقيلة لدرجة إن صوت أنفاس الناس بقى مسموع. محدش اتكلم. محدش حتى اتحرك. كأن الكل كان مستني حد يفسر اللي حصل، أو يمكن مستني إنصاف هانم نفسها تقول إن اللي حصل مجرد سوء فهم. لكن الحقيقة كانت واقفة قدامهم واضحة: العروسة خرجت من بيت جوزها قدام الكل… وسابت الدبلة في إيده.
إيهاب كان واقف في نفس مكانه، ماسك الدبلة بين صوابعه كأنه مش فاهم هي إزاي وصلت ليده. بصلها لحظة طويلة. الدبلة اللي كان فاكر إنها رمز للاستقرار بقت فجأة قطعة معدن باردة… بتفكره إنه سكت في اللحظة الغلط. حس إن صدره تقيل، وكأن الهواء في الصالة بقى قليل فجأة.
أما إنصاف هانم، فكانت قاعدة في الكرسي الكبير اللي في نص الصالون، المنديل لسه على مناخيرها، لكن عينيها ماكانوش في الضيوف… كانوا في الباب اللي خرجت منه كريمة. للحظة قصيرة، اتغير التعبير على وشها. حاجة بين الغضب والذهول. لكنها بسرعة رجعت لنبرتها المعتادة، وقالت وهي تبص للناس حواليها:
— شوفتوا قلة الأدب؟! البنت دي ما تستاهلش تدخل بيت محترم.
لكن هذه المرة، الضحكات المجاملة ما ظهرتش. بعض الضيوف بصوا لبعض بنظرات مرتبكة. واحدة من قريبات إيهاب حاولت تغير الموضوع وسألت إذا كانت إنصاف تحتاج طبيب. لكن الجو كله كان متوتر. الكل حس إن اللي حصل أكبر من مجرد خناقة عائلية عادية.
إيهاب أخيراً رفع رأسه. نظر لأمه ثم للضيوف، ثم للباب مرة أخرى. كان واضح إنه يحاول يجمع نفسه، لكنه لم يكن يعرف ماذا يقول. الكلمات التي كانت تأتيه عادة بسهولة لم تكن موجودة. ظل واقفاً لثوانٍ طويلة قبل أن يتكلم أخيراً بصوت خافت:
— أنا… هطلع أشوفها.
إنصاف هانم التفتت له بسرعة وقالت بحدة:
— تشوف مين؟! سيبها تروح لأهلها… يمكن يعلموها الأدب اللي معرفوش يعلموه قبل كده.
الكلمة الأخيرة خرجت بحدة زائدة، لكن إيهاب لم يرد. لأول مرة منذ بداية السهرة، لم يحاول إرضاءها. لم يبتسم، ولم يوافقها. فقط وقف لحظة، ثم تحرك ناحية الباب.
الطرقة كانت هادئة. صوت الصالة بقى بعيد. عندما فتح باب الشقة، لفحته نسمة هواء باردة من السلم. نزل بعينيه بسرعة إلى أسفل… وكأنه يتوقع أن يراها واقفة هناك. لكنها لم تكن موجودة.
نزل درجتين ببطء. المبنى كان ساكناً، مثل أي ليلة عادية. صوت التلفزيون من شقة في الدور الثاني، وصوت طفل يضحك من بعيد. الحياة كانت مستمرة… وكأن شيئاً لم يحدث. لكنه كان يعرف أن شيئاً كبيراً قد انكسر بالفعل.
تذكر اللحظة التي قالت فيها كريمة: “أنا محتاجة راجل”. الجملة علقت في رأسه كأنها صدى. لم يكن يستطيع التخلص منها. كان يعرف أنها لم تكن تقصد القوة الجسدية، ولا الصوت العالي… كانت تقصد شيئاً أبسط بكثير: موقف.
وقف على السلم لحظة، ثم جلس على الدرجة الباردة. لم يكن متعوداً على هذا الشعور. إيهاب كان دائماً الرجل الهادئ الذي يحافظ على التوازن في البيت. يرضي أمه… ويهدئ زوجته… ويحاول أن يجعل الجميع سعداء. لكنه اكتشف فجأة أن هذا التوازن كان وهماً. وأن سكوته الذي اعتبره حكمة… كان بالنسبة لكريمة خيانة.
في نفس الوقت، داخل الشقة، كان الجو لا يزال متوتراً. الضيوف بدأوا يتحركون ببطء، كأنهم يبحثون عن مخرج لائق من هذا الموقف المحرج. واحدة من السيدات اقتربت من إنصاف وقالت بنبرة لطيفة:
— يمكن الموضوع كبر شوية… الشباب دلوقتي حساس.
إنصاف هانم لم ترد. كانت ما زالت تنظر نحو الباب. ربما لأول مرة تشعر أن الأمور خرجت عن سيطرتها. طوال حياتها كانت هي الصوت الأعلى في أي غرفة. الناس تستمع لها، والكل يتجنب غضبها. لكنها لم تتوقع أن تقف فتاة صغيرة مثل كريمة وترد عليها بهذه الطريقة.
بعد دقائق، بدأ الضيوف يغادرون واحداً تلو الآخر. الصالة التي كانت قبل ساعة مليئة بالضحك أصبحت فارغة تقريباً. عندما أُغلق آخر باب خلف آخر ضيف، أصبح البيت هادئاً بشكل غريب.
إنصاف هانم قامت ببطء من مكانها. مشت نحو المرآة في الصالة، ونظرت إلى وجهها. الدم توقف تقريباً، لكن الكدمة بدأت تظهر حول أنفها. لم تكن معتادة أن ترى نفسها هكذا. لم تكن معتادة أن يخدش أحد هيبتها أمام الناس.
همست لنفسها بنبرة منخفضة:
— دي لسه أولها…
لكنها لم تكن تعرف أن هذه الليلة لم تكن مجرد بداية مشكلة عائلية عادية… بل كانت بداية سلسلة أحداث ستغير حياة الثلاثة للأبد.