ثالث يوم رمضان.. حين تحولت سفرة الإفطار إلى لحظة كسرت كل شيء
كان ثالث يوم في رمضان، والبيت من الصبح له طعم مختلف. الصيام له رائحة خاصة في البيوت، خليط من تعب النهار ودفء الانتظار قبل المغرب. كنت واقفة في المطبخ من بعد الظهر بساعات طويلة، أتحرك بين الحلة والفرن كأنني آلة لا تتوقف. الحرارة كانت عالية، والبخار يتصاعد من القدور، والعرق ينزل من جبيني دون أن أشعر. ومع ذلك لم أكن متضايقة، لأنني كنت أعتقد أنني أفعل شيئًا جميلًا من أجل العائلة.
حماتي كانت قد اتصلت بي في اليوم السابق وقالت بنبرة آمرة قليلاً: “بكرة جاية أفطر عندكم، عايزة الأكل يبقى حلو قدام الناس”. لم أفهم وقتها ماذا تقصد بكلمة “الناس”، فسألتها: “ناس مين يا حماتي؟”. ردت ببرود وكأن الأمر عادي جدًا: “شوية قرايب”. لم أشغل بالي كثيرًا، ظننت أنها ربما تقصد أختها فقط أو أحد أقاربها القريبين. لم يخطر ببالي أن كلمة “شوية” يمكن أن تتحول إلى عدد أكبر بكثير.
بدأت تجهيز الطعام منذ وقت مبكر. كنت أريد أن يكون الإفطار جميلًا، حتى لا تقول إنني قصّرت. حضّرت بطًا محمرًا في الفرن، وطبخت الملوخية بالسمن البلدي كما يحب زوجي، ولففت صواني المحشي بصبر شديد. وعلى جانب آخر كانت السلطة جاهزة، وفي الثلاجة صينية كنافة بالمانجا أعددتها خصيصًا للحلو بعد الإفطار. المطبخ كله كان ممتلئًا برائحة الطعام التي تجعل الصائم يشعر أن لحظة الأذان تقترب.
قبل المغرب بنحو نصف ساعة، سمعت صوت باب الشقة يُفتح. خرجت من المطبخ بسرعة، وأنا أمسح يدي في المريلة. في تلك اللحظة تجمدت مكاني. لم تكن حماتي وحدها كما توقعت، بل كانت خلفها أختها وزوجها، وطفلان صغيران، ليصبح العدد فجأة أكبر بكثير مما توقعت. نظرت إليها باستغراب، لكنها ابتسمت ابتسامة صفراء وقالت: “مفاجأة”.
التفتُّ إلى زوجي الذي كان يقف بجانبهم. نظرت إليه بنظرة سؤال واضحة، وسألته بصوت منخفض: “إنت كنت عارف؟”. رد ببساطة وكأن الأمر لا يعنيه كثيرًا: “آه… ماما قالت لي. بس أكيد الأكل هيكفي”. شعرت بشيء ثقيل يهبط في صدري، لكنني لم أقل شيئًا. بلعت الغصة وعدت إلى المطبخ بسرعة، لأن الوقت لم يعد يسمح بالتفكير أو الاعتراض.
وقفت أمام الأطباق التي أعددتها، ونظرت إليها بقلق. فجأة بدا الطعام أقل مما كنت أراه قبل دقائق. ليس لأن الكمية تغيرت، بل لأن عدد الضيوف تضاعف. لكنني قلت لنفسي إن البركة في رمضان كبيرة، وربما يكفي الطعام للجميع.
حين أذن المغرب جلس الجميع حول السفرة. كانت الصحون ممتلئة، والضحك يعلو في المكان. أخت حماتي بدأت تمدح الطعام قائلة: “ما شاء الله، مرات ابنك بتطبخ كويس”. توقعت أن توافقها حماتي أو تبتسم على الأقل، لكنها نظرت إلي نظرة غريبة وقالت ببرود: “لسه… قدامها كتير تتعلمه”.
حاولت أن أتجاهل الكلام. قلت في نفسي إن رمضان شهر الصبر، وإن السكوت أحيانًا أفضل من الدخول في نقاش لا ينتهي. بعد الإفطار قام الرجال إلى الصالون يتحدثون ويشربون الشاي، بينما بقيت أنا في السفرة أجمع الأطباق وأرتب المكان.
كنت أعمل بهدوء حين دخلت حماتي المطبخ. وقفت خلفي وأسندت يديها على الرخامة. شعرت بوجودها قبل أن تتكلم. قالت بصوت منخفض لكنه حاد: “هو ده الأكل اللي يتقدم للضيوف؟”.
استدرت إليها بدهشة. لم أفهم ما تقصده. قلت: “يعني إيه؟ كل حاجة كانت موجودة…”. لم أستطع إكمال الجملة. في لحظة مفاجئة أمسكت طبقًا كان على الرخامة، وبدون أي مقدمات رمت ما تبقى فيه من أرز في وجهي.
الصوت كان قويًا. الطبق ارتطم بالأرض وتكسر. شعرت بحرارة في خدي، لكن الصدمة كانت أكبر من الألم. للحظة لم أستطع الكلام. صرخت في وجهي بصوت عالٍ وصل إلى الصالون: “إنتِ بتكسفينا قدام الناس! الأكل قليل والطعم عادي!”.
نظرت إلى باب المطبخ. كان زوجي يقف هناك. كنت أنتظر منه كلمة واحدة… أي رد فعل… أي شيء. لكنه خفض عينيه إلى الأرض ولم يتكلم.
اقتربت مني حماتي أكثر وقالت جملة باردة: “لو مش عاجبك… الباب يفوت جمل”.
وقفت في مكاني للحظات. شعرت أن شيئًا بداخلي انكسر. لم يكن الألم في خدي، بل في كرامتي التي أُهينت أمام الجميع، وفي بيتي الذي تعبت فيه طوال اليوم. مسحت دموعي بسرعة، وقلت لنفسي إن هذه اللحظة لا يمكن أن تمر وكأنها لم تحدث.
خرجت من المطبخ ودخلت الصالون. كان الجميع جالسًا في صمت محرج. وقفت في منتصف الغرفة وقلت بصوت واضح: “يا جماعة… نورتونا، بس للأسف السهرة خلصت لحد هنا”.
نظر الجميع إلي بدهشة. وقف زوجي مرتبكًا وقال: “إيه اللي بتقوليه ده؟”. نظرت إليه مباشرة وقلت: “بقول إن اللي ميرضاش بمراته تتهان في بيتها، ميرضاش إنها تعيش معاه”.
ضحكت حماتي بسخرية وقالت: “عايزة تعملي علينا بطلة؟”. ابتسمت بهدوء وقلت: “لا… أنا بس واحدة فهمت قيمتها”.
خلعت المريلة التي كنت أرتديها ووضعتها على الطاولة. قلت: “الأكل اللي قولتي عليه قليل هو اللي خلاكي إنتِ وأهلك تشبعوا. والطبق اللي رميتيه في وشي… هو آخر حاجة هتشوفيها مني في البيت ده”.
دخلت غرفتي بسرعة، جمعت بعض ملابسي في حقيبة صغيرة. كان زوجي خلفي يحاول تهدئتي، يقول إن هذه مجرد مشكلة بسيطة وإن أمه هكذا دائمًا. لكنني كنت أعرف في تلك اللحظة أن المشكلة لم تكن في كلماتها فقط، بل في صمته هو.
عندما فتحت باب الشقة للخروج، قلت له بهدوء: “اللي يسكت على إهانة مراته مرة… هيسكت عليها ألف مرة”.
نزلت السلم ببطء. الشارع كان هادئًا، والناس كانت عائدة من صلاة التراويح. الهواء كان لطيفًا رغم حرارة اليوم الطويل. لأول مرة منذ ساعات شعرت أنني أتنفس بحرية.
في تلك الليلة لم أعرف ماذا سيحدث بعد ذلك. لم أعرف إن كنت سأعود أو لا. لكنني كنت متأكدة من شيء واحد فقط: أن الكرامة التي تُكسر مرة لا يمكن أن تعود كما كانت بسهولة.
وفي صباح اليوم التالي لم يتوقف هاتفي عن الرنين. رسائل اعتذار، ومكالمات من الأقارب، ومحاولات كثيرة لإصلاح ما حدث. لكن القرار الذي اتخذته تلك الليلة كان واضحًا في قلبي: من لا يحترم تعبك وكرامتك… لا يستحق أن يجلس على سفرتك.
تلك الليلة لم أنم. كنت مستلقية على السرير في بيت أهلي، أحدق في السقف الأبيض وكأنني أراه لأول مرة. كان البيت هادئًا، وصوت المروحة يدور ببطء فوق رأسي، لكن داخلي كان مليئًا بضجيج لا يتوقف. كل لحظة من الليلة السابقة كانت تعود إلى ذهني بتفاصيلها الصغيرة: صوت الطبق وهو يرتطم بالأرض، نظرات الضيوف المرتبكة، ووجه زوجي وهو يقف عند باب المطبخ صامتًا كأن شيئًا لم يحدث.
أحيانًا يكون الصمت أقسى من الكلمات. كنت أتمنى لو صرخ، أو حتى حاول الدفاع عني، أو قال لأمه جملة بسيطة مثل: “كفاية”. لكن الصمت الذي اختاره كان رسالة واضحة، رسالة تقول إنني وحدي في تلك اللحظة. وكلما تذكرت تلك اللحظة، شعرت بأن ما حدث لم يكن مجرد خلاف عائلي عابر، بل كان لحظة كشفت الحقيقة التي كنت أحاول تجاهلها منذ سنوات.
جلست على طرف السرير وأنا أفكر في السنوات التي مرت منذ زواجي. كم مرة سكتُّ عن كلمة قاسية؟ وكم مرة قلت لنفسي إن الأمر بسيط وسيمر؟ كنت دائمًا أختار الصمت حتى لا تتفاقم المشاكل. كنت أقول لنفسي إن البيت يحتاج إلى هدوء، وإن الصبر أحيانًا أفضل من المواجهة. لكن تلك الليلة أدركت شيئًا مهمًا: الصمت الذي يحفظ السلام أحيانًا يتحول مع الوقت إلى باب مفتوح للإهانة.
في الصباح دخلت أمي الغرفة بهدوء. كانت تحمل كوب شاي ساخن، وجلست بجانبي دون أن تسأل كثيرًا. نظرت إلى وجهي للحظات، ثم قالت بنبرة هادئة: “الكرامة يا بنتي أهم من أي بيت”. لم تكن تحتاج إلى معرفة كل التفاصيل، فقد فهمت كل شيء من عينيّ.
كلماتها كانت بسيطة، لكنها وصلت إلى قلبي مباشرة. شعرت أن الحمل الثقيل الذي كان على صدري بدأ يخف قليلًا. لم يكن القرار الذي اتخذته في تلك الليلة سهلًا، لكنه كان صادقًا. أحيانًا لا يحتاج الإنسان إلى أن يربح معركة كبيرة، يكفي أن يحافظ على احترامه لنفسه.
بعد الظهر جاءني اتصال من زوجي مرة أخرى. كان صوته مختلفًا هذه المرة، أقل ثقة وأكثر ارتباكًا. حاول أن يشرح وأن يبرر، وقال إن أمه لم تقصد إهانتي. استمعت إليه بصمت حتى انتهى من كلامه، ثم قلت له بهدوء: “المشكلة مش في اللي حصل… المشكلة في اللي ما حصلش”. سألني باستغراب: “يعني إيه؟”. أجبته: “المشكلة إنك ما وقفتش جنبي”.
ساد الصمت بيننا لثوانٍ طويلة. كنت أعرف أن تلك الجملة كانت الحقيقة التي لا يريد سماعها. لم أكن أبحث عن انتقام أو اعتذار كبير، كنت فقط أريد أن يفهم أن الكرامة ليست شيئًا صغيرًا يمكن تجاهله.
بعد أن أنهيت المكالمة خرجت إلى الشرفة. الشمس كانت تميل إلى الغروب، والشارع كان مزدحمًا بالناس العائدين من أعمالهم. الحياة كانت تسير بشكل طبيعي، وكأن شيئًا لم يحدث. لكن بالنسبة لي كان ذلك اليوم بداية مرحلة مختلفة، مرحلة فهمت فيها أن الإنسان لا يخسر عندما يدافع عن نفسه، بل يخسر عندما يقنع نفسه أن الإهانة أمر عادي.
وقفت هناك للحظات طويلة أراقب المارة. شعرت لأول مرة منذ وقت طويل بشيء من الهدوء. لم أعرف كيف ستنتهي القصة، ولا ماذا سيحدث في الأيام القادمة، لكنني كنت متأكدة من شيء واحد: أنني لن أعود أبدًا إلى تلك اللحظة التي يقف فيها الجميع صامتين بينما تُكسر كرامتي.