مات واقف على بابها
«ألف مبروك يا عريس.. عقبال ما تفرح بأولادها!»… الجملة دي ما كانتش مجرد هزار تقيل، ولا كلمة بتتقال وخلاص وسط زحمة الفرح، دي كانت زي رصاصة خرجت من غير صوت واستقرت في قلب أحمد، رصاصة ما حدش شافها، بس هو حس بيها وهو واقف في نص الصيوان شايل صينية العصير بإيده اللي كانت بتترعش من غير ما حد يلاحظ، عينه بتلف حوالين المكان كأنه بيدور على حاجة ضايعة، أو يمكن بيدور على نفسه اللي سابها من شوية وهو داخل الفرح ده مش كعريس… لكن كخادم في فرح البنت اللي كان مفروض تبقى مراته. كانت الأنوار ملونة ومبهجة، الأغاني عالية، الناس بترقص وتضحك، الضحك مالي المكان لدرجة تخلي أي حد يصدق إن الحياة بسيطة، لكن الحقيقة كانت واقفة في ركن بعيد، لابسة بدلة شيك، وشها هادي زيادة عن اللزوم، وعينيها مليانة وجع لو حد بص فيها بس ثانيتين هيفهم إن في حاجة ماتت جواه من غير ما ياخد إذن.
أحمد كمال ما كانش شاب عادي، ولا قصته كانت قصة حب عادية تتقال وتتنسى، دي كانت سبع سنين من عمره، سبع سنين متواصلة من التعب والحلم والانتظار، سبع سنين كان بيبني فيهم حاجة شايفها قدامه واضحة زي الشمس، بيت صغير، ضحكة سارة وهي بتفتح الباب، صوتها وهي بتناديه، تفاصيل بسيطة جدًا لكنها كانت بالنسبة له حياة كاملة. من وهو صغير وهو شايفها قدامه، بنت الجيران اللي بتكبر يوم ورا يوم، لحد ما بقت البنت اللي قلبه اختارها من غير ما يستأذن، حبها كان هادي، ما فيهوش استعراض، ما فيهوش كلام كبير، لكن كان فيه وعد ساكن جواه، وعد إنه هيستنى، وهيشتغل، وهيبني، وهييجي اليوم اللي ياخدها فيه من بيت أبوها لبيته هو.
سافر، ودي كانت أول خطوة حقيقية، سافر وهو شايل حلمه على كتفه، اشتغل في المعمار، شمس بتلسع جلده، تعب بيكسر ضهره، غربة بتاكل في قلبه، لكنه كان مستحمل، مستحمل عشان كل يوم بيعدي كان بيقربه خطوة من الهدف، كان بيبعت فلوس، ويكلمها في التليفون، يحكيلها عن يومه، وهي تحكيله إنها مستنياه، الكلمة دي كانت كفاية تخليه يصحى تاني يوم ويكمل، كان بيشوف الشقة وهي بتتبني، يفرح بكل طوبة كأنه بيحطها بإيده، كان بيعد الأيام مش بالوقت… لكن بالحلم.
لكن اللي ما كانش حاطه في حسابه… إن في ناس شايفة الحياة بطريقة تانية خالص، إن في بيوت بيحكمها قرار واحد بس… “كلمة الأب”، وإن الكلمة دي ممكن تهد كل حاجة اتبنت في سنين في لحظة واحدة. لما رجع أحمد، كان راجع وهو شايل الفرح في قلبه، هدايا، تجهيزات، أحلام مترتبة، لكنه أول ما دخل البلد حس إن في حاجة غلط، نظرات الناس مختلفة، همسات غريبة، كأن في خبر كل الناس عارفاه وهو الوحيد اللي لسه ما سمعوش. ولما وصل بيته، الخبر وقع عليه زي حجر تقيل: سارة اتخطبت.
مش بس اتخطبت… لأ، اتحددلها ميعاد فرح. العريس مهندس من المدينة، جاهز، غني، مستقر، “مستقبل مضمون” زي ما قالوا، أما أحمد… فكان لسه راجع من السفر، لسه بيجمع نفسه. اللحظة دي كانت كفيلة تكسر أي حد، بس أحمد ما صرخش، ما اتخانقش، ما عملش مشهد، سكت، وسكوته كان أوجع من أي صوت. راح لها مرة واحدة بس، وقف قدامها، بص في عينيها، كان مستني كلمة واحدة، كلمة تقول له استنى، كلمة تقول له أنا معااك، لكنها ما قالتش حاجة، كانت واقفة قدامه ساكتة، في عينيها خوف واستسلام، وكأنها بتعتذر من غير كلام، وكأنها بتقول له: أنا ضعفت.
رجع يومها وهو مش شايف الطريق، الدنيا كلها كانت باهتة، كأن الألوان اختفت، وكل حاجة بقت رمادي، الحلم اللي كان شايفه واضح اتكسر فجأة، وكل التعب بقى مالوش معنى، لكنه رغم كل ده… ما بعدش. بالعكس، عمل حاجة محدش فهمها وقتها، قرر يحضر الفرح. مش كضيف، مش كواحد له حق يقف، لكن كعامل، كواحد بيخدم الناس، كأنه بيعاقب نفسه إنه يشوف النهاية بعينه، يشوف اللحظة اللي كل حاجة فيها بتضيع.
وفي ليلة الفرح، كان واقف، شايفها وهي لابسة الأبيض، شايفها وهي بتضحك، شايفها وهي بتبدأ حياة جديدة مع حد تاني، كل تفصيلة كانت بتوجعه، بس هو ما اتحركش، ما مشيش، فضل واقف كأنه بيشهد على موته هو مش جوازها هي. ولما صديقه قال الجملة… “ألف مبروك يا عريس”، الناس ضحكت، لكن أحمد ما ضحكش، بس حس بحاجة بتتسحب من جواه، حاجة بتخلص.
الفرح خلص، والناس مشيت، والأضواء انطفت، والزينة بقت شكلها كئيب، الصيوان بقى فاضي، وأحمد لسه قاعد، محدش لاحظ، محدش سأل، كأنه بقى جزء من المكان. وبعد شوية قام، ومشي ناحية بيتها، خطواته كانت تقيلة، لكنه كان عارف هو رايح فين. وقف قدام الباب، نفس الباب اللي كان بيحلم يدخل منه وهو شايلها، نفس الباب اللي دلوقتي اتقفل على حياتها مع غيره.
طلع الدبلة من جيبه، الدبلة اللي كانت المفروض تبقى في إيدها، بص لها، فضل باصص شوية كأنه بيسترجع كل حاجة، كل لحظة، كل وعد، كل ضحكة، وبعدين قعد. قعد على الأرض، وسند ضهره، وساب نفسه أخيرًا. ما كانش في صوت، ما كانش في دراما، بس كان في نهاية.
في نفس اللحظة اللي باب البيت اتقفل فيها عليهم… قلبه وقف.
الصبح، الناس خرجت تهني، لقت أحمد قاعد، في الأول افتكروا نايم، لكن لما قربوا… عرفوا. كان هادي، ساكت، كأن مفيش حاجة حصلت، لكن الحقيقة إنه مشي. في إيده الدبلة، وفي وشه نفس الهدوء اللي كان عليه طول عمره، بس المرة دي… كان هدوء النهاية.
مات أحمد… مش بسبب مرض، ولا حادث، لكن بسبب حاجة محدش بيحسب حسابها، حاجة اسمها القلب المكسور. وساب وراه حكاية بتوجع، مش عشان نهايتها بس، لكن عشان صدقها، عشان شاب حب بجد، استنى بجد، تعب بجد… وفي الآخر، ما خدش غير الصمت.
الموت ساعات بيبقى أهدى من الحياة… وده اللي حصل مع أحمد، لأنه وهو قاعد على باب البيت اللي كان بيحلم يدخله عريس، ساب الدنيا كلها ورا ضهره في هدوء غريب، هدوء يخوف أكتر من الصراخ. لكن الحقيقة إن القصة ما انتهتش بموته، لأن اللي بيموتوا مش بس هما اللي بيختفوا… في ناس بتفضل عايشة، بس شايلة وجعهم جواها، وده كان نصيب كل واحد في القرية، خصوصًا سارة.
الصبح، لما الخبر انتشر، الدنيا اتقلبت. الناس جريت على باب البيت، الستات زعقت، الرجالة وقفت مذهولة، والهمس اتحول لصوت عالي مليان صدمة. “أحمد مات!” الجملة كانت تقيلة على الودن، صعبة على التصديق، لأن أحمد ما كانش مريض، ولا كبير في السن، كان شاب في عز شبابه، لكن محدش كان شايف اللي جواه. لما قربوا منه، شافوا الدبلة في إيده، ساعتها بس الصورة اكتملت… ومحدش قدر يتكلم.
جوا البيت، كانت سارة قاعدة، لسه في فستانها، ملامحها متعبة من ليلة طويلة، لكن أول ما سمعت الصريخ، قلبها اتقبض بطريقة غريبة، كأن حاجة شدتها تقوم. خرجت من الأوضة بخطوات سريعة، والناس بتبص لها، والعيون كلها عليها، لحد ما وصلت للباب… وشافته.
أحمد.
قاعد زي ما هو، بس مش هو.
في اللحظة دي، الزمن وقف تاني، نفس الإحساس اللي حصل له امبارح، بس المرة دي كان عندها هي. عينيها وسعت، نفسها اتقطع، وقفت مكانها كأن رجليها اتسمّرت في الأرض. كانت مستنية إنه يقوم، يفتح عينه، يقول حاجة… لكن ما حصلش. الحقيقة كانت واضحة، قاسية، ومفيش منها هروب.
صرخت… صرخة طلعت من عمقها، صرخة كانت متأخرة، متأخرة جدًا، بس خرجت. حاولوا يمسكوها، لكن كانت بتجري ناحيته، وقعت على الأرض جنبه، مسكت إيده… كانت باردة. ساعتها بس فهمت، إن كل حاجة خلصت فعلًا، وإن الفرصة اللي ضيعتها… عمرها ما هترجع.
فضلت تبص له، تبص لوشه، للدبلة في إيده، وتفتكر كل حاجة، كل لحظة، كل كلمة قالها، كل مرة وعدها إنه هيستحمل عشانها. كانت فاكرة إنه هيفضل موجود مهما حصل، وإن الوقت ممكن يتصلح، لكن الوقت ما استناش حد.
العريس وقف بعيد، مش فاهم إيه اللي بيحصل، ولا مستوعب إنه بقى جزء من مأساة أكبر منه. الفرح اللي كان لسه من ساعات مليان ضحك، اتحول لبيت عزاء، والزينة بقت شكلها تقيل، كأنها شاهدة على اللي حصل.
القرية كلها اتكلمت، كل واحد حكى بطريقته، في اللي قال “ده حب”، وفي اللي قال “ده ضعف”، وفي اللي قال “دي نهاية واحد ما استحملش”، لكن الحقيقة كانت أبسط وأقسى: أحمد كان بيحب بصدق… والصدق ساعات بيكون تقيل على قلب واحد لوحده.
سارة ما خرجتش من أوضتها بعدها، ولا لبست الفستان الأبيض تاني، ولا ضحكت بنفس الطريقة، لأنها مهما حاولت تعيش حياتها، كان في حاجة ناقصة، حاجة مش هترجع. كانت بتصحى بالليل مفزوعة، شايفة نفس المشهد، الباب، أحمد، الدبلة، وكل مرة كانت تتمنى لو الزمن يرجع دقيقة واحدة بس… تقول له كلمة واحدة… “استنى”.
لكن الزمن ما بيرجعش.
وأحمد… ما استناش.
وفي آخر الحكاية، ما فضلش غير صمت طويل، صمت بيحكي أكتر من أي كلام، وصورة شاب قاعد على باب بيت، ماسك دبلة، ومستني… بس المرة دي، مستني حاجة مش في الدنيا.
واللي شاف القصة دي، عمره ما نسيها… لأن في بعض الحكايات، مش بس بتوجع… لكنها بتفضل عايشة جوانا، تذكرنا إن في ناس بتحب بجد… بس مش دايمًا بتكسب.