كل ليلة كان أخي يعطيني شايًا للنوم… حتى اكتشفت السر المرعب المخفي في بدروم بيتنا

كل ليلة كان أخي يعطيني شايًا للنوم… حتى اكتشفت السر المرعب المخفي في بدروم بيتنا


 

سر الشاي الليلي

كل ليلة تقريبًا كان المشهد يتكرر بنفس الطريقة، لدرجة إني حفظته عن ظهر قلب. الساعة تقرب من العاشرة مساءً، البيت الكبير في حلمية الزيتون يغرق في صمت ثقيل، وبعدها بدقائق أسمع خطوات أخويا كريم ماشية في الطرقة الطويلة. الخطوات كانت دايمًا هادية زيادة عن اللزوم، كأن صاحبها حريص ما يزعجش حد، رغم إن البيت أصلًا مفيهوش غيرنا. بعدها الباب يتفتح ببطء، ويدخل كريم وهو شايل في إيده كباية شاي سخنة، يبتسم ابتسامة خفيفة ويقول نفس الجملة اللي بقيت محفوظة في ودني: “اشربي يا منال… ده شاي أعشاب، هيساعدك تنامي بسرعة”. كنت باخد الكباية من غير نقاش تقريبًا، يمكن لأن علاقتي بكريم عمرها ما كانت فيها شك. هو أخويا الكبير، الشخص اللي حسيت إنه بقي الأب والأم بعد ما أمي ماتت. لكن الحقيقة إن الحكاية كلها بدأت تتغير بعد وفاة أمي بوقت قصير، ووقتها بس بدأت أفهم إن بعض التفاصيل الصغيرة اللي كنا بنعديها عادي ممكن تبقى في الحقيقة إشارات لحاجة أكبر بكتير.

أمي ماتت فجأة. ده اللي قالوه لنا وقتها. قالوا أزمة قلبية جات لها في نص الليل، وإن كريم هو اللي لقاها. أنا ساعتها كنت في أوضتي، وكنت نايمة نوم تقيل بشكل غريب. لما صحيت على صوت كريم وهو بيخبط على بابي ويقول إن أمي تعبت، كان كل شيء حصل خلاص. الدكاترة قالوا إن مفيش حاجة تتعمل. دفناها بسرعة، والبيت اللي كان مليان صوتها وضحكتها بقى فجأة فاضي. من بعدها كريم اتغير. بقى أهدى، أقل كلام، وأكتر انعزال. كنت فاكرة ده طبيعي… الحزن بيعمل كده بالناس. لكن مع الأيام، بدأت أحس إن التغيير أعمق من مجرد حزن.

الشاي اللي كان بيديهولي كل ليلة ظهر بعد موت أمي مباشرة تقريبًا. في الأول افتكرته مجرد اهتمام منه. أنا أصغر منه بخمس سنين، وكان دايمًا بيحب يحسسني إنه المسؤول عني. لكن بعد أسابيع بدأت أحس بحاجة غريبة. كنت بشرب الشاي، وبعدها بوقت قصير أحس بنعاس قوي جدًا. مش مجرد نعاس عادي… كان كأنه حد ضغط زرار في مخي وخلاه يقفل. كنت بصحى الصبح وأنا حاسة إن الليل كله عدى في لحظة واحدة. أحيانًا كمان كنت أحس إن في حاجات حصلت وأنا نايمة، حاجات صغيرة مش قادرة أحددها، بس الإحساس كان موجود… إحساس إن وقت من حياتي بيضيع مني.

فضلت أقنع نفسي إن ده كله من تأثير الحزن. يمكن جسمي مرهق… يمكن أعصابي تعبانة. لكن مع مرور الأيام بقى عندي إحساس مزعج إن في حاجة غلط. مرات كنت أصحى الصبح ألاقي حاجات في أوضتي متحركة. كتاب كان على المكتب بقى على الكرسي. باب الدولاب مفتوح وأنا متأكدة إني قفلته. مرة حتى لقيت الستارة متحركة كأن حد وقف عند الشباك. كل مرة كنت أقول لنفسي إني يمكن عملت ده وأنا مش واخدة بالي. لكن الحقيقة كانت بتكبر جوايا ببطء… لحد الليلة اللي قررت فيها إني ما أشربش الشاي.

الليلة دي بدأت عادية جدًا. كريم دخل بنفس الكباية ونفس الابتسامة. لكن وأنا باخدها منه، كنت مراقبة إيده كويس. حسيت إن إيده بتترعش شوية. بعدها شفت حاجة صغيرة جدًا بين صوابعه… حاجة شبه حباية صغيرة، رماها بسرعة في الشاي قبل ما يمد الكباية ليا. ابتسم وقال: “ده بس شاي أعشاب يا منال… هيساعدك تنامي”. ابتسامته ساعتها كانت مختلفة. مش نفس الابتسامة اللي أعرفها. حسيت بشيء بارد بيعدي في ظهري. لكني ما قولتش حاجة. هزيت راسي، وقربت الكباية من شفايفي كأني بشرب. في الحقيقة، لما كريم خرج من الأوضة، سكبت الشاي كله في الزرع اللي جنب الشباك.

بعدها عملت نفسي نايمة. غمضت عيني، لكن قلبي كان بيدق بسرعة رهيبة. الوقت عدى ببطء شديد. كنت سامعة صوت الساعة في الصالة، كل دقة فيها كانت بتعدي كأنها دقيقة كاملة. لحد ما الساعة قربت من تسعة بالليل، وسمعت خطوات كريم تاني في الطرقة. الباب اتفتح بهدوء شديد. حسيت بيه واقف جنب سريري. كان واقف فترة طويلة من غير ما يتكلم. مجرد واقف… كأنه بيتأكد إني فعلاً نايمة. حاولت أسيطر على نفسي عشان ما أتحركش.

فجأة سمعت صوت حركة في الأرضية. كريم شد طرف السجادة اللي تحت السرير. بعدها سمعت صوت تكة خشب غريبة، كأن قطعة من الأرض اتفتحت. الفضول كان أقوى مني. فتحت عيني نص فتحة وشفت كريم وهو بينزل في فتحة سرية في الأرض. لما اختفى، فضلت مستنية دقيقتين تقريبًا، وبعدين قمت بهدوء. شلت السجادة… ولقيت فعلاً باب خشبي صغير في الأرضية. فتحته، ولقيت سلم ضيق نازل لتحت.

نزلت وأنا حاسة إن كل خطوة بتقربني من حاجة ممكن تغير حياتي للأبد. السلم كان ضيق جدًا، والريحة فيه رطوبة قديمة. لما وصلت آخره، وقفت مكاني مصدومة. البدروم ماكانش مخزن مهجور زي ما كنت فاكرة طول عمري. البدروم كان غرفة كبيرة مليانة شاشات. شاشات كتير جدًا، بتعرض كل زاوية في البيت… الصالة، المطبخ، الطرقة، وحتى أوضتي.

لكن الصدمة الأكبر كانت كريم. كان واقف قدام صورة كبيرة لأمي. الصورة متعلقة على الحيطة، وهو ماسك في إيده دفتر قديم. كان بيقرأ بصوت عالي وكأنه بيكلم حد. كلامه خلاني أتجمد مكاني. كان بيقرأ من مذكرات أمي. كان بيقول: “يا كريم… أختك لازم تفضل بعيدة عن الحقيقة. لو عرفت السر اللي مستخبي في البيت ده، حياتها هتتغير للأبد”.

في اللحظة دي اتحركت خطوة من غير ما أقصد، وصوت رجلي عمل صرير خفيف. كريم لف بسرعة وبص ناحيتي. عينه كانت حمرا وكأنه ما نامش بقاله أيام. قال بصوت غريب: “صحيتي ليه يا منال؟ كان فاضل ليلة واحدة بس… ليلة واحدة والسر كله كان هيفضل مدفون”.

قبل ما أقدر أرد، سمعنا صوت خبط جاي من ورا الحيطة. خبط بطيء، منتظم… كأن حد بيحاول ينبه حد بوجوده. بصيت للحيطة وأنا حاسة إن الدم بيتجمد في عروقي. الصوت كان واضح جدًا. حد… أو حاجة… كانت جوه الجدار.

كريم جري ناحية لوحة قديمة في البدروم وضغط زرار. جزء من الحيطة اتحرك ببطء، وظهر ممر ضيق آخره باب حديد. قلبي كان بيدق بعنف. قربت بحذر وبصيت من بين القضبان… ولما شفت اللي جوه، الدنيا لفت بيا.

كان في رجل قاعد على الأرض. شعره أبيض طويل، وهدومه قديمة. لما رفع رأسه وبص لي، عينيه كانت مألوفة جدًا. الملامح… الصوت… كل حاجة خلتني أصرخ من غير ما أحس. الشخص اللي قدامي كان… بابا. بابا اللي قالوا لنا إنه مات من عشر سنين.

بصيت لكريم وأنا مش فاهمة أي حاجة. صرخت فيه: “إيه ده؟ بابا عايش؟ إنت حابسه هنا ليه؟”. كريم مسكني من كتفي وقال بصوت متعب: “ده مش بابا زي ما فاكرة. أمي اكتشفت الحقيقة من سنين. الحاجة اللي جوه دي مش نفس الشخص اللي كان أبوك. أمي حاولت تحمينا… وأنا كنت بكمل اللي هي بدأت”.

في اللحظة دي، الرجل اللي جوه الزنزانة رفع رأسه وضحك ضحكة غريبة. ضحكة فيها شيء مش طبيعي. قال بصوت هادي: “سيبي أخوكي يا منال… أنا أبوكي. افتحي الباب بس… وأنا هشرحلك كل حاجة”.

الكلمات كانت بتسحبني ناحيته كأنها مغناطيس. لقيت نفسي بقرب من القفل. المفتاح كان معلق جنبه. كريم حاول يمسكني وهو بيقول: “لأ يا منال… لو خرج من هنا، مش بس حياتنا اللي هتتغير… البيت كله ممكن ينهار”.

لكن قبل ما يحصل أي شيء، النور في البدروم قطع فجأة. الظلام غطى المكان بالكامل. بقينا سامعين بس صوت أنفاس تقيلة جاية من جوه الزنزانة… وصوت ضربات خفيفة على القضبان.

كريم همس بسرعة: “اطلعي من هنا يا منال… اطلعي برا البيت ومتلفيش وراكي”.

ما فكرتش كتير. جريت بأقصى سرعة. طلعت السلم، خرجت من الباب السري، وعديت الصالة لحد باب البيت. لما خرجت للشارع، وقفت وأنا بنهج وبصيت ورايا. البيت القديم كان واقف ساكت في الظلام، كأنه مخبي كل الأسرار اللي جواه.

قبل ما أمشي، رفعت عيني للشباك بتاع أوضتي. كان في خيال واقف هناك. خيال بيحرك إيده كأنه بيودعني. ما عرفتش إذا كان كريم… أو بابا… أو حاجة تانية خالص.

من يومها وأنا عايشة في مدينة تانية. حاولت أبدأ حياة جديدة. لكن في بعض الليالي، قبل ما أنام، بشم ريحة شاي أعشاب خفيفة طالعة من تحت باب أوضتي… وساعات بسمع صوت خبط خفيف جاي من ورا الحيطة. ساعتها بس بفهم إن بعض الأسرار… حتى لو هربنا منها… بتفضل ماشية ورانا طول العمر.

 

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان