المندرة الشرقية
“هوّ في إيه بالظبط في المندرة الجوانية؟”
خرج السؤال من فم رضوى ببطء، كأنها تقيس كلماته قبل أن تتركها تسقط في الهواء الثقيل داخل البيت القديم. لم يجب يونس في الحال. وقف لحظة قرب الباب الخشبي العريض، يضغط عليه بكفه كأنه يتأكد أن الريح لن تعود لتفتحه. في الخارج كانت عاصفة طوبة تضرب الجدران الطينية ضرباً خشناً، والهواء يعوي في الفتحات الضيقة مثل ذئب ضال يبحث عن طريق للدخول. كان البيت كله يرتجف قليلاً، كأن العاصفة لا تضرب الجدران فقط بل تضرب ذاكرة المكان نفسه.
خلف رضوى، كان المطبخ يحتفظ بدفء ثقيل، ذلك النوع من الدفء الذي لا يأتي من الراحة بل من العادة. وابور الجاز كان يشتعل بلهب أحمر داكن، يحيط به هباب أسود يشبه ظلالاً صغيرة تتشبث بالمعدن. فوقه كانت الكنكة تصدر همهمة خافتة، صوت ماء يغلي ببطء كأن القهوة نفسها تشهد على أسرار هذا البيت منذ سنوات طويلة. رائحة الحطب المحروق امتزجت برائحة الكرنب المسلوق حتى الذبول، وببخار فاصوليا باللية طُبخت أكثر مما ينبغي. كل شيء في الغرفة يوحي بأن الزمن مرّ هنا ببطء شديد، لكنه لم يغادر أبداً.
كانت الطاولة الخشبية في المنتصف تحمل آثار سكاكين قديمة، ندوب محفورة في جسدها كأنها سجل صغير لعشرات السنين. الكراسي الأربعة حولها لا يشبه واحد منها الآخر، كأن كل واحد جاء من بيت مختلف واستقر هنا بالصدفة. وعلى الحائط كانت ساعة خشبية كبيرة، متوقفة عقاربها عند وقت غير معروف. لم تتحرك منذ زمن، وكأنها قررت ألا تشهد على ما سيحدث بعد ذلك.
أغلق يونس الباب أخيراً وأسدل المزلاج الحديدي بصوت حاد. عندها فقط التفت نحو رضوى. كانت واقفة عند المدخل، شوال الخيش على كتفها، ثيابها مبللة من المطر، وحذاؤها القروي متصلب من البرد. شعرها الأسود كان ملتصقاً بجبينها، لكن عينيها ظلتا ثابتتين، فيهما ذلك الهدوء الصلب الذي يميز نساء القرى اللواتي تعلمن أن يقفن وحدهن أمام الدنيا.
قال يونس أخيراً بصوت منخفض:
“ابني.”
انتظرت رضوى بقية الجملة. لم تأتِ. بعد لحظة قال:
“ما بيحبش الغرباء.”
كانت الكلمات قصيرة، لكن ما خلفها بدا أثقل بكثير. رضوى التقطت النبرة فوراً. لقد سمعتها من قبل في أصوات رجال كثر، ذلك الصوت الذي يظهر عندما تكون الحقيقة مؤلمة بما يكفي لتجرح الحلق.
سألت وهي تنقل الشوال إلى كتفها الأخرى:
“أهو ده السبب اللي مخلي المندرة الشرقية مقفولة طول الوقت؟”
أجاب يونس دون أن يرفع عينيه:
“دي أوضته.”
تحركت رضوى قليلاً نحو الدفء، لكنها لم تخلع معطفها. كانت جواربها مبللة، ومعدتها بدأت تصدر أصواتاً خافتة من الجوع.
“عنده كام سنة؟”
“تمانية.”
“وبيصرخ طول الليل؟”
اشتد فك يونس قليلاً.
“مش كل ليلة.”
رفعت حاجبها وقالت بهدوء:
“بس كفاية إن محدش يقبل يشتغل هنا.”
ضاقت عيناه، ليس غضباً تماماً، بل ذلك التعب الذي يظهر عندما يسمع الإنسان الحقيقة التي يعرفها بالفعل.
“إنتي بتسألي كتير يا ست رضوى… ولسه ما دفتيش حتى.”
ابتسمت ابتسامة صغيرة، فيها شيء من العناد الريفي.
“وأنت سألتني قبل كده إذا كنت باكل كتير ولا لأ قبل ما تسأل إذا كنت بردانة. أظن إحنا الاتنين جايين هنا مستعدين للمعركة.”
تحرك شيء في وجه يونس، وميض صغير من الاحترام. أشار بيده نحو الممر الضيق.
“الأوضة اللي ورا المطبخ. فيها كنبة بلدي ولحافين صوف. الأكل على الوابور لو عايزة.”
ثم توقف قبل أن يدخل الممر الآخر المؤدي للمندرة.
“ولو خرج… ما تعليش صوتك. ما تتحركيش بسرعة. وما تلمسيهوش… إلا لو هو لمسِك الأول.”
سألت بهدوء:
“ولو عملت غير كده؟”
قال وهو يفتح باب المندرة ببطء:
“هيتكسر.”
دخلت رضوى غرفتها الصغيرة. كانت غرفة بالكاد تتسع لسرير خشبي وكنبة قديمة، لكن دفء الجدار المجاور للموقد جعلها تبدو أقل قسوة من الخارج. وضعت شوالها على الأرض. كان كل ما تملكه في الحياة داخل ذلك الشوال: قطعة صابون قديمة، مشط مكسور الأسنان، بكرة خيط، إبرة، وقلادة نحاسية ثقيلة لا تفتح بسهولة.
جلست قليلاً، تنظر إلى جانب فستانها الممزق. كان ينبغي أن ترقعه. الترقيع يعني أن الشيء ما زال يستحق فرصة أخرى. لكنها لم تعد تؤمن بذلك كثيراً. ومع ذلك، أخرجت الإبرة والخيط، وبدأت تخيط رقعة واسعة. كانت الغرز كبيرة وواضحة، لكنها متينة. مثل حياتها كلها… مجرد محاولات متكررة لإصلاح ما ينكسر.
عندما اشتد الجوع عليها، خرجت إلى المطبخ. ملأت طبقاً بالفاصوليا الساخنة ووقفت بجوار الوابور تأكل. لم تجلس. الجلوس يجعل الإنسان يشعر بالامتنان، وهي لم تكن مستعدة لذلك.
ثم سمعت الصوت لأول مرة.
لم يكن خطوات.
بل دندنة.
صوت منخفض جداً… نغمة واحدة تتكرر بلا توقف. كأن شخصاً يهمهم من عمق حلقه. الصوت كان غريباً، ليس مريحاً. بدا كأن حبلاً يُسحب ببطء عبر صدر إنسان.
خفضت الملعقة ببطء.
توقف الصوت.
ثم جاء صوت ضربة قوية على الخشب.
ثم صرخة.
هذه المرة لم تستطع رضوى تجاهل الأمر. تحركت ببطء نحو الممر. رأت يونس واقفاً أمام باب المندرة، وجهه شاحب، يهمس:
“يا علي… يا ابني… اسمعني.”
اقتربت رضوى قليلاً ونظرت من شق الباب المكسور.
ما رأته جعل الدم يتجمد في عروقها.
كان علي جالساً في ركن الغرفة، لكن جسده كان يتشنج بطريقة غير طبيعية. عيناه كانتا مائلتين إلى الأعلى حتى ظهر البياض فقط. يديه تتحركان في الهواء، كأنه يبعد شيئاً غير مرئي.
فجأة…
انطفأت لمبة الجاز في الطرقة.
وانتشرت رائحة كبريت حارق.
ثم جاءت ضحكة.
ضحكة طفل… لكنها مكسورة، خشنة، كأنها خرجت من حنجرة عجوز.
التفت يونس إلى رضوى فجأة.
“هو عرف إنك هنا… قال اسمك.”
تجمدت في مكانها.
“قال إيه؟”
ابتلع يونس ريقه.
“قال… رضوى جابت الأمانة اللي منصور بعتها ليها؟”
سقط طبق الفاصوليا من يدها وتحطم على الأرض.
صرخت:
“منصور؟! منصور مات من سنين!”
لكن الصراخ لم يكتمل.
باب المندرة انفتح بعنف.
وخرج علي.
لكنه لم يكن يمشي بطريقة طفل.
كان جسده ملتويًا… رأسه مائل… وعيناه البيضاوان مثبتتان عليها مباشرة.
في تلك اللحظة هبت العاصفة بقوة هائلة. باب المطبخ الخارجي انفتح وحده.
وعلى العتبة…
وقف رجل.
عباءة سوداء مغطاة بطين القبور.
وعصا خشبية رأسها على شكل جمجمة.
كان منصور.
الرجل الذي ظنت رضوى أنها دفنته خلفها في قريتها القديمة.
تقدم خطوة واحدة فقط.
وقال بصوت بارد:
“الغرز اللي رقعتي بيها فستانك يا رضوى واسعة قوي… وأي حاجة واسعة… سهل تتقطع تاني.”
نظر يونس بين ابنه والرجل الغريب بعجز.
ثم قال منصور:
“الولد ده مش ابنك يا يونس… ده الوعاء اللي كنت مستنيه يكبر.”
ارتجفت يد رضوى.
القلادة النحاسية بدأت تسخن بين أصابعها.
فهمت أخيراً.
القلادة لم تكن للزينة.
كانت المفتاح.
ضحك علي.
لكن الصوت كان صوت منصور.
وببطء… بدأ جسد منصور يتحول إلى دخان.
يتجه نحو الطفل.
صرخت رضوى وهي تحاول كسر القلادة:
“مش هيحصل!”
لكن الساعة المتوقفة على الحائط بدأت تدق فجأة.
دقة… دقتان… ثلاث.
ومع كل دقة…
كان جسد علي يتغير.
حتى جاءت الدقة الثانية عشرة.
وانطفأت الأنوار كلها.
ساد الصمت.
ثم جاء صوت من الظلام…
ليس صوت طفل…
ولا صوت رجل.
بل شيء بينهما.
“نورتي بيتك يا رضوى… إحنا كنا مستنيينك.”
وصوت المزلاج انغلق وحده خلفهم.