عزومة رمضان التي كسرت قلبي

عزومة رمضان التي كسرت قلبي


عزومة رمضان التي كسرت قلبي

كان يوم العاشر من رمضان يوماً لن أنساه ما حييت. ليس فقط لأنه اليوم الذي احتضنت فيه طفلي للمرة الأولى، بل لأنه اليوم الذي شعرت فيه أن شيئاً في داخلي انكسر ثم وُلد من جديد. كنت أظن أن أصعب ما في الولادة هو الألم الجسدي، لكنني اكتشفت أن الألم الحقيقي قد يأتي من الناس الذين تتوقع منهم أن يكونوا أقرب إليك.

عدت من المستشفى إلى البيت وأنا بالكاد أستطيع السير. كانت خطواتي بطيئة وثقيلة، وكل حركة أشعر معها أن جرح العملية يشتعل من جديد. بطني ما زالت مربوطة بالضمادات، وجسدي كله مرهق وكأنني خرجت للتو من معركة طويلة. في حضني كان طفلي الصغير، ذلك الكائن الضعيف الذي لم يعرف بعد معنى الدنيا، يبكي كل ساعتين وكأنه يخبرني أن الحياة بدأت الآن، وأن علي أن أتعلم بسرعة كيف أكون أماً. كنت أحاول أن أتعافى… وأتعلم الأمومة في نفس الوقت… وكل هذا وأنا بالكاد أستطيع الوقوف لدقائق.

مر يومان فقط منذ عودتي من المستشفى. يومان لم أنم فيهما إلا دقائق متقطعة، بين بكاء الطفل وتغيير الحفاضات ومحاولة إرضاعه. في مساء اليوم الثاني كنت جالسة على السرير، أضم طفلي إلى صدري بعد أن نام أخيراً، وكنت أتنفس ببطء حتى لا أوقظه. شعرت في تلك اللحظة بشيء من السكون، وكأن العالم توقف قليلاً ليمنحني استراحة قصيرة.

في تلك اللحظة بالذات، فتح زوجي الباب ودخل الغرفة وهو ينظر إلى هاتفه. لم يرفع عينيه نحوي في البداية، بل جلس على طرف السرير وقال بنبرة عادية جداً:
“أمي بتقول إن عندها عزومة رمضان كبيرة بعد بكرة.”

رفعت رأسي ببطء ونظرت إليه. لم أفهم في البداية لماذا يخبرني بهذا. قلت بهدوء:
“طيب… ربنا يبارك.”

سكت لحظة، ثم أضاف الجملة التي جعلت قلبي يسقط فجأة من مكانه:
“وهي عايزاكي تعملي الأكل… أصل إنتِ أكلك حلو.”

في البداية ظننت أنه يمزح. ضحكت ضحكة خفيفة رغم التعب وقلت:
“أنا؟! يا أحمد أنا لسه والدة من يومين… أنا مش قادرة أقف أصلاً.”

لكنه رفع كتفيه ببساطة وكأن الأمر طبيعي تماماً وقال:
“أمي قالت العيلة كلها جاية… وبتحب أكلك.”

في تلك اللحظة شعرت بشيء داخلي يتصدع. لم أكن أطلب المستحيل. لم أطلب هدية… ولا سفرة… ولا حتى كلمة مديح. كنت فقط أتمنى أن يقول جملة بسيطة: “مراتي تعبانة… نأجل العزومة.” لكن تلك الجملة لم تأتِ.

قلت بصوت خافت:
“طيب قولها نأجل العزومة شوية… لما أخف.”

نظر إليّ وكأنه لا يفهم سبب طلبي، ثم قال ببرود:
“ليه يعني؟ الناس متعزمة خلاص.”

شعرت في تلك اللحظة أنني وحدي تماماً. كأنني أقف في غرفة مليئة بالناس… ومع ذلك لا أحد يراني.

في اليوم التالي رن هاتفي بينما كنت أحمل طفلي وأحاول تهدئته. كان يبكي بشدة، وكنت أمشي ببطء في الغرفة أحاول تهدئته رغم الألم الذي يشتعل في بطني مع كل خطوة. نظرت إلى الهاتف فوجدت اسم حماتي يظهر على الشاشة.

رددت بصوت متعب:
“ألو يا طنط.”

قالت بصوت مليء بالحماس:
“إزيك يا حبيبتي؟ أنا بجهز لعزومة كبيرة بكرة… العيلة كلها جاية!”

لم أعرف ماذا أقول. سكتُّ قليلاً، لكنها لم تنتظر ردي. قالت مباشرة:
“بصي بقى… أنا عايزاكي تعملي المحشي والفتة والفراخ، وكمان الكنافة والبسبوسة. إنتي إيدك حلوة ما شاء الله.”

نظرت إلى بطني… إلى الجرح الذي ما زال يؤلمني مع كل حركة. قلت بهدوء:
“بس أنا لسه والدة يا طنط…”

لكنها قاطعتني بسرعة:
“ما انتي قاعدة في البيت… يعني فاضية.”

تجمدت الكلمات في حلقي. في تلك اللحظة بدأ طفلي يبكي بصوت عالٍ، كأن بكاءه يترجم كل ما لا أستطيع قوله. سمعته عبر الهاتف بوضوح… لكن ردها جاء بارداً:

“خلاص روّقيه بسرعة… وابدئي في الأكل بدري بكرة.”

ثم أغلقت الخط.

جلست على السرير… طفلي يبكي في حضني… وأنا أبكي معه بصمت. شعرت أنني صغيرة وضعيفة بطريقة لم أشعر بها من قبل.

دخل زوجي بعد دقائق وسأل:
“مالك؟”

قلت وأنا أمسح دموعي:
“أنا مش قادرة أعمل كل ده.”

فقال ببرود:
“اعملي اللي تقدري عليه وخلاص.”

في تلك اللحظة شعرت أنني لست زوجته… بل مجرد طباخة في بيت العائلة.

مر اليوم ببطء شديد. الليل جاء سريعاً، لكن النوم لم يأتِ. كنت أفكر طوال الوقت في اليوم التالي… في المطبخ… في الأواني… في الألم… وفي ذلك الشعور الثقيل الذي يجثم فوق صدري.

وفي صباح يوم العزومة، استيقظت على صوت جرس الباب. لم أكن قد نهضت بعد من السرير. جسدي كان منهكاً، وطفلي بالكاد نام بعد ليلة طويلة من البكاء.

سمعت أخت زوجي تفتح الباب، ثم تدخل المطبخ. بعد لحظات قالت بصوت مرتفع:
“هو الأكل لسه ما اتعملش؟!”

وقبل أن أتكلم، دخلت حماتي خلفها. وقفت في وسط المطبخ ونظرت حولها، ثم نظرت إليّ وأنا أحاول الوقوف بصعوبة.

قالت بصوت عالٍ:
“إيه ده؟! لسه نايمة؟!”

حاولت أن أقول شيئاً… أن أشرح… أن أطلب قليلاً من الرحمة… لكن فجأة شعرت بدوار شديد. بدأت الغرفة تدور من حولي.

آخر شيء رأيته قبل أن تسود الدنيا أمام عيني… كان وجه زوجي وهو يصرخ باسمي.

ثم سقطت على الأرض.

عندما فتحت عيني مرة أخرى، كانت رائحة المعقمات تملأ المكان. نظرت حولي ببطء… كانت غرفة مستشفى. صوت الأجهزة يرن بهدوء، ومحاليل معلقة بجانبي.

كان زوجي جالساً على الكرسي، رأسه بين يديه. أما حماتي فكانت تقف بعيداً تتحدث في الهاتف بصوت خافت.

عندما رآني أفتح عيني، قفز من مكانه بسرعة:
“رؤية! إنتي كويسة؟ خضيتينا عليكي.”

لم أرد. كنت أشعر بضعف شديد… وكأن كل طاقتي قد انتهت.

دخل الطبيب في تلك اللحظة، ونظر إلى زوجي وحماتي بنظرة حادة وقال:
“المدام عندها هبوط حاد في الدورة الدموية… وجرح العملية اتفتح جزء منه بسبب المجهود. إنتو إزاي تسيبوا واحدة والدة قيصري من كام يوم تعمل مجهود زي ده؟!”

ساد الصمت الغرفة.

ارتبكت حماتي وقالت بسرعة:
“يا دكتور… إحنا كنا فاكرين الحركة كويسة ليها.”

في تلك اللحظة شعرت بشيء يتغير داخلي. شعرت بقوة غريبة لم أعرفها من قبل.

قلت بصوت مبحوح لكنه ثابت:
“لا يا طنط… أنا مصممتش. إنتي اللي قلتي لي إني فاضية… وابنك هو اللي رفض يأجل العزومة.”

ثم نظرت إلى زوجي وقلت:
“كنت مستنية منك تكون سندي… مش الشخص اللي يساعدهم على كسري.”

لم يرفع رأسه.

مرت ساعات قليلة قبل أن يصل أبي وأخي إلى المستشفى بعدما علموا بما حدث. عندما دخل أبي الغرفة ونظر إليّ، رأيت في عينيه غضباً لم أره من قبل.

قال بصوت حازم:
“بنتي هترجع معايا البيت.”

حاول زوجي الاعتذار. بكى وقال إن كل شيء سيتغير… وأنه لم يدرك حجم تعبي إلا عندما رآني أسقط أمامه.

لكنني كنت قد اتخذت قراري.

قلت بهدوء:
“أنا محتاجة وقت يا أحمد… محتاجة أرجع مكان يحسني إنسانة.”

عدت إلى بيت أهلي… ومعي طفلي الصغير. هناك فقط شعرت بالأمان لأول مرة منذ ولادته. تعلمت أن الطيبة لا تعني أن نسمح للآخرين بكسرنا… وأن الإنسان يجب أن يحمي نفسه أحياناً حتى من أقرب الناس إليه.

 

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان